GMT 23:59 2018 الخميس 11 يناير GMT 21:14 2018 الخميس 11 يناير :آخر تحديث

شعريَّةٌ آكلةٌ للحم البشر: تحويل التابو إلى طوطم

ترجمة عبـد القادر الجـنابي
ولد أوزفالد دي أندراد في ساو باولو سنة 1891 وتوفّي فيها سنة 1954. كان على اتصال مع الطليعة الأوروبية منذ مطلع شبابه، ففي زيارته الأولى إلى أوروبا (1912) تعرّف إلى الحركة المستقبلية واطَّلع على ما كان يتراءى في الأفق من مجيء طليعيّ كالدادائية والتغيير السوريالي لكل أدوات التعبير. لعب دوراً كبيراً في تأسيس الحركة الأدبية المعروفة باسم «مجموعة الخمس» التي كان من بين أعضائها الشاعر البرازيلي الكبير ماريو دي إندراد. نظّم «أسبوع الفن الحديث» الذي يُعتبر النواة الأولى للحداثة البرازيلية، وأصدر روايتَين: «مذكّرات خاو ميرامار العاطفية» (1924) و«ثلاثية المنفى» التي بدأت عام 1922 وانتهت عام 1934. 
وبحكم ثراء عائلته التي كانت تعمل في تجارة البنّ، كان دي إندراد مساعداً دائماً للفنّانين والشعراء، فكان ينظّم لهم اللقاءات والمعارض ويساعدهم في طبع أعمالهم، وقد أسّس مجلّات عدّة ونظّم معارض ولقاءات من أجل تشجيع الحركة الطليعية في البرازيل. وما إن حل يوم «الثلاثاء الأسود» (24 أكتوبر 1929) يوم انهيار «بورصة وول ستريت»، حتّى أخذ يفقد أمواله على نحو متسارع، وفي غضون عام أصبح حاله حال أي عامل، فارتفعت فيه الحمّى السياسية إلى حدّ الانضمام إلى الحزب الشيوعي، لكنه سرعان ما تركه بعد إحساسه بخطورة ستالين المقبلة على الحرّية والإبداع. بدأت الحياة أمامه تصبح صعبة، فأخذ يعاني العزلة، وخصوصاً بسبب وضوح مواقفه إزاء معاصريه، وضوحاً لا يخلو من لغة لاذعة واستخفافية. استمرّ في نشر بعض الأعمال والمقالات عقد مؤتمرات حول الشعر وكتابة مسرحيات، حتى وافته المنيّة العام 1954. ورغم أنه جاء بأسلوب جديد وحديث، هو تقصيب الجملة وتشظيتها جملاً منفصلة، ما يولِّد نوعاً من التوتّر والغموض اللازمَين للكتابة الحديثة، وقد قلّده كثير من الكتّاب الذين ظهروا في ما بعد، إلا أن الإضافة الحقيقية التي خلّدته تاريخياً كواحد من مؤسسي الحداثة البرازيلية، هي «البيان الآكل للحوم البشر» الذي كتبه ونشره في العدد الأول من مجلّته التي أسّسها سنة 1928 «مجلة أكل لحوم البشر». وقد يبدو من عنوان هذا البيان وكأنه صدى لـ«بيان كانيبال» لفرانسيس بيكابيا، المنشور في العدد السابع من «دادا» (1920)، إلا أنه (أي بيان دي إندراد) يختلف عمّا كتبه بيكابيا اختلافاً جوهرياً في أكثر من جانب. فدي إندراد لم يستخدم صفة Cannibal بل Antropofago. وهنا فرق جوهري رغم أن الكلمتَين تُترجمان، للوهلة الأولى، بـ«أكل لحم البشر». لكن كلمة «كانيبال» هنا مستخدمة بالمعنى المجازي وبالتالي يجب ترجمة عنوان بيكابيا بـ«بيان متوحّش» أو «بيان ضارّ»، وبالفعل فمضمون بيان بيكابيا مكتوب بلغة عدوانية تستخفّ بـ، وتحقِّر، على الطريقة الدادائية، السلطة والدين والفن والجميع، بينما المعنى لدى دي إندراد مباشر، ثمّ إنه ذو دلالة عميقة تناقش أخطر إشكالية كانت البرازيل تعاني منها: «محنة الأصل والدخيل»؛ هل يتمّ تحريم الثقافة الغازية والانكفاء على التراث القومي؟... إلخ. إذاً «البيان الآكلُ لحم البشر» الذي كتبه دي إندراد يُعتبر وثيقة إبداعية جدّ أصيلة. ففي عنف الشعور البرازيلي القومي ضدّ الاستعمار والبحث عن استقلالية وطنية، قدّم دي إندراد في هذا البيان أطروحة أساسية تدعو إلى الخروج من ثنائية الآخر الاستعماري والأنا الوطنية الخائفة من غزو الآخر لها، بالتعامل مع تلك الثقافة الأجنبية تعامل قبيلة توبي مع أعدائها: امتصاصها، التهامها. «فأكل لحوم البشر في بيان دي إندراد»، كما يقول أوغستوس كومباس، «هنا ليس متأتّياً من الفقر والجوع، وإنما هو منطلق من مفهوم طقسي؛ مجازي؛ محاولة الحصول على أفضل ما لدى العدو»... أكل لحوم الثقافة الغربية الغازية للبرازيل، أكلاً يسمح، عبر الامتصاص والهضم، ببناء شيء جديد. الخروج من ثنائية الدخيل والأصل، الآخر والأنا القومية، من مؤثِّر ومؤثَّر به، لا يمكن أن يحدث إلا من خلال عملية تغذية وامتصاص هذا الآخر الغازي لإنتاج شيء جديد متجاوز، سيمثِّل بالضرورة ثقافة البرازيل الحديثة المتفتّحة. وهكذا يصبح الانتقام من الثقافة الغازية، بالتقامِ أفضل ما تملك هذه الثقافة من مصل وحيوية. وعندما تصبح المعرفة معرفة التقامية، التهامية لا يعود لها هُويَّة منغلقة ومحدّدة، فهي تدخل حيّز الاختلاط، وفي الاختلاط  تتعامل مع كل المراجع الغريبة عنها كغذاء أصلي. طرح نظريّ، بهذه اللغة المتطرّفة، يريد به دي إندراد الوصول إلى الحداثة القصوى حيث المعنى يصبح إشكالية أهمّ من أن تكون غايتها الفهم.
 
في العدد الثاني من مجلة «النقطة» (باريس 1981)، نشرتُ مختاراتٍ من شظايا أوزفالد دي إندراد قمنا، نسيب طرابلسي وأنا، بترجمتها (يمكن القارئ الرجوع إليها). في الآتي ترجمة جديدة قمتُ بها لمختارات من «البيان الآكل للحم البشر» ومن نصوص أخرى. أقول «مختارات» لأن ثمة شظايا لا يمكن ترجمتها لأنها تنطوي على أسماء وأماكن وإشارات برازيلية تاريخية من دون شرحها لا يعود لتلك الشظية أي معنى. وكمثال، العبارة الثالثة في «البيان»: «نكون توبي أو لا نكون هذا هو لبّ المسألة». فتوبي هي القبيلة الأمّ للبرازيليين وقد اتُّهمت بأنها كانت تأكل لحم أعدائها، كما جاء في مذكّرات المستكشف الألماني هانز شتادين، حيث يقول إنه رأى قبيلة توبي تأكل لحم أعدائها، ولولا أنه استطاع الهرب لكان أُكِلَ كبقيّة طاقمه في الرحلة. هناك من يكذِّب هذه المزاعم، وهناك من يؤكّدها وبعضهم على النحو الآتي: نعم، كانوا يأكلون لحم البشر، وأمّا لماذا لم يأكلوا هانز شتادين الذي وقع بين أيديهم، كما ادّعى، فالجواب بكل بساطة هو لأن شتادين كان جباناً وآكلو لحم البشر لا يأكلون لحم الجبناء، وإنما لحم أعداء أبطال وشجعان ونبلاء كي يكتسبوا قوَّتهم ونبلهم. دي إندراد يريد في عبارته السابقة أن نقبل حقيقتنا أو لا نقبلها: فنحن آكلو لحم البشر؛ لنأكل، إذاً، من لحم هذه الثقافات الطالعة علينا ونمتصّها لكي تبقى جذوتنا الشعرية حيّة كأي قبيلة شعرية أخرى. من هنا يجب أن نفهم أن حياة الثقافة البرازيلية رهينة هذا الاختيار: إما أن نحوِّل المحظور (التابو)، وبعبارة أخرى الثقافة الأجنبية، إلى طوطم نفتخر به ونقدِّسه؛ بما أنه متأتٍّ عبر امتصاص المحظور وأكل أفضل ما فيه، وإما أن تموت الثقافة البرازيلية وتنقرض. 

 من «البيان الآكل لحم البشر»

وحدَه أكلُ لحم البشر يوحِّدنا. اجتماعياً. اقتصادياً. فلسفياً.

قانون العالم الوحيد. التعبير المقنّع عن كل الفرديات. عن كل الجماعيات. كل الأديان. كل معاهدات السلام.

نكون Tupi أو لا نكون هذا هو لبّ المسألة.

لا يهمّني سوى ما لا يعود لي: قانون الإنسان. قانون أكل لحم البشر.

ما يعيق الحقيقة هو الثوب، المِمطر العازل ما بين العالم الداخلي والعالم الخارجي. تحرَّكوا ضدّ الإنسان المكتسي. والسينما الأميركية هي التي ستذيع (ستنتشر).

أبناء الشمس، أم (هل تقصد: أمُّ؟) الأجيال. وجَدَهم وأحبَّهم بضرواة، وبكل ريائية الذكريات، المهاجرون، والمُتَّجر بهم والسيّاح. في بلد الأفعوان الكبير.

لهذا السبب لم يكن لدينا أبداً النحو، ولا كتالوغات الأعشاب القديمة، ولم نعرف ما كان مدينياً، أو شبه مديني، حدودياً، أو قارياً. نَتتنبَلُ على خارطة البرازيل العالمية.

ضدّ مستوردي الوعي المعلَّب. جسّ الحياة...

نريد الثورة الكارايبية، أعظم من الثورة الفرنسية. وحدة كلّ التمرّدات الفعّالة باتجاه (لخدمة) الإنسان. من دوننا لما كان لأوروبا الإعلان (إعلانها) البائس لحقوق الإنسان.

لم نتلقَّن تعليماً دينياً. كنّا نحيا وفق شرع سرنميّ (يسير نائماً) (هل تعبير "يسير نائماً" للشرح أم أنه من أصل النص؟).

لكن، لم نسمح أبداً بولادة المنطق في ديارنا.

تأبى الروح اعتبار الروح (اعتبارها) دون الجسد. التشبيهية؛ ضرورة اللقاح الآكل للحم البشر. للتوازن ضدّ أديان الهجير (ماذا تعني أديان الهجير؟). ومحاكمات التفتيش الخارجية.

لا يمكننا أن نكون مُهيَّئين إلا (سوى) لعالم أُذُنيٍّ.

كان لدينا العدل: تقنين الثأر. العلم: تقنين السحر. أكل لحم البشر. التحويل الدائم للتابو إلى طوطم.

ضدّ العالم القابل للارتداد، والأفكار المجسّدة. المجثَّثة. ضدّ إيقاف الفكر الديناميكي. الفرد ضحيّة النظام. منبع الظلم الكلاسيكي. الظلم الرومنتيكي. ونسيان الفتوحات الداخلية.

خطوط سير، خطوط سير، خطوط سير، خطوط سير، خطوط سير، خطوط سير، خطوط سير.

موت الفرضيات وحياتها. من معادلة «الأنا جزء من الكون» إلى مسلَّمة: «الكون جزء من الأنا». إعاشة. معرفة. أكل لحوم البشر.

ضدّ النخَب (هل تقصد "النُّخَب"؟) النباتية. اتِّصالاً بالأرض.

كنّا نملك، أصلاً، الشيوعية. كانت لدينا، أصلاً، اللغة السوريالية (أليس من الأصح استخدام مفردة "الدادئية" لأن السوريالية لم تكن قد تبلورت بعد كمفهوم؟). العصر الذهبي.

يا قمر 
أيها القمر الجديد
انفخْ على حبيبي لكي يتذكّرني.

السحر والحياة. كنّا نملك، أصلاً، تعاطي وتوزيع الأملاك المادية، الأملاك المعنوية، الأملاك الهَيْبيَّة. وكنّا نعرف تبديل موضع الموت والسرّ، بمساعدة بعض الصيغ النحوية.
 
سألتُ رجلاً عن ماهيّة العدل. أجابني بأنه ضمانة ممارسة المستطاع. كان يدَّعي هذراً مذراً. أكلتُه.

الصراع بين ما يُسمَّى المخلوق واللامخلوق، المُعبَّر عنه بالتناقض الدائم بين الإنسان وتابُوهِ. الحب اليوميّ وطريقة العيش الرأسمالية. أكل لحوم البشر. امتصاص العدو المقدّس. لتحويله إلى طوطم. المغامرة الإنسانية. القصد من غاية العيش في الكرة الأرضية. ومع هذا فقط النخب الصافية تستطيع، لحمياً، تحقيق أكل لحم البشر الذي يحمل في حدّ ذاته معنى الحياة الأرقى ويتجنّب كل الأمراض التي شخَّصها فرويد، الأمراض الناتجة عن التعليم المسيحي. ما يحدث هنا ليس تسامياً للغريزة الجنسية. إنه المقياس الحراري للغريزة الآكلة للحم البشر. فعندما تكون (الغريزة) لحميّة، تصبح واحدة من المنتخَبين وتبدع الصداقةُ؛ عاطفيةً، الحبَّ؛ وتأمُّليةً، العلمَ. تنحرف وتنتقل. نسقط في الشيخوخة. إن أكلَ لحم البشر على النحو الواطئ؛ المتكتِّل في خطايا التعليم الديني: الحسد، والربا، والتشهير والقتل. طاعون الذين يعتبرون أنفسهم متعلّمين ومُتمسيحيين، هذا عين ما نتحرّك ضدّه. آكلو لحم البشر.

نحن عينيّون. الأفكار تفرض نفسها، تتعارض، تحرق الناس في الساحات العامة. لنحذف الأفكار، وكل المُعطِّلات الأخرى بواسطة خطوط سير. الاعتقاد بالإنذارات، الاعتقاد بالوسائل وبالنجوم.

الرجل الذي أكلته لقمةً فلقمة:
في هذا النص يقدّم دي إندراد نقداً عنيفاً للفلسفة الوضعية التي كانت منتشرة في البرازيل (حتى أن العلم البرتغالي يحمل كلمتَين من كلمات مؤسّس الفلسفة الوضعية أوغست كونت). وربّما الرجل الذي يأكله دي إندراد هنا هو أوغست كونت نفسه.

لكثرة ما كان يُضايقني، كنت أراه - سلفاً - على السيخ يشتوي (يشتوي على السيخ)...

ذات يوم، تحدث عن «الحب كمبدأ».

اعتبرتُ أن قولاً من هذا النوع يستأهل نهشةً. فنهشته بأسناني كلّها.

وفي مرّة أخرى، يأتيني (جاءني) بهذه الفلتة «النظام كمبدأ». شعرتُ بإهانة حدّ أني عضضتُه من جديد.
وفجأة، عندما كّنا نحن نتنزّه (وفجأة بينما كنّا نتنزّه): سمعتُ من فمه «التقدّم كغاية». طفح الكيل!

مزّقت لحم «المواطن» بشهيّة.

والآن يتنزّه شاحباً بعض الشيء، بسبب بياض هيكله العظمي.

 أكلت كلَّ لحمه، وأبقيت فقط لسانه المتقرمز في بياض الجمجمة الناصع. 
عن قصدٍ أبقيت لسانه.

أريد أن أرى إن كانت لديه الجرأة على التصريح «بأنه يجب العيش من أجل الآخرين، العيش في وضح النهار». ليقل هذا وسيموت كسمكة: من الفم. 

التعيس! إنه (هو) من أتباع الفلسفة الوضعيّة، وربّما لهذا السبب كان لحمه بائتاً بحيث يجب أن يؤكل وإلا فسد. فأكلتُه.

من «نصوص أخرى» توضيحية

كل تشريع خطر. 

الإنسانُ، بفعل ظاهرة ندعوها آلية الانطواء، حيوانٌ مؤمن بالتعدُّدية. يعدّد ويخترع المفهوم. وعلى المفهوم يبني ويشترع القوانين. فيخلق التابو.

عندما يوجد الانكفاء على الذات، يهبط الإنسان إلى المستوى الواقعي. يهبط كساكن كهف بما أنه وُلد كهفياً. ولا يترك ديانة أو مثالاً أعلى إلا ويجادلها قسراً. تاريخياً.

لو كان الأطفال يولدون غير أمّيين، لكنّا آمنّا بالتطوّر الإنساني. لكنّ الطفل، عند ولادته، كما هو خلال القرون الأربعين الأخيرة من الوقائع المعروفة، يولد طبيعياً (بشكل طبيعي) في العصر الحجري. وهكذا يبقى بدائياً والإنسان الأول، إن لم نشوّهه فوراً. ليس من داعٍ للحنين إلى العصور الحجرية. فكل يوم، يولد ملايين من أناس ما قبل تاريخيين (ما قبل التاريخ).

كل أحكامنا تخضع للمعيار البيولوجي. التنعيتُ الأنثروبولوجي لا يفعل أكثر من تطوير التحقّق مما هو مناسب أو غير مناسب للإنسان المعتبر بيولوجياً. فما هو مناسب، سنسمّيه: جيّد، عادل، صحّي، مسلٍّ، وما هو غير مناسب سنسميه: خَطِر، مغفَّل... إلخ.

هذا هو النوع الوحيد من الانكفاء على الذات الذي نسمح به. لم يكن لدى الهندي الأحمر فعل «كان»، ولهذا نجا من الخطر الميتافيزيقي الذي يجعل، كل يوم، من الإنسان الحجري القديم مسيحياً له ثدي، محمّدياً، بوذياً، باختصار، حيواناً أخلاقياً. حكيمٌ صغيرٌ مدجّج بالأمراض.

من هذا التقسيم للفرضيات الإنسانية (الفلسفات، الأديان) إلى قوى إيجابية وقوى سلبية، يتكوّن حكمنا الجمالي والأخلاقي.

ليس لأنه لدينا نظام ما. لكن يجب إيجاد حلٍّ لكل المشاكل المطروحة في الغرب والشرق.

السلطة الخارجية، أو بالأحرى، «الحرمان المناخي» بالمعنى الأوسع للكلمة، هو التابو. فما هو أكل لحم البشر؟ إنه امتصاص البيئة. تحويل التابو إلى طوطم.

تُفضي رغبة الامتصاص إلى مخالفة التابو.

سيكولوجيّاً، أكلُ لحم البشر يُفسِّر عقيدة السقوط وتكوين فكرة الخطيئة. إن الخطأ هو الحلّ النادم. منقولاً صوب امتصاص المناولة(*). أكلُ لحم البشر ينسّق المعنى البيولوجي. امتصاص التابو مباشرة ودوماً.

ضدّ القوى المتواضَع عليها، قوى التكييف، قوى الرياء، نطلق قوى التحرّر، الظافرة دوماً. ضدّ الإنسان المزيّف، الغبي والمزعج، نقيم الإنسان الطبيعي، ضدّ الحيوان الذي يكتسي، نقيم الحيوان الذي يتبهرج.

ليس الهبوط (هل الهبوط بمعنى السقوط هنا؟) الآكل للحم البشر ثورةً ثقافية أو أدبية، ولا ثورة اجتماعية، ولا سياسية ولا دينية. إنه كل هذا في آنٍ واحد. إنه يُعطي الإنسان الشعور الحقيقي بالحياة، الذي يكمن سرّه – وهذا ما يجهله العلماء – في تحويل التابو إلى طوطم. ولهذا ندعو إلى «امتصاص التابو مباشرة ودوماً».
 
الثقافة المزيّفة، الفن المزيّف، الأخلاقيات المزيّفة، الأديان المزيّفة. كلّ هذا سيتلاشى. سنلتهمه بكلّ شراسة.
 
 
 
(*) المُناولة: تناول القربان المقدّس.
 

في ثقافات