GMT 9:55 2018 الأحد 11 مارس GMT 9:42 2018 الأحد 25 مارس :آخر تحديث

"في القطار" ضمن انطولوجيا القصة الالمانية 1ـ3 (القسم الأول)

منير العبيدي

 

 
 
تمهيد 
في منتصف العام الماضي 2017 اشتركتُ في التنافس لنشر قصة قصيرة ضمن انطولوجيا القصة الالمانية برعاية دار النشر المعروفة R.G. Fischer  فأرسلت قصتي "في القطار" بعد ان ترجمتها بنفسي الى الالمانية . 
في آب ـ اغسطس استلمت رسالة من دار النشر تقول : "نود ان نهنئكم تهنئة قلبية بأن قصتكم المشاركة  في المنافسة في مجال القصة القصيرة وقع عليها الاختيار ضمن حوالي خمسٍ و عشرين قصة قصيرة من مجموع بضعة آلاف من المُشاركات المرسلة و سوف تنشر في انطولوجيا القصة الالمانية التي ستصدر تحت عنوان "في الحديقة السحرية للكلمات" و تعرض في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في اكتوبر ". لفت نظري قبل كل شيء مستوى الجدية . آلاف القصص قُرأت خلال بضعة شهور من قبل متخصصين و نقاد تتعامل معهم دور النشر . و بالتأكيد توالت التصفيات حتى تم الوصول الى النتيجة. لكن السبب الجوهري لهذه الجدية بالنسبة لي معروف و يلخص بكلمتين : اقتصاد السوق. و هذا ما سوف اعرض له لاحقا.
قصتي "في القطار" صدرت بالعربية ضمن مجموعتي القصصية "البقرة التي اكلت صورة السيد الرئيس" ببغداد عام 2015 عن دار ميزوبوتاميا للطباعة و النشر و قد حرصت من خلال بعض الاصدقاء على ارسال  المجموعة الى اسماء "معروفة" في الوسط النقدي و الادبي في العراق . لا هذه القصة و لا قصص اخرى في المجموعة كانت موضع اهتمام ناقدٍ او كاتب في العراق و ها قد مضى على المجموعة القصصية اكثر من سنتين مذ صدرت.  و لكن قصة ضمن المجموعة وجدت لها مكاناً في المانيا وسط منافسة شديدة مع آلاف القصص التي كتبها في الغالب المان و قسم منهم متخصصون في الادب . 
 و ارتباطا مع حوادث مشابهة تم فيها تجاهل اعمال جيدة و الرفع من شأن اعمال هابطة اجدني جازما في أن النقد الادبي في العراق يحتاج قبل المهارات المعرفية الى الاخلاق المهنية و الحيادية.
خلفية
 كنت قد بدأت منذ بضع سنوات بترجمة  قصصي بنفسي من العربية الى الالمانية لأنني اعرف متاعب ان يترجم قصصك شخصٌ آخر . المشكلة لا تكمن بالضرورة في قابلية المترجم ، بل لأن المترجم يجد نفسه أحيانا مقيدا بالنص الاصلي . اما حين اقوم انا بترجمة نصٍ من تأليفي ، فإني أجد نفسي حرا في نقل روح النص كما اراعي ايقاع اللغة المنقول اليها . انني في الواقع اعيد كتابة النص بلغة أخرى لها آلياتها المختلفة ، هذا يجعلني أغير الكثير . أحيانا يكشف لي النص الالماني عيوبا هنا و هناك في النص العربي، مثلا: الحاجة إلى المزيد من التفاصيل أو خللاً في الايقاع في بعض المواقع فأعود لأعدل اصل النص . و بذا كانت الترجمة بالنسبة لي هي تفاعلاً ابداعياً بين نصين بلغتين مختلفتين يتبادلان اثناءها التأثير. 
انوه هنا الى انني اعرض النص الالماني على عارفٍ باللغة الالمانية لمراجعته . اما المصححون اللغويون المحترفون فإنهم يكلفون مبالغ باهظة . و مهنة التصحيح اللغوي في المانيا تدر دخلا جيدا. علما بأن الكُتّاب الالمان أنفسهم ، كما و دور النشر ، لديهم مصححون يراجعون النصوص ، ذلك أن اللغة الالمانية لغة صعبة جدا . و حين رُوجعت قصتي لغويا من قبل دار النشر قبل نشرها لم تقم الدار بتغيير اية كلمة . هذا اشعرني بأنني بالتعاون مع المُراجع نقوم بعمل جيد .
و لكن المراجعة وضعتني امام صعوبات من نوع آخر. فاكثر الميول  السلبية في الترجمة و التصحيح أو المراجعة حسب ما خبرته خلال السنوات الثلاث الاخيرة هو قلة الخبرة بالنص الادبي بما يرتبط بها من ميل الى اللغة التوضيحية التي تجعل القارئ كسولا بدلا من ان تترك له هامشا من الغموض ليكون فاعلا في النص و مشاركا في اعادة صياغته. كان علي هنا ايضا ان اقوم بجهد خاص للحيلولة دون غلبة هذا الميل . أميل إلى أن الادب المعاصر ينبغي يكون بطريقة ما تلميحيا (suggestive) يعطي القارئ مفتاحا ليقوم هو بفتح مغاليق النص و الولوج الى عالمه كما ان عليه ان يفتح اكثر من امكانية للتأويل دون ان يقحم الكاتب نفسه تعسفيا في تكوين وعي القارئ او احتكاره.
و في هذا الاثناء كنت أحتاج الى ان اعرف ما هو رد فعل المتلقي الالماني حين يستمع لنصوصي و قصصي . و هكذا عرضت قصصي قدر المستطاع على المان من معارفي لإبداء الرأي فيها و لم اكتفِ بذلك بل قمت بخطوة اعتبرتها مهمة و هي ان اقرأ نصوصي في "منبر الكتاب" . هنا تُتاح للراغب فرصةَ أن يقرأ نصاً ، قصةً أو قصيدة لمدة لا تتجاوز الـ 15 دقيقة امام جمهور الماني بعضه من النقاد ، جله من الكتاب و آخر من جمهور الادب . الشرط الوحيد هو ان تكون المادة المقروءة غير منشورة ، لان الهدف من النشاط كله تقديم مقترحات لإجراء تعديلات عليها ، هي طبعا مقترحات اختيارية ، اذا شاء الكاتب اخذ بها او انصرف عنها.

صدور الكتاب
اسم الكتاب بالالمانية : في الحديقة السحرية للكلمات (Im Zaubergarten der Worte) 
صدر عن دار النشر : R.G. Fischer Verlag
عدد الصفحات : 612 بالحجم الكبير
 
و كما وعدنا العاملون في دار النشر صدرت الانطولوجيا في اكتوبر عام 2017 و عُرضت في معرض فراكفورت للكتاب . بُعيدها بأيام وصلتني اربع نسخ من الكتاب . و بما ان الاصدار قد تزامن مع الذكرى الأربعين لتأسيس دار النشر فإن الكتاب قد صدر هذه المرة موسعا شمل اعمالا قصصية و شعرية نُشرت او فازت في منافسات سابقة. هذا يفسر ضخامة الكتاب و عدد صفحاته التي تجاوزت الـ 400 بالحجم الكبير. 
منذ استلامي الكتاب حتى نهاية عام 2017 كرست وقتاً لقراءة و تحليل 27 قصة (بعد استلام الرسالة التي ترجمتُ لكم مقتطفا منها لاحظت ان دار النشر قد اضافت قصتين أُخريين ليكون المجموع 27 و ليس 25 قصة كما اشاروا) ثم اعدت قراءة قصص منتخبة مرة ثانية و أحيانا ثالثة ، و كان من بين ما أعدت قراءته بتأنٍ قصتان هما " الموت يقف امام الباب " و تحية من الماضي " و سأقوم باستعراض مختصر لبنية هاتين القصتين و ربما قصصٍ أخرى في سطور لاحقة . 
الانطباع الاول ان جميع القصص التي تضمنتها المجموعة هي ذات مستويات متقاربة . السبب ، عدا الجدية التي اشرت اليها ، ان مجموعة القصص التي نُشرت كانت مختارة من مجموعة كبيرة جدا و بذاك كان هامش الحركة و الاختيار للمحكّمين و النقاد كبيرا.
 
كيف يؤثر اقتصاد السوق على المعايير
 في البلدان العربية هناك شكلان رئيسيان لنشر المنتج الابداعي : ذلك المدعوم من قبل الدولة و يكون في الغالب في البلدان ذات الاقتصادي الريعي و الوعي الموجه كما كان الامر في العراق قبل عام 2003 . وفق هذا النوع من النشر تدعم الدولة النشر و النشاطات الفنية. و رغم عدم خضوع المنشور لمعايير البيع و الانتشار كما هو الامر في اقتصاد السوق الا ان نظرة على ما تم نشره خلال العقود التي سبقت ، تُوصلنا الى ان هناك معايير تم مراعاتها في الغالب. و قد ترجمت و طبعت و نشرت العشرات من الكتب بمستوى رفيع مثّل اضافة للمكتبة العربية . لم يكن الامر مرتبطا دائما بما يتوافق مع سياسة الدولة بل نشرت الكثير من الاعمال المنددة بها و لكن بطريقة غير مباشرة. و نشرت و طبعت اعمال لكتاب كانوا ناقدين للدولة ان لم يكونوا معادين لها. 
اما الشكل السائد الان فهو ظهور و انتشار دور نشر تتقاضى اجورا على النشر يدفعها الكاتب نفسُه مقابل عدد متفق عليه من النسخ و تحسب دور النشر ارباحها فورا بعد خصم نفقات الطبع و النشر . دور نشر كهذه لن تبذل جهدا لانتشار الكتاب. لم يكن كل ما صدر من كتب عن هذا الطريق سيئا و لكن الغالب مما طبع و نشر كان على مستويات غير مسبوقة من الارتجال.
الاقتصاد الرأسمالي و الذي اشتقت منه تسمية معدلة باسم اقتصاد السوق هو سيادة شكل الاقتصاد السلعي. و السلعة أو البضاعة هي منتج مادي او خدمة تُنتج ليس للاستهلاك من قبل المُنتِج نفسه انما لمستهلكٍ آخر غير معلوم. و ينظم السوق تلقائيا مستويات انتاج البضاعة فإذا ما انصرف الناس عنها و بارت لأي سبب ، توقف أو تقلص انتاجها حتى تشح و يعود الطلب عليها كما كان.  أن نفس هذه الآلية تعيد توزيع حركة رأس المال أو الاستثمار على فروع مختلفة من الانتاج. فإذا ما وضع مستثمرٌ اموالَه في مشروعٍ لإنتاج الكتاب فإنه معنيٌ قبل كل شيء بالربح ، لكن الربح هنا مرتبط بجودة المُنتج اي المستوى الابداعي للكتاب و لذلك يكون المستثمر معنيا بالجانب الابداعي لأنه الحامل للمبيعات و بالتالي الربح . و بما أن المستثمر لا يمتلك العدة المعرفية للحكم على جودة المنتج فإنه يوظف متخصصين في هذا الموضوع مثل النقاد ليقرروا فيما اذا كان المنتج على مستوى ابداعي جيد. 
 فيما يخص المانيا و البلدان التي تعمل وفق اقتصاد السوق فان هناك معايير تم تأسيسها تاريخيا في اختيار الأعمال الصالحة للنشر. و لأن مؤسسات الطباعة و النشر تستفيد من المبيعات و من قبول الجمهور للعمل المنشور فإنها تكون عندئذ مهتمة بمعاييرها لكي تحوز على رضا قارئٍ يصعب ارضاؤه و تسهل خسارتُه .
 
مقارنة و خصائص
النتاج الابداعي العراقي ضعيف الارتباط بالسوق باستثناء الفن التشكيلي . و رغم أن القصة القصيرة و الشعر العراقيان حققا منجزاتٍ ابداعية و هما متقدمان او موازيان لأرفع الامثلة في الدول العربية مقارنة بالرواية (التي بدأت اخيرا تشق طريقا مميزا لها تحت اسماء جيل جديد من الكتاب) الا ان النجاح غير مرتبط بالانتشار . هنا لا يوجد معيار للنجاح سوى مقالات نقدية او استعراضية تفتقر في الغالب للمعايير الموضوعية. 
مع ذلك فإن قراءة مقارنة بين القصص المنشورة في الانطولوجيا و قصص اخرى باللغة الالمانية قُرأت في اوقات مختلفة من جهة و القصة القصيرة العراقية من جهة اخرى يُوصل الى ان الكثير من القص العراقي يتوارث بعضاً من الخصائص في الصيغ اللغوية و البنية تكرر نفسها لدى كتاب معروفين. هنا نشير الى بعضٍ منها:
المحلية المفرطة التي تتجلى في افكار و صيغ و مفردات لا يفهمها العربي الذي يسكن قريبا من العراق ناهيك عن المناطق النائية للناطقين بالعربية مثل بلدان المغرب العربي. اعتقد ان كل كاتب يتوفر لديه الطموح أن يكون عالميا أو على الاقل أن يُقرأ خارج حدود بلده. الميل نحو عالم موحد يتعزز. يسعى الانسان الى ما هو جوهري في العلاقة الانسانية و هذا ما ينتظره ايضا القارئ. 
توجد امثلة كثيرة على ادب المناجاة الإنكفائي المفرط في الذاتية و الهموم الخاصة. يمثل هذا النوع من الادب منفذا هروبيا يجنب الكاتبَ خوض جدل فكري من خلال ابطاله أو يجعله في غنى عن الاجابة على اسئلة ملحة و لقد يوفر تنفيسا و لكنه في غالبه ليس ذا قيمة عامة تخص القارئ. 
في كل ما هو خاص و ذاتي يوجد شيء عام ، شيء انساني و لكن طريقة التناول هي التي تتيح للنص أن يكون ذا قيمة عامة.
يندر وجود محاولات لعصرنة اللغة العربية و الاستفادة من مرونتها العالية.  هناك افراط في استخدام الصفات ، المترادفات ، التكرار و الاطناب الكلاسيكي. العلتان النقدية و الابداعية تتضافران لإنتاج ادب عابر مرتبط بعدم و جود مؤسسات فكرية راسخة توفر للنقد الجاد مساحة كافية. الصحف تجامل الموالين و ليس لديها معايير موضوعية. هناك ملامح الانشغال عن المكان و الافتقار للصورة.
لا يوجد معيار لمعرفة فيما اذا كان الكاتب يحمل نظرة فلسفية صائبة لما حوله ، لا احد منا يستطيع ان يدعي ذلك ، و لكن بالتأكيد يجب ان تكون صياغة الفكر، بغض النظر عن صوابها من عدمه، منسجمةً مع نفسها و لا تحمل تناقضاتٍ داخلية و سياقات يعوزها المنطق . يترتب صياغة الافكار بما يتناسب مع بنية البطل و ان تكون تلك الافكار ذات اساس مقنع حتى لو كانت تعود لشخص شرير. فكل الميول لها تبريراتها لدى حامليها حتى لو كانت ميولا اجرامية و على الكاتب ان ينظر اليها بعين بطله . عليه ان ينظر بأكثر من عين و ان يتعامل مع اكثر من شكل واحد من البنى الفكرية و ان يترك نقد و تقييم سلوك شخصيات السرد للقارئ .
و أخيرا ، لم اجد احدا يكتب بقلبه و يترك اللغة مسترسلة معبرة بشيء من الاسترخاء عن مشاعره. هناك انشغال عن الحس الانساني سببته غلبة الاهتمام بالاسلوبية و محاولة استحداث لغة خاصة عبر التعسف و الافتعال. كل الذين ثوروا النصوص جاءهم نداء داخلي نابع من ديناميكية افكارهم التي استلزمت شكلا محددا من اللغة و شكلا محددا من الشكل . ما لدينا في الغالب محاولات للطفر على المشاعر و الاحاسيس و الافكار التي تملي تغيير الاسلوب و الانتقال الى محاولات لتأسيس ما لا اساس له.

الكتابة و تقنيات الكومبيوتر
استخدام تقنيات الكومبيوتر يُفترض انه اضفى على الكتابة قدرا اكبر من المرونة في اعادة بناء النص و تعديلة مرة و اخرى و ثالثة و ما لا يحصى من المرات بدون جهد كبير مقارنة بعصر ما قبل الكومبيوتر حين كانت الكتابة تتم مباشرة على الورق. لقد اتاحت الكتابة على الكومبيوتر امكانيات كبيرة لإعادة ترتيب بنية النص و خصوصا تقديم و تأخير بعض جمله أو بعض اقسامه . الكومبيوتر وفر امكانية تثوير شكل النص بما لا يقاس مع الامكانيات التي كانت متاحة للكاتب على الآلة الكاتبة التقليدية . هذه الخصائص لم تستغل على اقصاها كما يبدو. فهناك نصوص ستبدو افضل بكثير لو استخدمت نفس عناصرها الاولية بترتيب آخر حتى دون تغيير في محتواها . لقد توصلت الى ذلك من خلال قيامي بمراجعة مسودات نصوص أرسلها لي بعض الكتاب أو قراءتي لقصص منشورة او حتى بإعادة قراءتي لنصوصي و تنقيحها.
من سمات العصر الحالي ان الانسان اصبح بشكل متزايد تحت ضغط  الوقت. عصر المعلوماتية قلص الوقت المتاح للقراءة . النتاج الادبي تبعا لذلك سيكون بشكل متزايد كثيفا يقدم دفقا من المتعة لا يمكن الطفر عليه 
في القسم الثاني : ملخص و تحليل لقصتين من الانطولوجيا 
 

في ثقافات