GMT 16:06 2018 الإثنين 25 يونيو GMT 13:14 2018 الإثنين 25 يونيو :آخر تحديث

ندوة في مدينة المنستير التونسية عن موائد الأكل والشراب في الأدب

حسونة المصباحي
في مطلع شهر مايو-أيار من هذا العام ، انتظمت في "قصر العلوم" بمدينة المنستير التونسية الندوة الفكرية السنوية التي يشرف عليها الدكتور الحبيب صالحه ،أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة منوبة بالعاصمة. وكان موضوعها لهذه الدورة حول الأكل والشراب عند مختلف الشعوب. وقد شارك في الندوة التي استمرت ثلاثة ايام تخللتها زيارة الى بلدة لمطة المشهورة بمهرجان" البسيسة(أكلة تونسية مشهورة من الشعير أو القمح تؤكل مخلوطة بزيت الزيتون والعسل،وهي طعام الفقراء) أ كاديميون باحثون من تونس،ومن المغرب، من فرنسا،ومن ايطاليا...
ومعلوم أن الكتب القديمة في جميع آداب الأمم تحفل بوصفات لمختلف أنواع الشراب وأطباق الأكل على موائد الملوك والأمراء والمحاربين،وأيضا على موائد الفقراء وبسطاء الناس. ففي محاورة أفلاطون التي حملت عنوان "المائدةّ"،أو "المأدبة" ، والتي تعود إلى سنة 380 قبل الميلاد، يجتمع فلاسفة اليونان حول مائدة حفلت بمختلف أنواع الأكل والشراب ليتحاورا حول الحب والموت والجمال ومواضيع أخرى تتصل بالفلسفة والحياة في تنوع تجلياتها. ولم يختلف الرومان عن اليونانيين في اهتمامهم في شعرهم كما في نثرهم بكل ما يتصل بالأكل والشراب. وهذا ما تعكسه ّسير بلوتارخ" ، والعديد من الكتب الأخرى مثل "الحمار الذهبي" لأبوليوس الإفريقي. وفي القرن السادس عشر، اختار الكاتب الفرنسي رايليه أن يكون بطل روايته غارغانتيا أكولا بحيث أنه كان قادرا على التهام 6 دجاجات ونصف خروف في وجبة واحدة،مضيفا إلى ذلك نصف برميل من الشراب … ومن خلال رائعة سارفانتس"، نحن نتعرف على مختلف أنواع الشراب وأطباق الأكل التي كانت شائعة في شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن السادس عشر. وتحفل قصائد الشاعر الفرنسي رونسار(1524-1585) بمديح غنائي بديع لموائد الأكل والشراب، موحيا أنها تساعد الشاعر على التحليق بعيدا عن كل ما هو سخيف، وتافه، وحقير في عالم البشر.
ولم يغفل كبار الأدباء والشعراء العرب عن الإهتمام بالأكل والشراب. وهذا ما نقف عليه في كتب الجاحظ، وفي "الإمتاع المؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، وفي أشعار ابن الرومي، وأبي نواس، وفي "الأغاني" لأبي فرج الإصفهاني، وفي "قطب السرور" للرقيق القيرواني الذي احتوى بحسب محققته الدكتورة سارة البربوشي بن يحي على" وصف دقيق لمجالس الخلفاء الأمويين والعباسيين،والأمراء والظرفاء " ليكون بحسب رأيها"مرآة عاكسة لما كانت عليه الحياة الإجتماعية في القرون الأربعة للإسلام ،وسجلّ ضخم للحضارة وصورها مثلما هو للأدب وفنونه ،وهو للمتعة وأفانينها مثلما للدقة وأساليبها".
وهناك كتب لمؤلفين عرب خصصت لوصف أطباق الأكل، وكيفية اعداها، ومنافعها الصحية، ومضراها أيضا. كما تحتوي على وصف لآداب المائدة، ولطرق تنظيف اليدين، وتخليل الأسنان، وعلى نصائح لما يمكن أن نقوم به من حركات رياضية لتجنب المضار التي تسببها الأطباق الدسمة.
ويتعبر "كتاب الطبيخ" لابن سيّار الوراق الذي يعود إلى سنة 940 ميلادية. وهو يتضمن وصفات متنوعة عن الشراب والطعام والحلوى .كما يتضمن وصفات لأطعمة المرضى وصوم النصارى. وفي خاتمة هذا الكتاب الذي ألفه صاحبه بطلب ملح من رئيس الدولة الحمداني ليكون مرجعا من خلاله نتعرف عهلى موائد الخلفاء والقادة والأمراء في العصر العباسي، عرض لمفهوم الصحة الذي كان سائدا في ذلك العصر، والذي يعتمد على صيغة غالينوس اليوناني،ونظريته عن الأركان الأربعة للكون: الماء والنار والتراب والهواء الموجودة في الطبيعة بدرحجات متفاوتة.
وقبل سقوط بغداد ب33 سنة، وتحديدا في عام 1226، ظهر"كتاب الطبيخ" للبغدادي .وهو يحتوي على وصفات لأطعمة كانت مشهورة في العهد العباسي،وعلى بيانات دقيقة حول كيفية اعدادها وطبخها.ولا يزال هذا الكتاب مرجعا أساسيا لكتب الطبيخ العربي المندثرة...
وخلال الندوة المذكورة، تحدث المشاركون عن متع موائد الأكل والشراب في المجتمعات القديمة والحديثة،مشيرين إلى أ ن هذه المتع غالبا ما تكون مصحوبة بمتعة الإستماع إلى الغناء والموسيقي كما هو الحال في التقاليد الأندلسية .وقد تكون مصحوبة أيضا بالرقص كما هو الحال في الاعراس. وخصص أحمد شبشوب مداخلته للحديث عن الآثار النفسية والإجتماعية للمجاعة في اللهجة الدارجة التونسية ،مبيّنا أن هذه اللغة تحاول من خلال تعابيرها وصورها الجميلة التقليل من شأن المجاعة، والإستخاف بها ،وتحديا لها .
وقدم د. أ حمد الطويلي قراءة دقيقة وطريفة لأغاني باعة الغلال في الأسواق الشعبية التونسية. وفي بداية مداخلته، أشار إلى أن كتب الأدب، والدواوين الشعرية بالفصحى والدارجة تتضمن نصوصا وأشعارا تصور أنواعا من الثمار والغلال المشهورة في البلاد التونسية، وخصوصياتها، ومنافعها، وألوانها وأشكالها،ومذاقاتها. ونحن نجد هذا في ديواني ابن رشيق وابن شرف،وفي مقامات السيوطي التي تتباهى فيها الثمار بمزاياها الجمالية، وبفوائدها الطبية. وأضاف د. أحمد الطويلي قائلا بإننا نجد في الأدب الشعبي التونسي الكثير من نداءات الباعة الغنائية التي يرددها الباعة تمجيدا للثمار والغلال عبر ألحان جميلة في الأسواق، وغيرها من الأماكن. وغالبا من تكون هذه الأغاني مختارة الألفاظ،مغرية الصوت، مسجوعة أو منظومة. وقد يتبارى الباعة في تمجيد الغلال والثمار التي يعرضونها ، وكل واحد منهم يسعى إلى أن يأتي بما يلفت الأنظار، و يطرب الأسماع. وهناك مثلا أغان عن المشمش الذي ينضج بسرعة في فصل الصيف، ويختفي بسرعة أيضا. ومعبرا عن ذلك، ينشد البائع:
يا عذاب القايلة(القيلولة) يا مشماش
يا اللي جيت وماشي علاش؟
 
وهو ما يذكر ببيت شعري لشاعر قديم فيه يقول:
وليعيال لا يريدون مني
فاكهة الصيف سوى المشمش
وفي الجنوب التونسي ،حيث تكثر واحات النخيل، تتعدد الإغاني التي تمدح مختلف أنواع التمور. مثل هذه:
يا طالع النخل خليك قرب رالسحاب عالي
هات معاك عراجين نملى بها الحمّالي

في ثقافات