GMT 13:20 2018 الجمعة 6 يوليو GMT 7:24 2018 الجمعة 6 يوليو :آخر تحديث

عن "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون

هايل شرف الدين
 
"عندما تؤمن بقضية ما إيماناً تُحدِّده العاطفة، فإن برهانك سيسير بطريقة معكوسة"، فأنت مستعد لاختراع شتَّى الحجج والدلائل المتاحة وغير المتاحة لكي تبرهن على صحة موقفك الذي قرَّرته مسبقاً قبل الخوض في أيّة معادلة. فالمسألة مسألة اصطفاف عاطفي. وهذه العقلية تمثِّل "روح" الفكر الجماهيري. 
الجماهير بطبيعتها عاطفية فهي تتحزّب لشخص وتثور لقضية وتؤمن بفكرة وتغضب لظلم، لكنها في الكثير من الأحيان لا تعقل. لذلك فإننا نلحظ في أي حراك عفويّ تفوّق العاطفة والانفعال على حساب العقلانية، أو لنقل تعويم الفكر اللامتمايز واللاشخصي على حساب الفكر المنطقي . فالجماهير وفي خضمّ هيجانها تُظهر مدى افتقار عقلها الكلّي لتشكيل رأي شخصيّ واحد، ما عدا تلك الآراء التي يتم الإيحاء بها من قبل الآخرين على شكل شعار. 
تحت عنوان "سيكولوجية الجماهير" للطبيب والمؤرخ الفرنسي "غوستاف لوبون" نقرأ كيف أن الفرد ومن خلال انخراطه ضمن جماعة معيّنة يُبدي سلوكيات تختلف عن تلك التي كان يُظهرها عندما كان بمفرده. فالفرد ضمن الجماعة قوي بقوتها، وصوته عالٍ يُطيع "ملهمه" طاعة عمياء وغير عقلانية، ويكون دافعه الانفعال، وهو في كثير من الأحيان متلقٍّ لا مبتكر يكرّر ما يقال له ضمن الخلية أو ما يراد منه قوله. 
والانتماء إلى الجماعة ليس مرتبطاً بالضرورة بجغرافية معينة أو بمكان واحد، ومثال ذلك جماهير كرة القدم التي تشجّع فريقاً لا تنتمي إليه أو نادياً كروياً لم تزره في حياتها. 
كذلك نرى بأن النفسية العامة لجماعةٍ ما لا تكون محصلة أو نتاج مجموع نفسية الفرد الواحد. 
من خلال وجهة نظر أخصائيين في مجال "علم نفس الأعماق"، نرى كيف أن الفرد عندما ينضم لتكتُّلٍ ما أو يحتمي بجماعة معينة يقوم بتعويض غياب الدور الأبويّ في مرحلة الطفولة، سواء أكان هذا الغياب شخصيّاً أو كان غياباً على المستوى المعنوي والإرشادي. فسقف الجماعة هو سقف الأب، وأسوارها المنيعة هي البديل الرمزي عن رعايته وحمايته المفقودة. 
يتناول الكتاب موضوع علم النفس بطريقة تحليلية لكن من خلال منظور اجتماعي. فهو لا يقتصر في دراسته على سلوكيات الفرد ونموّه ومشكلاته ورغباته فحسب كـ"علم التحليل النفسي"، بل يعنيه ما مدى انخراط هذا الفرد واندماجه في المجتمع لذلك سُمِّيَ بـ"علم النفس الاجتماعي". 
تُعتبر أفكار سيغموند فرويد حجرَ الزاوية لعلم النفس الاجتماعي على الرغم من أن فرويد في بداياته اهتمَّ بتحليل شخصية الفرد لا الجماعة و لم يكترث في ما بعد لفكرة يونغ حول (اللاوعي الجماعي) والتي اقتفى أثرها بعد يونغ غوستاف لوبون. إلا أن فرويد في أواخر حياته قام بتدارك الأمر بعض الشيء من خلال عدد من المؤلفات مثل كتاب "مستقبل الوهم". ولا يمكن أن ننسى بأن فرويد هو أول من أشار إلى حجم التشابه الكبير ما بين الطقوس الشعائرية وبين الممارسات الهوسية للمرضى من حيث المناخ السلوكي المشترك وهو أيضاً من أكّد على واجب التنبُّه لأهمية أوهام "الفكر السحري" والعقيدة اللاعقلانية وتأثيرها الكبير على العقل البشري. 
أما في ما يخصُّ حاجة الجماهير إلى تأليه شخص ما  أو إلى اختراع أسطورة القائد فقد رأى لوبون أن معرفة فنّ التأثير على مخيّلة الجماهير تعني معرفتنا التامّة لفن حكمها! وبمعنى آخر فإن نفسية الجماهير التي تشكّل المصدر الأساسي لرجل الدولة في عملية حكمه والتي هي إلى حد كبير غير متأثرة أو معنية بالقوانين والمؤسسات لشرط طبيعتها الغرائزية والمبنية بالأصل على العواطف والتحزّب تمنح "الملهم" فرصة العزف على أوتارها الحسَّاسة تاركةً له المساحات الشاسعة لملئها من خلال استخدامه شعاراتٍ تستقطبها، وبالتالي تستحوذ على مصيرها وقرارها.  ناهيك عن محاولات التعويض من قبل الجماهير للأسى والإخفاق الذي عاشوه فحاولوا تحويله إلى  شخص آخر لا تجتمع فيه الصفات التي يطلقونها عليه لكنهم بحاجة لأن يروه عظيماً  فـ"كل ما هو خارج عن سلطة الأنا في أعماقنا، يتم تحويله وإسقاطه على الآخرين".
 
باحث سوري في مجال علم النفس.
 

في ثقافات