GMT 3:00 2017 الأربعاء 11 أكتوبر GMT 13:40 2017 الثلائاء 10 أكتوبر :آخر تحديث
أستاذان العلوم السياسية :

الفكر القومي رافد من روافد الفكر السياسي الرئيسة

محمد الحمامصي

 

يمثل هذا الكتاب " القومية والأمة: مدخل إلى الفكر السياسي القومي" حلقة جديدة تضاف إلى سلسلة حلقات كتب الفكر السياسي التي أصدرها أستاذا العلوم السياسية العراقيان د.علي عباس مراد، ود.عامر حسن فياض، وشملت كلا من: (مدخل إلى الفكر السياسي القديم والوسيط، مدخل إلى الفكر السياسي الغربي الحديث، مدخل إلى الفكر السياسي الغربي المعاصر)، ثم قاما بجمعها في كتاب واحد حمل عنوان (موسوعة الفكر السياسي عبر العصور). وإذا كانت تلك الكتب قد عالجت الفكر السياسي معالجة عامة في سياقاته الزمنية المتعاقبة (القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة)، فإن هذا الكتاب يماثلها في معالجته للفكر السياسي، لكنه يتميز عنها بأنه معالجة خاصة لهذا الفكر من زاوية موضوع محدد من موضوعاته هو (الفكر السياسي القومي).
وقد كشف الباحثان في مقدمتهما للكتاب الصادر عن دار العربي للنشر عن الاهتمام بهذا الموضوع، كون: أولا إن (الفكر السياسي القومي) ما زال حقلا دراسيا حديث العهد نسبياً، إذ يذهب أحد الباحثين إلى أن الدراسة الأكاديمية عن القومية، لم تبدأ إلا في القرن العشرين، ويؤيد ذلك باحث آخر يرى أن عمر هذه الدراسة لا يتجاوز في بعض التقديرات حدود العقد الرابع من ذلك القرن عندما كتب هانس كوهن المدخل عن النزعة القومية في دائرة المعارف البريطانية. ثانيا إن (الفكر السياسي القومي) ما زال حقلا دراسيا حديث العهد نسبياً.. تتابع فيه الدراسات وتتزايد، ولكن يبدو أن العديد منها، لا ينجز وفق خطة محددة، أو يعاني من عدم التركيز أو الانتظام في خط معين، فضلا عما يسود كثيرا من تفاصيله من الاختلاف بل والتناقض.. بما يبقى هذا الفكر بحاجة إلى لمزيد من العناية به والبحث فيه. ثالثا إن (الفكر السياسي القومي)، كان وما زال عاملا حيا ومؤثرا في تحديد مواقف الدول وتوجيه سياساتها تحت مسميات متعددة ومتنوعة، لكنها ذات دلالة واحدة ومشتركة مثل (الأهداف القومية، المصالح القومية، الأمن القومي...الخ). رابعا إن (الفكر السياسي القومي)، كان وما زال عاملا قابلا للاستخدام والتوظيف لتحقيق أهداف على قدر كبير من الأهمية والتأثير في حياة الأفراد والجماعات والدول، وتغيير حاضرها ومستقبلها، بقدر ما هي أيضا أهداف على قدر كبير من الاختلاف والتعارض، حيث تتراوح بين تكوين الأمم وتأسيس الدول وتوحيدها، وإضعاف الأمم وتجزئة الدول وتفكيكها. خامسا إن (الفكر السياسي القومي)، يشهد منذ أوائل القرن الحادي والعشرين إحياء وصعودا ملفتين للنظر، وقد ترتبت عليهما نتائج يبدو أنها لا تستثني أية جماعة أو دولة من تزايد واشتداد حدة مطالب أصغر الجماعات فيها بالاعتراف بهوياتها التي تمثل الهوية القومية واحدا من مكوناتها الأساسية، وقد سعي كل جماعة منها للحصول على ما تفترض، صدقا أو زعما، أنها الحقوق المشروعة والمنتهكة لتلك الهويات.
وقالا أن معالجتهما للفكر السياسي القومي تبدأ من منظور الظاهرة القومية المعبرة عنه والمجسدة له، "بالقول إننا لا نعنى بنوع ولا شكل محددين بذاتهما من أنواع الفكر القومي وأشكاله المختلفة، ولا نركز على أنموذج محدد من نماذج التصورات النظرية للقومية المصاغة وفقا لمنظور خاص وفي زمن بعينه، وإنما نعنى بكل فكر وتصور نظري تمت صياغته للتأسيس للنزعة القومية والدفاع عنها متى وحيثما كان، وأيا كان أساسه ومنطلقه وهدفه ووسائله ومقدماته ونتائجه، وسواء أكان ذلك التأسيس واقعيا أو افتراضيا، صحيحا أو خاطئا. تدفعنا إلى ذلك، وتحثنا عليه، الرغبة في الوصول إلى معرفة أكثر وأصدق مطابقة للواقع من المعرفة التي توفرها الاهتمامات البحثية التي تحركها الدوافع العقائدية المتعصبة والمنحازة لأي موقف ومنظور وهدف قومي كان، فضلا عن الحرص على تجنيب تلك المعرفة تأثير المعايير التقويمية الذاتية، والتطلع إلى تعميق الوعي بالأبعاد الفكرية الأساسية للظاهرة القومية، وأسباب ونتائج نشأتها، وهو ما نعتقد أن تحقيقه مرهون بمقدار النجاح في الكشف عن أصول نشأة الظاهرة القومية، والفكر المعبر عنها، والتجسيد العملي السياسي لهما في الأنموذج الشائع عالميا للدولة القومية، مع التركيز على الأصول الأوربية لهذا الأنموذج، بحكم ارتباط نشأة هذا الأنموذج وتطوراته وتحولاته بالتاريخ الاجتماعي- السياسي الأوروبي الحديث".
وأشار الباحثان إلى أن الباحثين في الشأن القومي سرعان ما يواجهون مشكلة الافتقار إلى جهد نظري متكامل الأبعاد، قادر على متابعة الأصول التاريخية لنشأة الظاهرة القومية السياسية أوروبيا ثم انتشارها عالمياً، والمستويات الوجودية التي تجلت فيها هذه الظاهرة، والدواعي والأسباب الكامنة وراء تجليها في كل حالة وظرف اجتماعيين في مستوى وجودي مختلف عن المستوى الذي تجلت فيه في الحالات والظروف الأخرى، وإنجاز ذلك كله من دون الوقوع تحت تأثير نزعة التمركز الذاتي الأوروبية التي تعاني منها أغلب الدراسات المتعلقة بالظاهرة والفكر القوميين. وإذا كان أمرا مفهوماً ومسوغاً، غلبة هذه النزعة على عقول القسم الأكبر من المفكرين والباحثين والساسة الغربيين، فمن العجب غلبتها على عقول نظرائهم خارج النطاق الحضاري الغربي، ممن صدقوا الفكرة التي أشاعتها الأوساط الغربية، والقائلة: (إن الظاهرة القومية في شتى صورها، ومختلف تجلياتها ومستوياتها الوجودية، حكر على المجتمعات الأوروبية وأممها، وأنها لا تكون خارج الفضائين الحضاري والسياسي الأوروبيين، إلا انعكاسا لهذه المستويات كلها، ونتاجا لمؤثرات غربية عموماً، وأوروبية على وجه التحديد).
وعالج الباحثان موضوعهما من خلال رؤية خاصة ومختلفة في هذا الشأن، حيث انطلقا من التأصيل النظري لماهية الفكر السياسي القومي، ثم تاريخية الفكر السياسي القومي، فالفكر السياسي القومي: نظريات وتجارب، ختاما بتاريخية الفكر السياسي القومي العربي، وذلك في أربعة فصول، قامت مادتها على: أولاً: النصوص التي تشرح وتناقش ماهيات القومية والأمة، بكيفية صريحة أو ضمنية، ناضجة أو فجة. ثانياً: النصوص التي تقدم أي عنصر يمكن استخدامه لتركيب تصور معين للقومية.
وأوضح الباحثان أن هذه النصوص وتلك كثيرة جداً، ومختلفة فيما بينها من حيث الشكل، فمنها ما هو مقالة، ومنها ما هو كتاب أو فصل من كتاب أو مقطع من فصل، ومنها ما هو محاضرة أو خطاب سياسي أو دستور، بقدر ما هي أيضا مختلفة من حيث المضمون، فمنها ما يطرح مقوماً أو عنصرا واحداً تتكون الأمة بفعله، وبعضها الآخر، وهو الأكثر، يطرح جملة من تلك المقومات والعناصر، ولكن من دون الإجماع عليها في الحالات كلها، ويتوسع بعضها في شرح مفهوم القومية وعلاقاته بالمفاهيم المتقاربة له والمتقاطعة معه، ويقتصد بعضها الآخر في هذا الشرح، أو يكتفي بالتلميح والإيحاء والتضمين. لذلك كانت تلك النصوص في حاجة ماسة إلى التصنيف، سلباً أو إيجابا، وهو ما حاولنا القيام به، بالجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي في عرض تصورات القومية والأمة، واعتمدنا في ذلك مدخلا لا يتطابق مع مداخل تحليل الخطاب المطروحة في العلوم الاجتماعية والسياسية، مثل مدخل تحليل المضمون ومدخل تحليل حقول الدلالة، ومدخل تحليل مسار البرهنة وسواها، لكنه لا يتقاطع تماماً مع أي منهما، ونقول في إيجاز، إنه المنهج البنيوي الذي يجمع بين وسائل وأساليب المنهجين الاستقرائي والاستنباطي، ويستخدم معهما المداخل اللازمة حسب ضرورتها للبحث، معالجين بواسطة هذا المنهج المركب، ثلاثة انساق تتكامل في حمل معاني الفكر القومي.
ورأى الباحثان أن الفكر القومي رافد من الروافد الرئيسة التي يتكون منها نهر الفكر السياسي، وأن العودة التاريخية إلى حصاد هذا الفكر، لا تجعل من هذه المحاولة جهداً تاريخيا عاماً، بقدر ما هي دراسة لتاريخ الفكر الإنساني في تجلياته القومية، هذا الفكر الذي لا يمثل تأملاً عقلياً مجرداً منفصلاً عن الواقع، أو منقطعاً عن محيطه. وبهذا المعنى يمثل الفكر القومي نتاجاً من نتاجات التفكير الإنساني المتجه إلى تأمل الظاهرة المجتمعية في جانبها القومي، للبرهنة على وجود الأمة وتأكيد عوامل وحدتها التاريخية، وهو ما اقتضى الانتقال إلى دراسة الظاهرة القومية ومستوياتها الوجودية، ما دام وجود الفكر القومي مشروطاً بوجود الظاهرة القومية ومعبراً عن مستوياتها ومرتبطاً بها عبر مراحل تطورها التاريخية.
وأوضحا أن الاستعانة بالتاريخ مدخلا لكل الأشياء بما في ذلك الفكر القومي نتيجة تابعة للمقدمة التي تفيد أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن الترابط القومي، شكل من أشكال الروابط الاجتماعية التي تنظم على أساسها حياة الإنسان وعلاقته في إطار الجماعة الإنسانية، ومن ثم فإن قِدَمَ الرابطة القومية، تابع من توابع قِدَمِ الوجود الاجتماعي الإنساني نفسه. لكن ما يميز هذه الرابطة، هو تطورها وتراوحها بين مستويات ثلاثة (الشعورية، والفكرية، والسياسية)  يعكس كل مستوى منها درجة تطور هذه الرابطة وتعقيدها، بما يتناسب ومستوى تطور المجتمع ودرجة تعقيده من جهة، ويعكس، من جهة ثانية، الأدوات والأساليب المستخدمة للتعبير عن هذه الرابطة وتجلياتها الواقعية. واتضح أن المستوى الوجودي السياسي للترابط القومي، هو آخر المستويات الوجودية والصورة الأعمق والأكثر تطوراً وتعقيداً ونضجاً لعلاقة الارتباط القومي في تاريخ المجتمعات الإنسانية، وأنه المستوى الأوسع والأشمل، لأنه يضم في إطاره المستويين السابقين الشعوري والفكري ومضامينهما، ويستكملهما بعناصر ومضامين جديدة ذات طبيعة سياسية وقانونية. بيد أن المستوى الوجودي السياسي للترابط القومي، لا يمثل ظاهرة مشتركة بين المجتمعات القومية كلها، لارتباطه بالتطورات التاريخية لأوربا الحديثة بتأثير مجموعة عوامل وخصائص موضوعية شهدتها تلك القارة في عصر النهضة وما بعده على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. حيث تداخلت هذه العوامل وتفاعلت ليولد عنها المستوى الوجودي السياسي الذي تجسد، على الصعيد العملي، في ولادة شكل جديد من أشكال الدول، هو الدولة القومية (دولة الأمة) وسلطتها المركزية القائمة على أركان ومفاهيم سياسية جديدة تمثلت بالشعب والإقليم والحكومة والسيادة. وحلت قوى ومفاهيم جديدة في هذه الدولة القومية، محل القوى والمفاهيم السابقة، إذ حلت البورجوازية محل الإقطاع، وسلطة الشعب محل سلطة الملوك المطلقة، والعلمانية محل السلطة الدينية الكنسية، والفكر المادي محل الفكر المثالي، والعقل الناقد محل العقل الخاضع، والقوى القومية ودولتها الحديثة محل القوى الإقطاعية الكنسية ووحداتها السياسية القديمة.
وأكد الباحثان أن حدوث التحولات المذكورة كان إيذانا بولادة أوضح الصور الفكرية للقومية والتي وجدت تجسيدها النظري والعملي في نظريات وتجارب قومية. ولفتا إلى أن ابرز محاولات التنظير للظاهرة القومية، تمثلت في نظرية وحدة المصير السياسي، ونظرية التحرر، ونظرية التحديث/ التصنيع، ونظرية التأقلم الثقافي، ونظرية انهيار الاستعمار. وانطلق تصنيف النماذج القومية من الإسهامات النظرية الهادفة إلى تصنيف الحركات القومية ابتداء من تصنيف لويس وورث الرباعي للحركات القومية (التوحيدية، الخصوصية، الهامشية، الأقلية)، مروراً بتصنيف ناصيف نصار لتصورات الأمة في أنموذج الفكر العربي الحديث المتمثل بـ(التصورات اللغوية، التصورات الدينية، التصورات الإقليمية، التصورات السياسية)، وصولاً إلى التفسيرات الخاصة بنشوء الأمم وتكوين القوميات التي قمنا بتوزيعها بين التفسير الغيبي الإلهي والتفسير الذاتي الإرادي والتفسير الموضوعي والتفسير المركب الذاتي الموضوعي.
 وتعرض الباحثان للتجارب القومية الفرنسية والألمانية والأمريكية والصهيونية، مستنتجين، في هذا الصدد، ولادة التجربة القومية في التاريخ الإنساني في ظروف تاريخية متنوعة، بقدر ما هي مختلفة من أمة إلى أخرى. وأن كل تجربة منها، أسست لنفسها مرتكزاتها الخاصة التي انطلقت منها، واستندت إلى تفسيرها لظروف نشأتها وعوامل تطورها، وأن كل واحدة من هذه التجارب قابلة للتطابق إلى حد كبير مع إحدى التفسيرات الخاصة بنشوء الأمم وتكوين القوميات التي تناولناها في هذا الفصل.
وإذا كانت الفصول الثلاثة الأولى للكتاب قد تعرضت للأطر العامة النظرية والتطبيقية للظاهرة القومية من حيث نشأتها ومستوياتها وتجاربها ونظرياتها، فقد اختص الفصل الأخير بتاريخية الفكر القومي العربي عبر دراسته لأصول وعوامل نشأة الأمة العربية، متمثلة بعوامل التاريخ وجدلياته الأربع، وبعض الاتجاهات الحديثة للفكر القومي العربي في الحقبتين العثمانية والاستعمارية الغربية قبل الحرب العالمية الثانية، والتي عبرت عن نفسها عبر قنوات متعددة تمثلت بمجموعة من الأنشطة والتدابير الفكرية والعملية، الأدبية والسياسية، العلنية والسرية، المدنية والعسكرية. حيث استهدفت هذه الأشكال المختلفة من الأنشطة والتدابير عبر الجمعيات والمنتديات والمنظمات والأفراد، تحقيق أهداف محورية، انصبت أول الأمر على إعادة النظر في العلاقة بين العرب والجسد السياسي العثماني، والعمل على تأسيس رابطة متينة بين أبناء الولايات العربية في إطار السلطنة العثمانية، وبلورة المقومات المميزة للشخصية القومية العربية، وتجسيدها في إطار الكيان السياسي العثماني، بينما انصبت في مراحل لاحقة على تحقيق هدف التحرر من الاستعمار وانجاز الاستقلال في ظل دول قومية عربية واحدة. وتمثلت أقدم وأبرز الاتجاهات الفكرية القومية العربية التي شهدتها الحقبتان العثمانية والاستعمارية الغربية في الوطن العربي في الاتجاه القومي الديني، والاتجاه القومي اللاديني، والاتجاه القومي اللغوي التاريخي.
 

في ثقافات