GMT 8:55 2018 السبت 31 مارس GMT 5:34 2018 الإثنين 2 أبريل :آخر تحديث
عندما يسمو الحب "مريما" ويتعالى الشعر أجراسا

الشاعر العربي محمد شنوف يعيد لقصيدة الغزل نضارته

إيلاف
بقلم زهير اسليماني
 
تقديم:
بدهي أن كل قراة، نقدية صارمة أو عاشقة حرة، تنطلق -عن وعي أو من دونه- من خلفية نظرية ما، وبدهي كذلك أن القيم المهيمنة من أهم المفاهيم التي تحدد نوعية العمل الأدبي بوجه عام والشعري بصفة خاصة، فهي تعد حسب ياكبسون "عنصرا بؤريا للأثر الأدبي. إنها تحكم وتحدد وتغير العناصر الأخرى، كما أنها تضمن تلاحم البنية" (1)  لذلك فكل قراءة تواجه القصيدة أو النص أو العمل الفني من زاوية معينة، هي منطلق القراءة ومسوغها..
وإذا كان من الممكن الاشتغال على النصوص بعيدا عن صرامة المنهج، كي لا يصير النص مجرد تمرين؛ ينطلق من مسلمات المنهج وينتهي الى غايته (المنهج)، وتكون القراءة  توتاليتارية.
إذا كان الأمر كذلك.. فإنه لمن المستعصي الاشتغال على النصوص عموما والشعرية خصوصا، دونما الانطلاق من خلفية معرفية أو نظرية تحدد معالم الطريق، فترفع المرساة وتطلق شراع الانطلاق دونما أن توجه دفة القراءة نحو مرفأ بعينه.. فالمرفأ يبقى  مجهولا، حتى يوطأ لأول مرة كحصيلة، لأن "الناقد لا يبحث في النص عما يعرفه بشكل مسبق، بل يستدرجه التأويل إلى اكتشاف ما لم يتصوره من قبل" (2). 
ولكنه لا يدخل غمار البحث أعزل ومجردا من كل زاد ثقافي، بل مدججا بعدة نظرية هي نتيجة ما تلقاه من معارف وأنساق ونظريات في مساره الأكاديمي ومسيرته العلمية.. فنتغدو مرجعيته جماع نظريات، ومنهجه عصارة مناهج..
وذلك حال التعامل مع كل أنماط النصوص، وعلى رأسها النص الشعري، الذي وإن اختلفت مقاربته، فيبقى المستوى الدالي والدلالي والتداولي ثالوثه العضوي المقدس، وما يتدثر به من بلاغة وفصاحة، بالنظر إلى كون  "البلاغة شيء يبتدئ من المعنى وينتهي إلى اللفظ، والفصاحة شيء يبتدئ من اللفظ وينتهي إلى المعنى" (3)،  تجعل طريق سبر أغواره ملأى بالألغام ووعرة بالمطبات، وزلقة بزئبقية الدوال وغنى سيروراتها.. ولا مسلك من ذلك إلا الاسترشاد بنظرية ما أونظريات تكون بمثابة فنار يسلط الضوء على أقرب نقطة، حتى تتجلى.. فالتي بعدها.. هكذا وذواليك.. إلى إدراك النسبي المحقق لا المطلق المحتمل.. وتلك الطريق التي سنسلكها في مقاربة تجربة أعمال شاعر مغربي، له باع وصيت محليا، ووطنيا وإقليميا.. لنبلغ صوته ما يستحقه من الذيوع عربيا، وتلك مهمة النقاد، منذ الأزل.. لتسهيل عمل التاريخ!
 
توطئة، لابد منها:
من مدينة مكناس، عاصمة الدولة العلوية إبان حكم المولى إسماعيل، مدينة المعالم الحضارية الغراء مثل المدرسة البوعنانية وقصر هري الصواني وحبس قارة.. والمآثر المعمارية الطغراء كباب منصور العلج وصهريج الصواني.. والمشاهد الطبعية الفرهاء من قبيل جبال زرهون ووهاده وبساتينه الغناء..
من مدينة، اتخذتها الأعمال السردية مادة حكائية واتخذتها القصائد غرضا وتجربة ورؤيا شعرية، واستلهمت من عمرانها وهندسة ساحاتها وقصباتها وروعة زخرفها لوحات تشكلية ومؤثثات سينوغرافية، ومن تاريخها وشخصياتها كتابات دراماتورجية..
من مدينة، يلفي فيها المؤرخ والكاتب والشاعر والفنان والسائح والمتصوف ضالته، وما يرضي غروره.. وبما أنها كل ذلك فلا غرو، أن نلفي لديها مبدعين عظام وموسيقيين مرموقين وشعراء كبار.. 
ولئن كان الشعر المعاصر وليد المدينة، البار أحيانا والعاق أحيانا، تبعا لظروف فرضتها المرحلة على الشعراء، فإن كثيرا من المدن لا تكاد تذكر إلا ويذكر معها الشعراء، كالسياب وحجازي وعبد الصبور.. على سبيل التمثيل لا الحصر، فإن مكناس باتت لاتذكر في المجالس الثقافية إلا ويذكر معها شاعرها الفذ محمد شنوف، الملقب بزرياب مكناس، ولا تذكر مكناسة الزيتونة في محفل أدبي إلا واستدعى الذكر الشاعر الزرياب. فمن هو الشاعر محمد شنوف؟ ما أهم أعماله؟ وما أروع قصائده؟ ما الذي ينماز به عن أقرانه من شعراء المدينة؟ وعن أترابه ورعيله من شعراء الوطن؟
على سبيل التعريف:
الشاعر محمد شنوف من مواليد : 04 – 04 – 1960 بمدينة مكناس ، متزوج وهو أب لطفلين، اشتغل كأستاذ اللغة الإنجليزية بثانوية الزيتون بمكناس، عاد به المقام إلى مسقط رأسه، بعد سنتين قضاها بمدينة سيدي إفني وسنة واحدة بمدينة سيدي قاسم. 
نشر الديوان الأول بعنوان: مِن هاجرَ يأتي زَمْزَمُه، والديوان الثاني بعنوان: إليكِ انتَهَى الأمرُ. وله ديوان ثالث قيد للطبع بعنوان: صدًى في المَدى.   
 له كثير من القصائد منشورة بصحف محلية ووطنية ومواقع إلكترونية أدبية مغربية وعربية. له العديد من المشاركات بعدة ملتقيات ومهرجانات شعرية محلية ووطنية وعربية. احتفي بديوانه الأول احتفاءات عدة، وكرم في حفلات تكريم وضيافات شرف في مدن مغربية مختلفة  وأخرى مغاربية بمدينة البليدة بالجزائر.
حاصل على الإجازة في الأدب الإنجليزي – من  كلية الآداب بفاس سنة 1984، وعلى  دبلوم كلية علوم التربية – من كلية علوم التربية بالرباط سنة 1985. له عدة اهتمامات أخرى جمعوية وحقوقية وتربوية وثقافية وسياسية، تقلد فيها مناصب ريادية، وطلعية..
وأخيرا يلقب محليا ووطنيا بزرياب مكناس.
 
في البدء كان " من هاجر يأتي زمزمه"
-عندما يسمو الحب "مريما" ويتعالى الشعر أجراسا-
هو عنوان الديوان الأول لزرياب مكناس وهو في نفس الآن عنوان إحدى فرائده، التي مطلعها: 
  "كم ران علي ظلام أسى *** ومض الأحلام ينمنمه"
 "والقلب حصيد جف ظما *** من هاجر ياتي زمزمه"
 حيث يلمس القارئ العادي قبل الناقد المتخصص حضور حقل دلالي وجداني (ران، الأحلام، القلب، هاجر) في تضام وتلاحم مع حقل آخر طبعي (ومض، حصيد، جف، ظما، زمزمه)، يشرعن الذهاب فرضيا إلى إرساء مضمن للقصيدة عند غرض الغزل.. فما خصوصية الغزل عند الشاعر محمد شنوف؟ أهو تجربة شعورية مستجدة وطارئة لها خصوصيتها التعبيرية والموقفية أم مجرد تعبير عن حالة إنسانية عارضة؟ تغنى بها الشعراء وغيرهم على حد سواء..؟ ما الخصوصية التي أضافها إلى القصيدة الغزلية وإلى غرض الغزل؟
بالتوغل في ثنايا القصيدة -معجميا ودلاليا- يتبين أن هناك خصوصية انماز بها التعبير عن الكم الشعوري لدى الشاعر، استوعبه غرض الغزل الذي استوى في قصيدة عمودية، ذلك ما تؤكده امتدادات النواة الدلالية الأولى (هواها، أصبو، علقت، الوجد، الوجه، تمشي، تخطو، الحسن، النهد، الصدر، الصخر بكى قلبا، الحب، جيش الأشواق، تهوى، ذكرى، استشفي الضر، الصب.. القلب) التي تؤكد غرض القصيدة الأساس وتكرسه على طول القصيدة. في حين تتصاعد وثيرة النواة الدلالية الثانية، التي تصور هذا الوجد وحال الواجد ( زمزمه، الروح، الأقدار، الأقداس، مريمه، الشمس، نورا، الفلك، صهوات، الأم، عرش، الجان، تقري، كل مكان، الطائر، يخضر، مائي يختمه، قابا قوسين، جهنمه، البدر، سناه، كل مقطعة يدها، حسان الخلد..) في تصوير ينفك من عقاله الدنيوية/ التحتية/ المستفلة، ليتسامى في رحابة الأخروي/الفوقي/ المتعالي، مما يضفي عليه طابعا مفارقا ويطوقه بهالة قدسية، أي يلتحم المعجم الديني، بالمعجم الدنيوي، في حركة تسام من الأسفل نحو الأعلى (يؤكده حتى نظام الصوائت وغلبة المستعلية منها: أترنمه؛ ََََُُْ، مع نذرة الكسر والجر وانتفاء الإقواء..) .. وهو لعمري سمة جدة في التعبير الشعري عن غرض الغزل، إنه غزل أقدامه في الأرض وهامته في السماء، مما يخلق توازنا دلاليا، عكسته التعادلية المعجمية، بين صبابة العشق المتدفق والغامر والمشترك والإنسي، وبين ارتقاء العاشق بنفسه عن عشق العوام، ووصال العوام، وارتواء العوام، إلى صبابة الشعراء، غزل يبلغ منتهاه مع نهاية القصيدة "لولاها لا ما كنت هنا ** أتلو شعري أترنمه" لتصبح تلك "الهي" هي تعلة الوجود الفعلي والشعري وغايته، وهو تشذيب وتهذيب وإضافة دلالية إلى كل التشكيلات التعبيرية عن هذا الكون الدلالي (الغزل ومتعلقاته)، أكسبت الشعر والشاعر قيمة دلالية مضافة وسمة جمالية مثمنة، ووسمت حبه بالإطلاقية الأفلاطونية، وأسبغت على غزله لباس القدسية الدينية، فتقاربت دواله ودلالاته من دوال ودلالات بردة البويصري، مع وجود الفارق البين على المستوى التداولي قدسية وقيمة ومقصدا وغاية..
 
ولقصيدته"لها صدعي" صدوع ومرجعيات:
-الصورة الشعرية عندما تتخذ من الموسيقى مرجعية-
ينتمي هذا النص إلى الديوان الأول للشاعر شنوف "من هاجر يأتي زمزمه" يلاحظ المتكلم/السامع تزاوجا فاتنا بين الصوت والصمت، بين الحركة والسكون، بين الصامت القصير والصائت القصير والصائت الطويل.. هذا من جهة الأصوات..
أما من جهة الصورة، فإنها تجد مرجعياتها وارتدادها في حقل الموسيقى ( كعرف العود آهاتي، أنا كالعود أوتار، صدعي عند مولاتي، تشدو كل نبضاتي، همس أشواق، لحن، طرب). فما هذا التناسب العذب؟ وأين تجلى على المستوى النصي والانجازي أو الأدائي للقصيدة؟
أول مظاهر هذا الانسجام والتناسق هو في التوظيف الكثيف لصوت الدال /د/، الصوت العذب والجميل (يدعوني، إذا، العود، تشدو، تبتدي، "تهذي"، كأخدود، الدجنات، مجاديفي، أجد، شهادا، الشهد، الدهر، سدول، وقود، عد، الغيد، ورد، دمي، غدي) إذ لا يكاد ينتسج بيت (بشطريه) دون وجود هذا الصامت (صدْعي، أجدْ..) الذي يغدو إما صوتا قصيرا مع صائت قصير(عندَ، الشهدُ..) ، أو صوتا مضاعفا مع صائت طويل (عود، تبتدي، أخدود، مجاديفي، سدول،  قود..) وهو الغالب المهيمن.. الذي يعبر القصيدة، ناظما بين كلماتها وأبياتها، كنوتة موسيقية، تحافظ على تماسك الإيقاع وتدفقه بسلاسة عبر مجاري القصيدة الصوتية، مالئا الفراغات التي يحدثها التمفصل بين الوحدات الكبرى/الدالة، عبر ما يستمده من استطالة وتمدد ناتج عن تحققه مع المدود الصوتية عند الإنجاز أو الأداء أو التحقق،  كذلك يحقق هذا الصوت الإيقاع على مستوى الوحدات الصغرى/غير الدالة (بنفنست) كفاصلة أو "نقرة أو قرعة" داخلية توزع المتواليات الصوتية/الإيقاعية وتنظمها، وتذكر الأذن بالتقطيع الصوتي/ الإيقاعي الأول.. مما يضمن للقصيدة توزيعها الايقاعي، الذي يتحقق موسيقيا عند الأداء الحسن.
والخلاصة أن هذا الصوت جلاه الشاعر في أبهى حلله، عندما قيده بحروف المد، مما أطلقه بمثالية، وعذوبة وهو يسيل ويتدفق ممتدا في النفس والنفس، مع الصوائت الطويلة، التي تضاعف تجليه وترسخ حضوره في الأذهان، بعد انقطاعه وتمفصله في اللسان.. وهو ما لا يفطن إليه إلا الشاعر الموهوب والناظم الفنان..
 
 
ولم ينته مع " إليك انتهى الأمر"
-تناسب ماء الشعر مع نهر الحب-
هو العنوان الذا اختار السي محمد شنوف لديوانه الثاني، وهو كذلك عنوان إحدى خرائده، التي جمعت بين الاتباع والابداع.. يقول في مطلعها..
"عدمت القوافي إذا لا أراك
بها، كالمرايا تناغي بهاك
فليس كمثلك أنثى فتونا
تتوبل بالكبرياك أناك"
القصيدة منظومة على بحر المتقارب، المعروف عنه أنه بحر تغن بامتياز، ولعل الشعر العربي في سواده الأعظم شعر غنائي، وهو ما يسم هذه القصيدة التي تحتفي بإعلاء روح "الغنائية الذاتية"  التي تتحلى في أبهى حللها في غرض الغزل،، أو ليس الغزل كما علمنا القدماء.. وأكده بعض المحدثين كالبروفسور عبد الله الطيب، الذي يراه إيقاعا يصلح للإطراب الخالص.. (كتابه المرشد)
فلا قارئ/سامع يمر على هذه القصيدة -مرور الكرام أو مرور المضربين- إلا وطرب لها من حيث جرسها الموسيقي، ولان لها من حيث كمها الهووي الفاىض، على جنبات قواف مجازة، تزيد التنغيم تنغيما، وتنطلق كزفرات يطلقها الشاعر للتنفيس عن ضغط يحتدم داخله، مستفيدا من المدود الصوتيه (الموائع)، مد الألف خصوصا، وما تسمح به من إطلاق طويل للنفس يصاحب كل أمر جلل، وما أجل من ذروة التمنع في ذروة التيم،  هي حالة شدة واشتداد، تجد تفسيرها في توظيف صوت الكاف، المهموس اللين، الذي يعكس لين جانب الشاعر وانصياعه "أضم هداياك شوقا كأم ** تقلب طفلا بغير حراك / وما إن تبدى خيالُك حتى ** توارت جيوشي وراء لواك"، وهذا الكاف جاء مكسورا، ليصور انكسار الشاعر تصويرا فنيا، تعانقت فيه الدلالة بالصورة بالإيقاع في قوله: "كموج تكسر ملء ثغاب ** فظل يعافه زجر مداك" وقوله "وقد كنت دنياي يوما، تهاوت ** علي حطاما بغير سماك" وهل يملك الصب أمام متمنع صلد غير الهمس والانكسار! 
فإذا كان الشاعر عند اليونان صانع أصوات، بمعنى القادر على تطويع الأصوات لأسر الأسماع وسحر القلوب وخلب الألباب، فإن محمد شنوف في هذه القصيدة، صاغ معزوفة تقدم للأذن رشوة الإيقاع الذي انماز بالرونق والحلاوة والطلاوة، قبل أن يخلب لبه بدلالات الحب، حب الشعراء، الذي يتحين في مقولة الغزل.. فيجري في عروقه الشعر والحب..
 ويتمثله صورا وخيالات، بما اغتنت به القصيدة من تضافر بين الصوت والصورة، ليقدم لنا بالصوت والصورة تمثيلا له، فإذا كان الشعر تفكير بالصور كما عند الشكلانيين (إخنباوم) فإن كل بيت في هذه القصيدة -إضافة إلى صواتته- ينمو ويترعرع في حضن صورة شعرية جزئية، غير عاقة للصورة المولدة، التي هي صورة الماء (بكل ماتسرب معه من دلالات نتيجة التجربة الانسانية، وتنوع السيرورات التي اندرج فيها (سعيد بنكراد)) بما هي النسق المولد لكثير من التداعيات التصويرية (التمرئي: كنهر تمثل نجم سماك/ التضارب: على صخر شاطئ ذكراك أثوي** فأندب، أسلو، وأضحك باك/ الانكسار: كموج تكسر ملء ثغاب../ الحيرة: كأني نبي يناديه سر ** كأني كليمكطور سناك/ الابتهال: وطيفك فوقي غمام ضنين ** يعلل مجدب روحي بماك/ الانصياع: وإني ببحر هواك غريق ** وقد خانني السبح، حسبي يداك/ الفرار: وأشهد ليل النوى كم تخلى ** علي مشيرا بشق عصاك/ الرجاء: أصفت،خرفت، فهل من شتاك/ المواجهة: فألقيت فيهم خطاب زياد) ثم تبلغ الصورة/البؤرة مداها الدلالي، كنتيجة منطقية لمقدمة عندما يقر الشاعر بأن المحبوبة كالماء تحيي وتميت "إليك انتهى الأمر إن شئت أحيى** وإن شىت أردى بمحض رضاك" 
ذلك أن النص عموما جماع أنساق (عبد الله الغذامي)، والشعر على وجه الخصوص يلتئم فيه النظم لفظا وتركيبا بالإيقاع بالصورة.. ذلك ما تمثلته قصيدة "إليك انتهى الأمر" ومثلته من تشاكل للفظ والمعنى والوزن وتماسك الشكل مع المحتوى، والتحام الطريقة بالحقيقة، في مقطوعة ترقى لأن تعلق مع المعلقات، نظرا لسلامتها من العيوب وشدة اقتفائها معايير شعرية العمود معنى ومبنى.. دونما الحد من حرية التعبير عن المواجيد وتحيينها في صور تلتزم شكلا بمعايير التصوير التقليدي (الحسي، الذي لا ينتقض.. ويخضع لمبدأي المقاربة.. والمناسبة..)، وتتنفس روح التجديد محتوى وتعبيرا.. (استثمار الماء كسيميوز) وتهذيب وتشذيب جموحه الدلالي وفورانه المعنوي بما يلائم المقصدية ويوائم المقام.
محصول القراءة:
إن للشاعر محمد شنوف تمكنا من العروض دقيق، ينعكس حلاوة وطلاوة في الإيقاع، ويدرك بوضوح عند الأداء -نبرا وتنغيما وتطريزا- عندما تصدح به حنجىته.. ولعل من معايير الإجادة النظم، بمعناه الجرجاني ومعناه العام وهو ما حاولنا الكشف عنه في هذه القصائد، إلا أن الشاعر الزرياب، مهما حاول التبدي برداء عبيدة بن الأبرص فإن فيه كثيرا من بدر شاكر السياب..
اختتام:
تتعالى في العالم العربي أصوات شعرية، ترقى مرقى الطبقة الأولى، وتستحق الاعتراف بها نقديا، بعدما فرضت نفسها شعريا، ولئن كان الحديث عن جغرافيا شعرية عربية فلا يمكن الحديث عنها في انفصال عن منطقة المغرب العربي، وعن المغرب.. وضمن هذه الجغرافيا، لا يمكن الحديث عن تضاريسها الإبداعية والفنية والثقافية، دون استحضار قمم الشعر الشماء، بالوطن العربي الكبير، وفسح المجال أمامها، ومن هذه القمم، مغربيا الشاعر محمد شنوف زرياب مكناس، الذي يعمد القصيدة العمودية بماء الحب، ويستعيد رونق ونضارة وروعة الغزليات العربية الخالدة..
 
ينظر ياكبسون، القينة المهيمنة، في نظرية المنهج الشكلي، ص81.
  -  سعيد بنكراد، السرد الروائي وتجربة المعنى، المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى، 2008، ص 8.
-   محمد علي رزق الخفاجي، علم الفصاحة العربية، دار المعارف، مصر 1979 ص 3436.
 
كاتب وباحث في تحليل الخطاب/ المغرب

في ثقافات