GMT 4:00 2017 الخميس 7 سبتمبر GMT 16:06 2017 الخميس 7 سبتمبر :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

من يهدد عظمة الجامعات الأميركية؟

محمد الحمامصي

يرصد الكاتب جوناثان كول قصة صعود الجامعات الأميركية ووَضْعها الآني الخَطِر الذي يهدِّد بفقدانها المكانة البارزة، لذا يطالبها بإجراء إصلاحات تتناسب مع العصر الحالي كي لا تفقد ريادتها قريبًا.

إيلاف: يرصد هذا الكتاب "جامعات عظيمة.. قصة الجامعات الأميركية" للباحث جوناثان كول قصة صعود الجامعة الأميركية إلى موضع التفوق، وتحوُّلها إلى جامعة عظيمة، ووَضْعها الآني الخَطِر الذي يهدِّد بفقدانها المكانة البارزة.

تأثير كبير
فوفقًا للباحث، تملك الولايات المتحدة اليوم تنوعًا كبيرًا في الكليات والجامعات ذات النوعية المختلفة إلى حدٍّ كبير. ففي عام 2007 قدَّمت نحو 4300 مؤسسة في التعليم العالي درجات مختلفة، معظمُها يمنح درجاتِ البكالوريوس فقط، وقرابة 600 منها تمنح درجة الماجستير، ونحو 260 يمكن تصنيفها على أنها جامعات بحث، وضمن مجموعة الـ 260 تُسهِم 125 فقط بوسائل فعلية في تطوير المعرفة.

عظيمة... ولكن عليها أن تحافظ على ذلك

لذا فإنه ربما حتى اليوم يمكن تصنيف 6% فقط من الكليات والجامعات على أنها جامعات بحثية، وبحسب المعلومات التي تعود إلى عام 2006 فإن 87 من الجامعات الرائدة المانحة لدرجة الدكتوراه منحت نسبة 60% تقريبًا من 56.000 درجة ممنوحة في الولايات المتحدة.

لدى أعضاء هذه المجموعة الصغيرة من الجامعات طموحات في أن تصبح مؤسسات تقدِّم خدمات كاملة، تكرِّس عملها لنقل المعرفة وإبداعها، وتدريب الطلاب على المهن، وتعليم آلاف الطلاب الجامعيين أيضًا، ومع قلة عدد هذه الجامعات، إلا أن تأثيرها في المجتمع الأميركي وعالم التعليم العالي كان كبيرًا جدًّا.

ضد الإرهاب البيولوجي
يبدأ جوناثان مقدمته معرّفًا بإحدى الدارسات الموهوبات في جامعة برنستون بقوله: "تدرس "باسلر" العلم الأساسي على مستوى عالٍ في مخبرها في جامعة "برنستون"، من خلال عملها مع طلابها من أنحاء العالم، وتعاوُنها مع آخرين من جامعات أميركية كبيرة أخرى، لكنها تعتنق الفكرة التي وضعها "بنيامين فرانكلين" حول إعطاء العلم دَوره في استحداث المعرفة المفيدة. إن للأمراض التي تسبِّبها البكتيريا، والتي تدرسها "باسلر"، صلة خاصة بالدفاع البيولوجي ضد الإرهاب البيولوجي؛ لأنَّ كثيرًا من مسبِّبات الأمراض التي درستْها توجد ضمن عناصر المجموعة التي يعتقد الخبراء أن الإرهابيين البيولوجيين يستخدمونها".

يضيف: "تعمل باسلر على تطوير جزيئات يمكن استخدامها بوصفها عقارات مضادة للميكروبات موجَّهة ضد البكتيريا التي قد تسبِّب أمراضًا مميتة، مثل الجمرة الخبيثة، فتحاول باسلر أن تجد طريقة تمنع عبرها عمل هذه البكتيريا. ومع أن باسلر في منتصف الأربعينيات، إلا أنه لا يمكن تجاهُل بحثها، ودليلًا على تفوُّقها وإبداعها فقد انتُخبت لعضوية الأكاديمية الوطنية للعلوم، وحصلت على الزمالة المميَّزة في مؤسسة "ماك آرثر" في 2002 وفي 2004، وقد أصبحت باحثة في معهد "هاورد هيوز" الطبي، وباحثة «تملك القدرة على تقديم إسهامات مهمة في العلوم التي يدعم المعهد بحوثها بصورةٍ دائمة".

نقل مجتمعي معرفي
يتابع قائلًا: "ما باسلر إلا واحدة من عدد كبير من الموهوبين حقًّا، الذين نجدهم في المختبرات وقاعات الجامعات الأميركية العظيمة، وما باسلر - مثل الآخرين - إلا حصيلة النظام الرائع في التعليم العالي، والذي لم يشهد له العالَم مثيلًا، ويعتمد عملها على الإنجازات السابقة لهذه المؤسسات الأكاديمية في تطوير فهمنا وحياتنا أكثر فأكثر، إن ما تقوم به باسلر وآخرون هو عملية نَقْل للمجتمع الأميركي؛ أي تطوير المعرفة التي تساعد على تكوين صناعات جديدة، وتحسين الصحة العامة، وإيجاد مستويات عالية من المعيشة للأميركيين والناس في العالم، إن مثل هؤلاء الناس موجودون بالطبع في بلدانٍ أخرى، لكن يبدو أنهم موجودون بعدد متفوق وكبير الآن في أفضل الجامعات الأميركية".

ينتقل جوناثان إلى جنوب شرق الصين، حيث يشير إلى أنه في عام 2006 سافر إلى هناك مع رئيسين سابقين لجامعتَي بحث أميركيتين، لإسداء النصح إلى قادة مقاطعة غنية جدًّا حول كيفية إنشاء جامعة عالمية، يمكن لها أن تنافس بفاعليةٍ جامعةَ "برنستون" والجامعات الأخرى الأولى في الولايات المتحدة وأوروبا في خمسٍ وعشرين سنة.

يقول "كانت المهمة هي البداية من نقطة الصفر (غير مرتبطين بأيٍّ من أشكال التوسُّط الموجودة)، وإنشاء بصمة خاصة من العظمة لهذه الجامعة. لم يكن يوجد إلا قليل من الشك حول التزام مضيفينا؛ لأننا وجدنا أنَّ لدى الصينيين الذين قابلناهم تعطشًا إلى أن يكونوا من بين الأفضل في مجال التعليم العالي، إنهم يقدِّرون إنجازاتِ أفضل الجامعات في أميركا، ويجدون أن المعرفة التي أنتجتها هذه المؤسسات مهمة جدًّا في بناء مستقبل الصين، كما إنَّ لديهم عدد سكان كبيرًا يشتهي التفوق في التعليم، ويقوِّم إنجازات الشباب التعليمية، ثم عندما تعرَّفنا إلى أفضل الجامعات الصينية سَهُلت مهمتنا، وكانت لدى المقاطعة مصادر مالية وقدرة عمالية تساعد على إنشاء صرحٍ مميَّز".

سحب بساط
يسترسل مضيفًا: "يتوق الصينيون إلى الوصول إلى التفوق الذي ينالون عليه جوائز «نوبل»، تمامًا كما حصلوا على الجوائز الذهبية في الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008، وقد عرفوا تمامًا قيمة المعرفة والملكية الفكرية في إنشاء اقتصاد حديث ومركَّب تكنولوجيًّا، واليوم نجد في الصين شروطًا جوهرية ضرورية لبناء جامعات عالمية. وعندما بدأنا بمقابلة الناس وتقويم الإمكانات وجدنا أن الصين تنوي منافسة أميركا في التفوق في جامعات البحث العلمي، فهل من الممكن أن نتخيَّل فقدان الجامعة الأميركية العظيمة لمكانتها البارزة والمهيمنة في عالَم الدراسة العالية، ليحتلها الصينيون في النصف المقبل من هذا القرن؟. لقد كان الصينيون، مثل الكوريين والهنود واليابانيين، منافِسين في الحصول على الجوائز الكبيرة التي ينالها أصحاب المعرفة الجديدة، ويرغبون في تنسيق مجتمعاتهم مع التركيز الكبير على تحقيق هذه الأهداف، وقد بدؤوا في الحقيقة بالقيام بذلك".

ويوضح "زرتُ موقعًا لتوسيع جامعة في مقاطعة صينية، تحتل 3000 فدان من الأرض الزراعية، وقد بَنَتْ في 40 سنة أكثر من 50 مبنى أكاديميًّا ومكتبات ومخابر ومباني سكنية وبيوتًا، وتركت 1000 فدان لمبانٍ أخرى ذات صلة بجامعة عالمية، فحققت ذلك في وقتٍ قصير؛ بسبب رغبتهم في تطويع الأرض عندما وظفوا 50.000 عامل في مشروعات الإنشاء، لكن في الولايات المتحدة سيستغرق الأمر وقتًا أطول (نحو أربع سنوات) للانتقال من البداية إلى النهاية عند بناء واحدةٍ أو اثنتين من مؤسسات البحث في حرم الجامعة، وعلى الرغم من طموح الصينيين واهتمامهم، إلا أنهم لم يحصلوا حتى عام 2008 على جامعة بحث تُصنَّف ضمن أفضل 200 جامعة في العالَم".

ويستطرد "في الحقيقة، قامت جامعة «شانغهاي جياو تونغ» في الصين عام 2008 بدراسة قُوِّمت فيها 500 من جامعات العالم بناءً على أدائها البحثي، ووجدت أنَّ من أصل 20 جامعة بحث مميَّزة توجد 17 في الولايات المتحدة، وجاءت 40 جامعة ضمن المراتب الخمسين الأولى في لائحة أفضل الجامعات، ونالت 54 جامعة مراتب في لائحة أفضل 100 جامعة، ووصلت جهود أخرى في تصنيف الجامعات في العقود الماضية إلى النتائج نفسها".

المؤسسون الحقيقيون
ثمة جامعات عظيمة أخرى عديدة في العالم، مثل أكسفورد وكامبريدچ، وجامعتَي طوكيو وكيوتو، وجامعة تورنتو، لكن جامعات البحث الأميركية - بحسب جوناثان - تحتل موقعًا بارزًا في قائمة أفضل 100 جامعة. ومن الدلائل الأخرى على بروز الجامعات الأميركية، عدد الحاصلين على جوائز نوبل من علماء وباحثين، فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين نال أميركيون نحو 60% من جوائز نوبل، وقبل هذه الفترة كانت الغالبية العظمى التي تحصل على الجوائز من الألمان والفرنسيين والبريطانيين، وفي الحقيقة كانت الجامعات الألمانية الأفضل في العالم حتى صعود «هتلر» إلى الحكم في عام 1933. أما الآن فلا توجد جامعة ألمانية واحدة مصنَّفة ضمن أفضل 50 جامعة في العالم. ومن الدلائل الأخرى على التأثير الحالي للجامعة الأميركية، النسبة العالية للصناعات الرائدة الجديدة في الولايات المتحدة، حيث يعتمد 80% منها على اكتشافات قامت بها جامعات أميركية.

ويرى جوناثان أنه "على الرغم من قيام بعض الذين يملكون الرؤية والطاقة عبر التاريخ بتأسيس جامعاتنا العظيمة هذه، أحيانًا عبر السياسة على مستوى فيدرالي، إلا أنَّ آلاف العلماء والباحثين والإداريين الذين عملوا يوميًّا هم مَنْ وضعَ جامعاتنا على القمة، فقاد طموحُهم في الوصول إلى التفوق ومنافستُهم القوية، الجامعاتِ لتصبح الأفضل ولتتحول إلى محرِّك لازدهارنا. إن الليزر، والتصوير بالرنين المغناطيسي، وراديو موجة الـ«إف إم»، وخوارزمية البحث على «غوغل»، ونظم تحديد المواقع العالمية، والبصمة الوراثية عبر الحمض النووي، ومراقبة الجنين، والاستنساخ العلمي للحيوانات، ووسائل متقدمة في مسح الرأي العام، وحتى الفياغرا؛ كلها أمور تضرب بجذورها في جامعات البحث الأميركية، وكذلك حال عشرات الآلاف من الاختراعات والأدوات والمعجزات الطبية والأفكار التي غيَّرت العالم".

نوعية البحث ونظام الاستثمار
يتابع "ستعتمد كل صناعة جديدة في المستقبل على بحثٍ قامت به جامعات أميركية، فنظام التعليم العالي الأميركي يمثِّل واحدًا من القطاعات المهمة في الاقتصاد الأميركي مع حصة عالمية واعدة من التجارة، وقد تطورت هذه الجامعات، وتحولت إلى محركات مبدعة بصورةٍ لا تشبهها فيها أي جامعات أخرى في تاريخنا، فهي تدير المعلومات والاكتشافات في المجتمع بصورة متزايدة معتمدة على المعرفة بوصفها مصدرًا لتطوُّرها، لذا يشكِّل أي خطر يهدِّد الجامعات الأميركية تهديدًا لرخاء بلدنا وحياته".

يؤكد أنَّ "ما يجعل جامعاتنا العظيمة مميَّزة ليست جودة التعليم الجامعي، إذ تُنافِس نظم أخرى للتعليم العالي (بما فيها كليات الفنون الحرة) جامعاتنا العظيمة في نقل المعرفة إلى الطلاب. ما يجعل مؤسسات التعليم العالي لدينا الأفضل في العالم. نحن الأفضل لأن جامعاتنا المميَّزة تستطيع أن تنتج نسبة عالية من المعرفة الجوهرية المهمة والاكتشافات العملية في العالم، فنوعية البحث المنتَج، والنظام الذي يستثمر الشباب ويدرِّبهم ليكونوا علماء وباحثين قادة، هما اللذان يميزان جامعاتنا ويجعلانها موضع حسد العالَم، وهو ما ينطبق على نطاق واسع من العلوم إلى فروع الهندسة إلى العلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانية. وفي الحقيقة، تكوِّن كل الجامعات المميَّزة حقًّا شبكة متتابعة من التأثير المعرفي بين فروع منفردة يؤدي كلٌّ منها دورًا في تحديد جودة الكل، وهذا سبب أساسي أعتقد أنه يكمن وراء عدم القدرة على بناء جامعات مميَّزة من دون تمثيل كلٍّ من العلوم الإنسانية والعلوم الأخرى".

يتابع أنه "لا يقتصر عالَم الجامعات الذي يتحدث عنه جوناثان على نخبة من الكليات والأمكنة مثل "ستانفورد" أو "إم آي تي"، بل يمتد عميقًا ليشمل الجامعات العامة والخاصة المميَّزة الأخرى في أميركا، والتي تُسهِم كثيرًا في تقدُّم المعرفة عبر الاكتشاف. ويرى أنَّ من سمات نظام التعليم العالي في أميركا أن يتبنَّى الإبداع والاكتشاف، وهو الأمر الذي يسمح للمعرفة بالانتقال والتطور عبر الصناعات الجديدة التي تؤدِّي إلى تميُّز الجامعات. لقد جذبت هذه السمات الشباب الموهوبين من أنحاء العالم ليبحثوا عن فرص في الجامعات الأميركية، ويكونوا طلابًا وباحثين وعلماء فيها، ثم تبقى نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين المثقفين هنا ليزيدوا من صناعاتنا المتقدمة وجودة جامعاتنا".

كليات النخبة
ويقول "إذا كانت الاكتشافات وإنتاج المعرفة الجديدة شروطًا لا غنى عنها للتفوق، فكيف أصبحت جامعات البحث الأميركية الأفضل في العالم؟، لماذا تتفوق هذه الجامعات على الجامعات كلها في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا؟. لقد كنا محتاجين القيم الصحيحة، والبُنى الاجتماعية، وأشخاصًا بارعين بصورة استثنائية، وقيادة جريئة وحكيمة، والتزامًا بمثالية البحث الحر، واستقلالية المؤسسة عن الدولة، وإيمانًا قويًا بالمنافسة بين الجامعات على الموهبة، وموارد كبيرة غير مسبوقة، من أجل بناء التفوق وإنشاء نظام تعليمٍ عالٍ لا يُضاهى".

اجتمعت هذه العناصر معًا - وهي الشروط الأساسية للتفوق- في فترة معيَّنة من تاريخ الولايات المتحدة، كما يؤكد جوناثان، ومن دونها سيكون صعبًا، وربما مستحيلًا، إنشاء جامعات البحث التي أصبحت مصادر رائدة في الإبداع والاختراع، كما لم تتمكَّن نظم التعليم العالي في البلدان الأخرى حتى الآن من أن تضع هذه العناصر معًا بطريقة تُنافِس ما حققته الولايات المتحدة.. عندما ننظر إلى تاريخ التعليم العالي في الولايات المتحدة، ننزع إلى تأطير أفكارنا بفترات حديثة، فبالإطلال على التحول الجذري الذي طرأ في السنوات المائة الماضية، لن نستطيع أن ندرك كم هي صغيرةٌ أعمار جامعاتنا، أو نعي كم هو قصيرٌ الوقت الذي استفدنا منه حتى أصبحت جامعاتنا الأفضل في العالم. فمثلًا قبل عام 1876 لم تكن ثمة برامج بحثية تمنح درجات عالية، ولم تكرِّس الكليات الجامعية عملها للبحث وتدريب العلماء والمهندسين والعلماء الاجتماعيين والباحثين في العلوم الإنسانية والمحترفين في مجالاتٍ أخرى".

يركز جوناثان هنا بصورة أساسية على درجة القمة التي وصلت إليها المؤسسات التعليمية في أميركا؛ لكونها وفقًا له "ملتزمة بتقديم المعرفة والإبداع، لكن حتى ضمن فئة النخبة لا تتساوى هذه السمة، فربما تقدِّم 100 منها فقط حصة الأسد في الاكتشافات العلمية والتقنية المهمة، والاختراعات الطبية الجديدة، والمبادئ والمفاهيم الجديدة في العلوم الاجتماعية والإنسانية.. إنها كليات النخبة، التي كرّست عملها، لا لتكون من بين النخبة فحسب، وقد احتلت المراتبَ الأولى كلياتُ القانون المحترفة والطب والإدارة والعمارة والصحة العامة والهندسة والعمل الاجتماعي، ويتراوِح عدد الطلاب فيها بين 5000 و50.000 طالب، ويُقاس تأثيرها الاقتصادي في مجتمعاتها المحلية والاقتصاد الوطني والعالمي ببلايين الدولارات سنويًّا، وهذه المواقع الاستثنائية في مؤسسات التعليم العالي لا تتنوع في الحجم فحسب، بل يمكن أن نجدها في أجزاء الدولة كلها. وهي تنال هبات متنوعة كبيرة، وتقوم بمهمات كثيرة، وصار لها تاريخ متنوع.

فجوة كبرى
ويلفت إلى أن "اهتمامه بالمؤسسات التعليمية التي تحتل القمة لا يعني التقليل من أهمية الأجزاء الأخرى المكوِّنة للنظام التعليمي؛ لأن آلاف الكليات المحلية وجامعات الولايات والجامعات الكبيرة الأخرى وكليات الفنون الصغيرة تُعَد أساسية في التحريض على الاستفادة من هذه الفرص الموجودة في الولايات المتحدة بصورة استثنائية. إنَّ نَقْل المعرفة، وتعليم مهارات النقد العقلي، والمناهج الدراسية، والتدريب على استخدام المهارات الضرورية في مجتمعٍ يعتمد اقتصاده بصورة متزايدة على هذه المهارات؛ كلها عناصر أساسية في تبنِّي نظام حيوي يتَّسم بالحركية الاجتماعية في بلدنا. إنها مهمة مهدَّدة بمخاطر كثيرة، لكنها ليست ضمن التركيز الأساسي لكتابي. من المتوقَّع أن تدرِّس هذه الكليات والجامعات مئات الطلاب الإضافيين في العقود المقبلة، يقدِمون من خلفيات متنوعة، بعدما استُنزفوا ماديًّا في عام 2009 إلى درجةِ أنَّ نوعية ما سيقدِّمونه إلى هذه المؤسسات ستعاني كثيرًا أيضًا، لكنها مشكلاتٌ تناقشها كتب أخرى ومؤلفون آخرون ضمن نظام التعليم العالي في أميركا، في حين أنَّ عدستي تركِّز على قمة الهرم، وعلى المؤسسات التي تقوم بإحداث تغيير كبير في مجتمعنا، والتي تشكِّل قوى ديناميكية في إنتاج المعرفة".

قسم جوناثان كتابه إلى ثلاثة أقسام؛ يتناول القسم الأول قصة تحوُّل جامعاتنا من كليات نائمة إلى محرِّكات تغيير مركَّبة وقوية، وفيه يناقش أصول مفهوم الجامعة، ويتناول الموثِّرات في تحوُّلها من نظام محترم في البحث العالي إلى النظام الأفضل في العالم، ويبيِّن كيف تشكِّل القيم والبُنى الضرورية لهذا الانتقال، والناس الذي ساعدوا على ذلك، جزءًا من هذه القصة.

ويتناول في القسم الثاني وبالتفصيل عددًا من الاكتشافات التي قدَّمتْها جامعات البحث الأميركية، والتي تستمر الآن في دعم مستوى الحياة الأميركية ونوعيتها، كما يبحث في هذه الاكتشافات التي طُبِّقت بشكلٍ خطأ في الماضي. وأخيرًا في القسم الثالث يتناول المخاطر التي تواجه الجامعات الآن، والتي ينتُج بعضها من تدخُّل الحكومة في حرية البحث الأكاديمي.

يخلص جوناثان إلى ضرورة إجراء عملية إصلاح، مؤكدًا أن هناك فجوة كبيرة بين فهم قيمة اكتشافات الجامعة في القرن الحادي والعشرين وصُنْع سياسة فعالة وتنفيذها، وثمة الكثير مما يجب أن تقوم به الإدارة الأميركية، والكثير مما لا يمكنها أن تقوم به بمعزل عن عوامل أخرى، مثل حكومات الولايات. إضافة إلى ذلك، لا بد من طرح هذه التغيرات في السياسة، مع أنَّ بعضها مكلفٌ جدًّا، ولاسيَّما في ظل الأزمة المالية منذ الانهيار الكبير، فقد أدى هذا التسونامي المالي إلى نتائج محورية في جامعاتنا، على الأقل على المدى القصير، وهدَّد جودة بعض المؤسسات العامة المميَّزة في التعليم العالي.


في ثقافات