GMT 4:00 2018 السبت 23 يونيو GMT 4:22 2018 السبت 23 يونيو :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

المعادن النادرة... مشروع حرب جديدة

ميسون أبو الحب

عندما طالبت الصين جارتها اليابان بالإفراج عن قارب احتجزته وطاقمه رفضت طوكيو فعلقت الصين تصدير المعادن النادرة إلى اليابان عقابًا لها، ما اضطر الأخيرة إلى التراجع عن قرارها خوفًا من نتائج اقتصادية مدمرة.

إيلاف: تذكر الأنباء أن البحرية اليابانية أوقفت في السابع من سبتمبر من 2010 قارب صيد صينيًا كان يحوم حول جزر سينكاكو المتنازع عليها بين البلدين واحتجزت طاقمه.

وطبعًا طالبت الصين بالإفراج عن القارب والمحتجزين، فرفضت اليابان. وحسب صحيفة "نيويورك تايمز" أوعزت الحكومة الصينية لمؤسساتها المعنية بتعليق تصدير المعادن النادرة إلى اليابان عقابًا لها، وهو ما اضطر الأخيرة إلى التراجع عن قرارها والانصياع لرغبة بكين، خوفًا من نتائج سلبية تؤثر على عمل شركاتها المهمة، مثل سوني وتوشيبا وتويوتا.

لكن ما هي هذه المعادن النادرة؟، ولماذا هي مهمة؟، وماذا تعني بالنسبة إلى الاقتصاد والسياسة والمال؟. هذه هي الأسئلة التي حاول الكاتب الفرنسي غيوم بيترون الإجابة عنها في كتابه "حرب المعادن النادرة: الوجه المخفي للإنتقال الطاقي والرقمي".

حرب خفية
أمضى الكاتب، الذي يعمل صحافيًا لناشونال جيوغرافيك ست سنوات، في البحث والتقصي ودراسة النتائج البيئية والجيوسياسية لاستخراج هذه المعادن النادرة، ثم أصدر كتابه الذي يحذر فيه من حرب تدور في الخفاء بسبب هذه المعادن التي يربو عددها على الثلاثين، وهي المهمة جدًا لإنتاج الطاقات البديلة، مثل الهوائية والشمسية ولإنتاج الأجهزة الدقيقة والرقمية الحديثة، مثل الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية والبطاريات القابلة لإعادة التعبئة وحتى الألياف البصرية.

فبدونها لن تكون الهواتف المحمولة صغيرة الحجم، بل بحجم الطابوقة، ولن يكون فيها شاشة تعمل باللمس. ومن دون هذه المعادن أيضًا لا يمكن تسيير قطار بسرعة 500 كم في الساعة، ما يعني أن مستقبل التطور في الكرة الأرضيّة يعتمد عليها، ولذلك يرتفع إنتاجها أكثر فأكثر لسد حاجة السوق العالمية.

ما هي؟
تضم لائحة الاتحاد الأوروبي 27 معدنًا، منها الفوسفور والكوبالت والهيليوم والبلاتين والأنديوم والإيريديوم ...الخ، وهي موجودة في الطبيعة بكميات ضئيلة مخزونة في طبقات داخلية، بحيث لا يمكن استخراجها إلا بعد إزاحة آلاف الأطنان من الأتربة والصخور. وعادة ما تكون مختلطة مع معادن أخرى، ما يعني أن عمليات فصلها وتنقيتها تحتاج جهودًا وكميات كبيرة من الطاقة.

لهذه المعادن خواص كيميائية متميزة، ويسمّيها البعض نفط القرن الحادي والعشرين، وأهم الدول المنتجة لعدد كبير منها هي الصين التي سيطر على ما يقارب ثلاثة أرباع إنتاجها العالمي.

وكان رئيس الصين دينغ شياو بينغ، الذي شغل منصبه بين 1978 و1992، قد قال في أحد الأيام: "الشرق الأوسط لديه النفط ولدى الصين الأتربة النادرة".

لكن هذه المعادن موجودة في دول أخرى أيضًا، مثل الليثيوم في بوليفيا، والأرجنتين والنحاس في تشيلي، والكوبالت في الكونغو.
وتمثل أندونيسيا قوة معدنية كبرى، بفضل توفر القصدير بكميات كبيرة فيها. لكن كل هذه الدول لا تريد العودة إلى فترة الاستعمار حيث تنتج هي المواد الأولية، وتوفرها للغرب بأسعار بخسة، فيحوّلها الأخير إلى منتجات حديثة يبيعها لها أغلى من سعر موادها الأصلية بعشر مرات.

مع ذلك تراجعت أندونيسيا عن قرار اتخذته في عام 2015 بوقف تصدير معادنها النادرة بعد عامين فقط، لأنها لا تملك أساسًا تكنولوجيا كافية.

يذكر أن الولايات المتحدة كانت هي الرائدة في استخراج هذه المعادن تاريخيًا، ولكن الوعي البيئي الذي انتشر في ثمانينات القرن الماضي دفع الغربيين بشكل عام إلى وقف أعمال التنقيب والحفر في أراضيهم، وفضلوا أن تجري هذه العمليات في أماكن خارج حدودهم، لا سيما أنها تعتبر من الأعمال القذرة والمكلفة جدًا على صعيد الطاقة.

وكان هذا التوجه هو ما جعل الصينيين يتسلمون زمام الأمور سعيًا وراء تحقيق نمو سريع، فأصبحوا ينتجون على مدى أكثر من عقدين معادن من مختلف الأنواع، ويغرقون السوق الغربية بها وبأسعار معقولة. وبهذا راح الغرب يطور التكنولوجيا، فيما تحقق الصين أرباحًا مالية كبيرة.

لكن الصين سرعان ما أدركت أهمية المعادن التي تستخرجها على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي وحتى الدبلوماسي، فتغيرت الأمور مع بدء الألفية الثالثة عندما قررت إغلاق الصنبور تقريبًا، والاستفادة من ثرواتها المعدنية لتطوير إنتاجها التكنولوجي الخاص وسد الطلب الداخلي. منذ ذلك الوقت يدور صراع منع النوم عن منظمة التجارة العالمية، فيما نجحت الصين في تطوير صناعاتها الدقيقة وإنتاجها الرقمي.

النتائج البيئية
من المعروف أن إنتاج هذه المعادن يلوث البيئة المحيطة بمواد سامة، ما يعني أن القول إن الطاقة المتجددة طاقة خضراء صديقة للبيئة غير صحيح.

يشير الكاتب مثلًا إلى أن السيارة الكهربائية، التي يقول صانعوها إنها لا تنتج أي كمية من ثاني أوكسيد الكربون، إنما تنتج كمية من هذا الكربون تعادل ما تنتجه سيارة تعمل بوقود الديزل. هناك أيضًا الرقميات والتطور التكنولوجي، حيث ينبّه الكاتب إلى أن كل حساب بريد إلكتروني يعتمد في الحقيقة على آلاف الكيلومترات من الكابلات النحاسية، إضافة إلى مراكز الخزن.

ويتوقع الكاتب تصاعد صراعات اقتصادية وجيوسياسية بين الدول المنتجة لهذه المعادن، وعلى رأسها الصين ودول الغرب التي تعتمد عليها في كل صناعاتها تقريبًا.

يشير إلى أن استهلاك هذه المعادن لا يمثل حاليًا غير 17 غرامًا لكل فرد في العالم، ولكن إذا تم فرض السيارات الكهربائية في عام 2040 كما هو معلن، فستحتاج البشرية استخراج ما يعادل ما تم استخراجه من هذه المعادن على مدى سبعين ألف عام مضت.

وعلى أية حال البحث عن هذه المعادن يكلف البيئة الكثير، ويكلف الغرب الكثير أيضًا، ولذلك ظهر توجه إلى استغلال قعر المحيطات ثم المذنبات والنيازك، حيث فتح الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما المجال للأميركيين في عام 2015 لامتلاك نيازك بحثًا عن معادن نادرة، وهو ما يخالف مبدأ كون الفضاء ملك للبشرية جمعاء.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "ليبراسيون". المادة الأصل منشورة على الرابط أدناه
http://www.liberation.fr/planete/2018/02/01/metaux-rares-un-vehicule-electrique-genere-presque-autant-de-carbone-qu-un-diesel_1625375


في ثقافات