GMT 6:32 2017 السبت 30 سبتمبر GMT 17:49 2017 الإثنين 2 أكتوبر :آخر تحديث

لا مساواة في تاريخ البشر إلا فيما ندر

ميسون أبو الحب

 طالما حلم الكثيرون بمجتمعات بشرية يتساوى فيها الأفراد أحدهم مع الآخر ويتمتع كل منهم بالحقوق والمنافع والممتلكات والفرص ذاتها ولكن هذه الأحلام ظلت مجرد سراب فيما استمرت ظاهرة انعدام المساواة بين البشر حتى يومنا هذا.

درس كثيرون مختلف التقلبات التي تعرضت لها مختلف مناطق الكرة الأرضية في مختلف الحقب والأزمان وخرجوا بنظريات وطرحوا فرضيات وحاولوا تفسير التاريخ وأحداثه.
والآن يأتي دور مختص نمساوي في التاريخ القديم يدرّس في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا اسمه وولتر شايدل ليشرح لنا التاريخ بشكل مختلف وليحدثنا عن انعدام المساواة وعن تأثير الكوارث عليه. وبتعبير آخر، شايدل يعتقد أن المساواة لم تتحقق بين البشر إلا في حالات معينة أو ما يدعوه بالصدمات التاريخية التي يقسمها إلى أربعة أصناف: الحروب الشاملة والثورات العنيفة وانهيار الدول ونظمها ثم الأوبئة القاتلة. ويكتب "مئات الملايين لاقوا حتفهم جراء هذه الهزات ثم ما أن تهدأ الأمور حتى تكون الهوة القائمة بين من يملك ومن لا يملك قد تضاءلت، وبشكل كبير أحيانا".
درس شايدل بحكم اختصاصه تاريخ البشرية منذ بدء المجتمعات الأولى ورسم صورة لمسيرة انعدام المساواة في كل زمان ومكان تقريبا ويبدو أنه نجح في جمع ما يكفي من المعطيات والإثباتات لدعم نظريته. وهو لا يؤيد هذه الفئة أو تلك في شرحه بل يريد القول بأن تركز الثروة بيد نخبة معينة من البشر ظل واقعا ثابتا على مدى وجود البشرية ومن الأرجح أنه سيبقى كذلك إلى الأبد.
ولكن هذا الواقع الثابت سبق وأن أدى إلى قيام صراعات شرسة غالبا ما رافقتها أعمال عنف. ويكتب "لو سعينا إلى إعادة التوازن على صعيد توزيع الدخل والثروة الحالي بغية تحقيق مساواة أكبر فعلينا ألا ننسى ما احتاجه تحقيق هذا الهدف من متطلبات في الماضي. وعلينا أن نتساءل أيضا عما إذا كان قد تم إنهاء انعدام المساواة حقا دون اللجوء إلى كثير عنف؟ (...) ثم هل من المحتمل أن يختلف المستقبل عن الماضي؟. وعلينا أيضا أن نسمع الإجابات حتى لو لم تعجبنا".
يقود الباحث القارئ في رحلة إلى القرن العشرين عندما بدأت الأمبريالية والرأسمالية ثم يعود إلى العصور الوسطى والقديمة وحتى العصر الحجري ويتنقل بين أميركا وروسيا السوفيتية وأوروبا الصناعية والسلالات التي حكمت الصين والأمبراطورية الرومانية ويتوقف لوهلة في القسطنطينية التي التهم سكانها الطاعون قبل أن ينتقل إلى ليما التي عرفت المصير نفسه. عنوان المؤلف "المساوي العظيم: العنف وتاريخ انعدام المساواة من العصر الحجري حتى القرن الحادي والعشرين" من منشورات جامعة برنستون، ويقع في 504 صفحات بسعر 35 دولارا.

في البدء البساطة
لم يكن إنسان عصور ما قبل التاريخ الذي كان يعتمد في حياته على الصيد وجمع الثمار يحتاج إلى الكثير من الممتلكات. ولكن ومع استقرار التجمعات البشرية بفضل الزراعة ظهرت نزعة التملك وبدأ التفكير بفرض السيطرة على أراض وبجمع ثروات لتوريثها لاحقا للأولاد والأحفاد. وبمرور الزمن تضاعفت قوة أفراد وتضاءلت قوة غيرهم وبدأ تصنيف الناس وفقا لانتمائهم الإجتماعي والاقتصادي ثم السياسي فيما بعد وولدت فكرة الهرم المجتمعي ومفاهيم السلطة السياسية والعدالة إلى ما غير ذلك.
ويستنتج الكاتب بأن انعدام المساواة المادي أدى دورا مهما في تطور الدول التي قامت بدورها بتنفيذ مهمة ضمان استمرار تمركز الثروة لدى نخبة معينة لكنه يلاحظ أن هذا النوع من التطور لا يمكن أن يحدث ولم يحدث في الواقع إلا بفضل فترات سلام طويلة وازدهار نسبي ما يعني أن عدم وقوع تقلبات عنيفة ضخمة كان شرطا أساسيا لوجود واستمرارية حالة اللامساواة بأقصى درجاتها.
ويرى المؤرخ بأن الأمبراطورية الرومانية ومملكة هان الصينية مثلا جاءتا لخدمة أهداف مجتمعات النخبة ولحماية تمركز الثروة والقوة بين أيديها سواء أكانت هذه الثروة والقوة حديثة أم قديمة موروثة. وينطبق الأمر نفسه على مختلف الحضارات والممالك والإمارات والدول التي قامت في أنحاء مختلفة من العالم. المهم في الأمر كله هو أن انعدام المساواة أمر ثابت وحقيقي وقائم وهناك دائما جهود تبذل لتعزيزه وتحصينه حتى تصل الأمور إلى نقطة اللاتحمل ثم التغيير ... ولو لفترات قصيرة.

الأوبئة
عانت أوروبا في العصر الوسيط أسوأ حالات انتشار للأوبئة في تاريخها خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر حيث قضى مرض الطاعون على ثلث السكان على الأقل وكانت النتيجة أنه جعل الجميع متساوين أمام هذا المصاب، الاغنياء منهم والفقراء ولأول وأهم مرة في التاريخ حتى قيام الحرب العالمية الثانية. ودفعت التقلبات التي خلقها هذا الحدث الكثيرين إلى الهجرة إلى المراكز الحضرية على أمل الحصول على عمل حتى أن معامل جيني المستخدم لقياس عدالة توزيع الدخل القومي كان متقاربا جدا بين مدن إيطاليا وألمانيا وهولندا، بين (0.7 و 0.9) ثم يلاحظ "كان معدل اللامساواة الشديدة الاعتيادي على صعيد امتلاك الثروة يصل إلى 0.75 في المدن الكبرى في أواخر العصر الوسيط وبدايات أوروبا الغربية الحديثة".
ثم يسجل الكاتب ازديادا متواصلا وثابتا في معدلات انعدام المساواة من القرن الخامس عشر حتى العشرين رغم فترات مؤقتة تميزت بتحقيق شيء من المساواة محليا واقليميا ولكنها لم تعرقل التوجه العام الذي استمر لقرون تمكنت خلالها النخبة من مراكمة الثروة والقوة بشكل متزايد. وتميزت المرحلة اللاحقة باستخدام هذه النخب أموالها وثرواتها في مشاريع استثمارية واستعمارية وقامت بالجمع بين إدارة شؤون الدولة والتجارة والأعمال.

الحروب
قد تخلق الأوبئة مساواة مؤقتة بين أفراد المجتمع لكنها لا تدمر الثروات المادية ولا القدرات الإنتاجية للأراضي الزراعية عكسا للحروب التي تدمر الأرض والعمل ورؤوس الأموال. ويلاحظ الكاتب أن للصراعات في زمننا الحالي قدرة تدميرية أكبر من السابقة حيث كانت المعارك تترك آثارها السيئة لفترات قصيرة جدا. وقد بدأت الحروب الحديثة مع نابليون حيث أصبحت الجيوش جرارة أكثر مما مضى وصارت تملك أسلحة قادرة على تدمير أمم بكاملها وبطريقة تؤدي إلى تحقيق مساواة بين كل غني وفقير.
أفضل أنموذج على ذلك هي اليابان في القرن العشرين. ففي عام 1938 عندما كانت البلاد في أوج ازدهارها وقوتها العسكرية الامبريالية كان 1% من السكان يملكون حوالى خمس مجمل الدخل ووصل معامل جيني الياباني إلى 0.45 و 0.65. ثم ما لبثت حصة الواحد بالمائة أن هبطت خلال عقد ونصف فقط إلى 6.4% من إجمالي الدخل كما تضاءل حجم امتلاك النخبة الأراضي والأملاك غير المنقولة بنسبة تزيد على 90% ما يعني أن الحرب دمرت كل الثروة المتمركزة لدى أغنى أغنياء اليابان قبل أن يعاد توزيعها فيما بعد. ويكتب شايلد "انتهت الحرب الشاملة بهزيمة كاملة وقضت على كامل الثروة تقريبا" ثم ينبه إلى أن أغلب الدول التي تأثرت بالحرب شهدت تضاؤل نسب اللامساواة بشكل عام ولكنه يرى أيضا أن انعدام المساواة يتوجه حاليا إلى ما كان عليه قبل الحربين العالميتين وبخطوات ثابتة.  
 
الثورات
لا تهدف الأمراض والحروب عند انتشارها ووقوعها إلى تحقيق هدف القضاء على اللامساواة بشكل مقصود ... ولكن الثورات تفعل، لأن غاياتها الأساسية هو إنهاء الغبن والإجحاف الذي يصيب البعض فيما النخب تعيش في يسر ورفاه. غير أن الثورات غالبا ما ترافقها أعمال عنف تؤدي في الغالب إلى قيام الفقير بقتل الغني ليعيد توزيع ثروته المادية دون تدميرها. لكن المشكلة هنا وهو ما أثبته التاريخ أن الثورة لا تتوقف عند نسبة الواحد بالمائة وأن العنف ينتهي عادة بالتهام المجتمع بأكمله. ومن النماذج روسيا والصين ودول أخرى سارت على النهج نفسه حيث مورست أعمال قتل في محاولة لفرض المساواة بين الأفراد ولكن على حساب الضحايا البشرية.
 
انهيار الأنظمة والدول
يرى شايلد أن هذه الأحداث هي أكثر ما حقق المساواة بين أفراد المجتمعات التي وقعت فيها لأن الانهيار يؤدي في العادة إلى محو بنى اجتماعية كاملة. في الصين مثلا  قام أمراء الحروب من سلالة تانغ بالقضاء على الارستقراطية الحاكمة بشكل كامل ورافق سقوط الامبراطورية الرومانية انهيار نظامها الاجتماعي والسياسي وحتى بعض التكنولوجيات الأساسية التي كانت تستخدم في مجتمعها مثل عجلة صناعة الفخار.
وكانت أكثر النماذج كارثية انهيار العصر البرونزي المتأخر ربما بفعل حروب وغزوات أو كوارث طبيعية وسقوط الامبراطورية الحيثية في 1200 قبل الميلاد ثم انهيار اليونان الموكيانية وحضارة المايا وهارابا القديمة وقد رافق كل هذه الاحداث تداع كامل للنخب الميسورة التي كانت تسيطر على رأس المال. ويعتقد الكاتب أن هذه الانهيارات كانت أكثر من حقق المساواة لأنها قضت حتى على المعطيات والمعلومات الأساسية عن هذه الأنظمة والحضارات.
مصدر المقال:
https://www.libertarianism.org/columns/history-is-horrible-thing-book-review-scheidels-emthe-great-levelerem

في ثقافات