GMT 14:26 2017 الإثنين 18 ديسمبر GMT 9:26 2017 الثلائاء 19 ديسمبر :آخر تحديث

جواد غلوم: سهول وتضاريس من جغرافيا الشعر

إيلاف

 

 مقاطع من قصيدة طويلة توشك ان تنتهي

الى أين يأخذني الشعرُ
يستلّ مني الوسادةَ كي لا أنام
أعومُ مع الثلج والزمهرير
يُريني صدورَ العذارى
أقول لهُ : إنني قد عجزتُ ، وهنْتُ
يسامرني ضاحكا هازئا
ويخنقني بالجمال .
يُريني من الشقر والبيض والسمرِ والسودِ
كي يشعلَ القلبَ جمرا من الشهَوات
فيرقى أعالي الجبال
يدحرجني مرةً إثر أخرى
لمرعى السهول وسفح التلال
فأغرق في عهْرِ غانيةٍ علّمتني
رعاشَ الغرام ووهج الوصال
******
أيها العمر، مرماك أقربُ مما تظنّ
غدونا كبارا
أحسُّ الحياة مزارا
والطريق حصىً راجما
والأماني صخورا عثارا
الى اين تزحف بي يا أيّها الشعرُ ؟
في السهل والبيد بين الشِعاب 
وتخشى سقوط الصخور 
بين وادٍ ووَاد 
تمهّلْ ؛ خطاي ارتعاش السقامِ المرير
لساني مذاق الازقّـة في حيِّنا
حين كنّا حفاةً صغار
حين نلتمّ بيتا فبيتا
نكاد نلامس كل القلوب التي عايشتنا
فتعصرني رعْدةٌ  ماجنة
تعيد رفات حياتي
مُبْطئاً طاعناً مزّقته المنافي
أعودُ بحنّاء أهلي
أمرّغ هذا الجدار وذاك المزار
وتلك القباب على شاطئ النهرِ 
مابين دجلة والكرخ و" القشلة " الصامتة
أعود وأنهك من تعبٍ يستريح بعظميَ
أدخل  " عقد النصارى "
وأرشيف أهلي الغيارى
أرى محفلا ضائعاً للعراق
قلنسوة الراهب الموصليّ يقبّل وجهي
وكوفيّةً تحتمي بالعقال تؤازرني
وسروال جدّي من الكرد أمسحُ في ثوبهِ
عرَقَ الصيفِ والحيفِ والمنهكات
أحتمي ، هرَبا من هجير
فألمحُ عمّي الافنديَّ " صبري "
"سدارتهُ"  أبحرتْ عبر دجلة
من بصرة الشوقِ حتى رستْ
بميناء قلبي ، شراعا عتيق
يميل كأعوامنا الماسخات
أمتطي غيمةً من دخان السجائرِ
أنفثها خصْلةً من غدائرِ محبوبتي
يومَ قبّلْتها في الوداع الاخير
وأقبرتها جنب أمي الرؤوم 
أناشدُ ذاكرتي ان تحلّق في جنحها
لعلّي أحطّ على شاطئٍ
بين بحر العيون
بين نعْس الجفون
أنام هنيئا وأصطاد رؤياك في الحلْمِ كي أستريح
فهيهات هيهات ان أستريح
******
الى اين يدفعني الشعرُ !؟
خارت قواي
أريد الوصول الى غايتي ومناي
الى "خان مرجان " حيث المقامات دانيةٌ
لِنقطفَ ألحانها في  النهاوند  والرسْت حتى السحور
الى " شارع النهر" والسحر والعطر والغانيات
الى غرفةٍ  في "جبهة النهرِ"
نعْرى مع الموبقات
تجيء العواهر تقتاتُ أرواحنا علكةً بين أسنانهن
ونقذفُ شهواتنا حول تلك الخصورْ
وترجع مثل الفصول
كأيامنا الحالكات
******
الى أين يركلني الشعر في رِجْلهِ
الى حانةٍ في "الرشيد" انزوتْ مثل بلهاء ساكنة
تستحي أن تعبئ من خمرة الأمس دِنّاً وزِقَّا
تخاف اللحى الخادعة
عاقرت قتل من يحتسي لذّةً
حرّم الله نشوتها هاهنا
أباح لنا نهرَها في الجنان
هكذا دخلوا عقلنا
وسّخوا باحةَ البيت والروحِ
بأحذيةٍ قَــذْرةٍ موحلة
{ جوادٌ جوادْ
أمازلت تسبي الهوى والجوى
وتبكي النوى والبعاد ؟؟!
أجبني ، كفاك العناد
كفاك تبوس تراب البلاد
وتعشقُ بغداد منذ المهادِ لحدّ الرقاد
كفاك بكاءً على الرائحين
كفاك كلاما على اللائمين
فجِـسْرُ " المسيّبِ " أضحى خيالاً بعيد المنال
خراباً يداسُ بهذا المداسِ وذاك النعال
نطاردهُ في أغاني الزمان المحال
وهشَّ الحديد بأركانهِ ناخراً 
بقايا الجمال 
وبغداد " كرخانةٌ "  للزناةِ شبيه الرجال
وناعورةٌ تحتويها البغال
علامَ تدور ، وتهوى الوصال ؟
إلامَ تغني وتشدو :  " أمانٌ ..أمانْ " ؟!
فهلاّ سكَـتَّ ، خرسْتَ اللسان
فما من مجيبٍ وما من أذانْ
أإنصافُ منك تطيلُ الغياب ؟!
وتنسى المباهج وسط الصحاب
فماذا أقول لمن شاقني في السؤال ؟
وكيف أردّ الجواب ؟
******
أيها الشِّعرُ هونا على شيخِك المستكين
هنا عثرتي عند " باب الأغا " أثقلت مشيتي
هنا كبوتي عند سفح دجلةَ لمّا سبحتُ بها
هروباً من الأمن والسافلين
سأبقى مكبّاً أديمُ صلاة العراق
وأصدحُ بين الركام
أبوسُ القفارْ
الى أنْ ألوّحَ كفيَّ يوم الغياب 
 
jawadghalom@yahoo.com

في ثقافات