GMT 6:14 2018 الأربعاء 16 مايو GMT 6:16 2018 الأربعاء 16 مايو :آخر تحديث

حسين عبدالرحيم: تراب ساخن

إيلاف

 

عندما توقف القطار بسيدي جابر شعرت بغربة ما، غربة لم تحدث لي من قبل في مدينة العالم غربة تسكنك لأول وهلة فاتندهش وانت الهارب من عاصمة الغبار والبلادة إلى هوى سكندريتي التي ترحب بكل الغرباء
نزلت على الرصيف وحدي بعيدا عن اي راكب ما فاستطلعت الارصفة والوجوه وكراس خالية وبنت وحيدة كانت قد مرت من امام قعدتي وانا في انتظارالديزل على رصيف الباب الحديد، في الثانية. كانت نحيلة وتمشي بترنح غير مفتعل تمسك آشعة سوداء محجوبة في مظروف ابيض غير نظيف تنظر للسماء بعشق ووله فاتخفض من رأسها ، تنكسها لأسفل لا تنظر أحد ،غير مكترثة إلا بتلك اللملمة لملابسها المتسخة. لايهم ، رغم انه هو الاهم ولكنه لايهم: ( قلت لنفسي وانا أفكر في تلك الحالة التي انتابتني فاتسمرت قدماي على رصيف سيدي جابر وفي ثوان كنت قد تركت الرصيف مدققا في الوجوه التي نظرتني في تعجب ودهشة وانا اقفز مرة اخرى للقطار، قاصدا باب النزول الايمن جهة الفراغات والهوى، هواء مابعد العصاري يضربني في عظام صدري وأنفاسي ووجهي، ينعشني ، اترك مقعدي امسك بضلفة الباب اخرج بجسدي خارج القطار، اتامل زمنا آخر بروية ، اتذكر الكاتب الكبير الضارب في الزمان بأشجار السرو المهيبة فايزيد تطلعي للعمارات المغلقة النوافذ قبل محطة مصر اعب الهواء ويعتصرني الحنين ، انسى بيتي وزواجي وزوجتى ، أسري ، سجن العمر، احزن للحظة فيما أفكر في وليداي ، انسى ، اتعلق بيدا واحدة في باب القطار الذي طال زعيق سرينته فازاد من نشوتي وانفتحت اساريري وانفرجت وبت أحلق في أزمنة اخرى . ابوابا اخرى للدنى، أطل بشموخ للسماء بلارهبة بلاغربة بلا خوف ، لا ينقصني إلا خلع كل ملابسي والوقوف على باب القطار .عاريا من كل شيىء ، محلقا في سماوات الله المفتوحة بزرقة ابدية لا متناهية . حتى حقيبتي أفكر في رميها على هذا الرصيف المكسو ببقع الزيت التي تلتمع قبل تلك البناية العتيقة التي تعود لزمن الخمسينيات . ورجلا كان يعرف أسماء البلاد ؟!
، في الزمن الآخر رايت نفسي هناك ...، احلق في النبي دانيال حتى كوم الدكة والشاطبي ، اقفز في اللنش وحدي ، أعوم واغوص بلا خوف بلا حاضر، يتمدد بصري جهة قايتباي انسى الموتى ، رفقائي في رحلة قطار الليل الميري المتجه إلى آخر الزمان ؟!!
بلا طائل إلا رائحة الغدر وسيرة الجن وتلك الفتيات الشقراوات التي تنادي الجنود ليلا قبل مخزن السلاحليك في الكنج مريوط ، وتلك الارانب البيضاء التي تري قبل الفجر فوق الرمال البعيدة فايتبعها عبدالله السويسي ويقبض عليها قبل الفجر فاتنفرط حجارة جيرية من بين يديه وهو شبه ممسوس يتطلع ناظرا لتلك الخيالات التي تمر ناحية ك 3 س1 وقد تشبهوا بجنود يحملن اكفان شهداء وهم ليسوا بشهداء ولا جنود ، إلا اشباه خيال مآتة نناديهم بعد الثالثة فجرا فلا مجيب إلا عناد الريح وهسهسات وصد ى أصوات لصهيل خيول فوق الرمال ،والغراب وذكريات مدونة على فروع شجر عتيق، أيام العذاب والزحف على التراب فاأراني صبيا في التاسعة عشر يقفز وحده ومن خلفه جنود الشرطة العسكرية في المنشية فاصفية زغلول فامحطة الرمل جريا قبل سيسل بضحكة تجلجل بسخرية فايضحك المارون قبل الكورنيش وقت الغروب ويجتر بقايا من سيرة الصول عبد الله القادم إلى الكنج في تكديره ، وتوددي للكلب سوده في مركز التدريب وإطعامي إياه باللحم الذي انفر منه ويشاطرني بقية عساكر الطلبة وتمسيدي لكتفه وظهره وقتما نظرني بخبث ومكر اعقبها بتحديقه الفاهم ليركض خلف عبدالله وهو يتغوط في الرمال قرب الميز ليجري وقد ترك بنطاله الميري شبه عاري يتقافز صارخا على تراب الكنج الساخن
 
القاهرة

في ثقافات