GMT 9:19 2018 الخميس 24 مايو GMT 10:09 2018 الجمعة 25 مايو :آخر تحديث

علم النفس التحليلي

هايل شرف الدين
بقلم هايل شرف الدين*
كل تعليم سيكولوجي من عمل إنسانٍ واحدٍ مصبوغٌ بذاتيته بالضرورة!
بتلك العين كان كارل يونغ ينظر إلى نظرية الجنسية لسيغموند فرويد ونظرية القوة المرتكزة على العجز لألفرد أدلر، ليغادر بعد ذلك مدرسة التحليل النفسي ويبني لنفسه علماً جديداً هو علم النفس التحليلي، والذي شكّلت فكرتا الأنماط البدئية واللاوعي الجمعي العمود الفقري فيه.
صعود الشمس في السماء كل يوم، على ما احتجزته من حالةٍ انفعاليةٍ لدى الإنسان القديم، جعله رمزاً أولياً مقدَّساً في جميع الأديان والحضارات المتعاقبة. وكذلك نرى أن تغطيس الشيء في الماء وإخراجه منه (طقس المعمودية والتطهير) له حضور مقدَّس في كامل الإرث الإنساني بكل ما فيه من فنون وعبادات. وبالتالي فإنَّ النمط يلعب دور المفتاح لبوابات المخيِّلة البشرية في كل زمان ومكان.
لدينا هذان الرمزان المؤنَّثان وهما الأرض والحصان: الأرض ترمز إلى المرأة، والحصان يرمز إلى الأم.
فلَّاح بسيط في عصرنا الحاضر يصف عملية حراثته لأرضه بأنها نبشٌ للأحشاء، أي أنَّ الأرض في معنى آخر كانت في مخيِّلته تمثِّل امرأةً! وبالمقابل ولَّادة بنت المستكفي التي عاشت في فترة ما بعد سقوط الدولة العباسية تقول لحبيبها ابن زيدون الشاعر الشهير: "تريدني أرضاً تحرثها متى تشاء"! وهي بذلك تُشبِّه جسدها بالأرض وعملية الإخصاب بالحراثة (وللتوضيح فإن المحراث هو رمز قضيبيّ ويعتبر من أهمّ رموز الأحلام للعقل الباطني والتداعي الحرّ).
أخيل البطل الأسطوري في الإلياذة اليونانية يخرج من بطن حصان طروادة مع فرقة من الجنود. فلماذا كانت خدعة ديسيوس العسكرية على شكل حصان؟ لماذا لم تكن ثورة طروادة سوى أن الرمز العميق، أي الأمّ، هو من مارس جذبه إن صح القول وقاده إلى هذا التصوُّر؟
طبعاً بالإمكان استعراض عدد لا ينتهي من الأمثلة التي تؤيّد وجود مناخ مشترك يسافر عبر الأجيال ويحتل المكان الأسمى في الخيال الإنساني ولا يعترف بزمن أو مستوى ثقافي أو موهبة. وهذا ما عناه يونغ بالضبط باللاوعي الجمعي، والذي تمثّل فيه الأنماط الألية مجموعة الألوان الأساسية التي لا بدَّ لمخيِّلتنا من استعمالها في كل لوحة تقوم برسمها وإبداعها.
لا أحد منَّا قرأ التاريخ ولم تستوقفه غرابة ما قام به الشاعر ديك الجن الحمصي عندما أقدم على قتل حبيبته وإحراقها وشرب رماد رفاتها لشدَّة ما أحبّها وذاب في عشقها وحرص على التصاقه بها إلى الأبد! وهذا يمسح الغبار عن أهم أنماط يونغ وهو وحدة الثنائي والذوبان في الجسد الآخر. حتى أن أشنع وأفظع الجرائم التي ارتكبها أناس مختلّون عبر التاريخ لها رمزيات فنّية في محتواها تكاد تكون مذهلة!
والمتابعة في النسج على ذات المنوال تقودنا للتشكُّك والتساؤل، وتقود أيضاً إلى التنقيب عن رمزيات كل ما أنتجته المخيِّلة البشرية على مرّ الزمن.
لنسأل أنفسنا مثلاً: من أين جاء العقل البشري بأسطورة جنّية البحر؟
كائنٌ خرافيٌّ نصفه الأعلى نصف امرأة فاتنة ونصفه الأسفل ذيل سمكة لا يعني لنا إلا شيئاً واحداً: فتاة بدون أعضاء تناسلية؛ أي فتاة لا يمكن جماعها... أفلاطونية وعذراء طاهرة إلى نهاية الحياة!
وإذا تابعنا على هذا المنوال وأطلقنا العنان لخيالنا فقد نجد ما هو اكثر من ذلك: ذنب السمكة ليس اعتباطياً وإلا لكانت نصف امرأة ونصف أيل كأسماء الأنبياء القدامى، لأن السمك يتكاثر بطريقة خارجية دون اتصال؛ أي دون دنس! وهاهنا ندور مجدَّداً في فلك فكرة العذراء!
إنَّ حورية البحر إعادة تمثيل للنمط الأساسي (الأم). فهي نكاح محرم، وهي حب الطفل الأول لأمّه بدون طموح.
إنَّ الإرث الإنساني متشابه من حيث الرمز والنمط بكل ما فيه من فنون وآداب وعبادات وفكر وعلوم ومعرفة.
وعلى صعيد متَّصل، نرى بأن يونغ قد وسَّع مفهومَي الذكورة والأنوثة وأخرجهما من إطارهما الضيّق البيولوجي وجعلهما يشتملان على الطاقة والسلوك والشكل. فعلى سبيل المثال كل ما هو ظاهر ثاقب نافذ هو ذكوري، وكل ما هو منكمش منبجس داخلي هو أنثوي.
كل ما هو علوي سماوي مذكَّر، وكل ما هو أرضي سفلي مؤنَّث. لذلك جعل الإنسانُ كلَّ مقدَّساته تهبط من الأعلى وتسكن في الأعلى وتعيش في الأعلى.
(*) باحث سوري في مجال علم النفس، له كتاب بعنوان "الخروج إلى الوعي" (قيد الصدور).

في ثقافات