GMT 7:15 2017 الجمعة 11 أغسطس GMT 12:03 2017 الجمعة 11 أغسطس :آخر تحديث
ثراء سريع أم إفلاس أسرع؟

إيلاف تفضح "الخيارات الثنائية"

نهاد إسماعيل

نقرة سريعة على أداة غوغل البحثية للخيارات الثنائية تكشف عن وجود 21 مليون نتيجة خلال 43 ثانية باللغة الانجليزية مقابل 481 ألف نتيجة باللغة العربية، ما يدل على الانتشار الواسع لهذا النشاط المالي الذي يتم على الانترنت فحسب.

نهاد اسماعيل من لندن: عند سماع مصطلح "خيارات ثنائية" أو Binary Options، يعتقد كثيرون أن هذا مجال استثماري مالي معقد ومفتوح لذوي المعرفة والمستوى العالي من العلم والثقافة والمهارة المالية فحسب. لا أناقش هنا هل التعامل في الخيارات الثنائية وتداولها حلال أو حرام واترك ذلك لخبراء الفتاوى، بل ما يهمنا طبيعة هذا النشاط الذي يستند الى التكهنات والتوقعات والتنبؤات والمقامرة بهدف جمع المال وتحقيق مكاسب مالية كبيرة. التداول يتم اونلاين فحسب، أي على أثير الانترنت.

الحقيقة أن هذا النوع من النشاط المالي مفتوح للجميع وتستهدف الإعلانات الترويجية على الانترنت الأفراد، بغض النظر عن المعرفة والخبرة. ويفضل السماسرة أو الوسطاء الزبون البسيط والساذج الذي يشعر نفسيًا انه يدخل مجالًا من الاستثمار مخصصاً لنخبة من الأشخاص المهمين. ويشعر أن الالتحاق بهذه المجموعة سيزيد من أهميته.

تجارة.. استثمار أم احتيال؟

تروي صحيفة ديلي ميرور البريطانية (26 يناير 2017) قصة فريد تيربايد (61 عامًا) الذي دخل مرآب السيارة في منزله وهو بحالة من اليأس وبيده مسدس، واطلق النار على صدره ومات حالًا، لكنه ترك ملحوظة كتبها قبل انتحاره تقول: "فقدت منزلي وأموال تقاعدي، وشغلي الحر، لعنكم الله". السيد تيربايد من مقاطعة ألبرتا في كندا وأب لأربعة أولاد انتحر بعد أن فقد 250 ألف دولار، وكل ما يملك لمحتالين يتعاملون بما يسمى "الخيارات الثنائية"، ويعملون من مكاتب في تل ابيب.

انتقدت صحيفة "تايمز أوف اسرائيل" السلطات على التغاضي عن مئات من الشركات الوهمية (النصابين) التي تعمل في هذا المجال، وهو تشليح الناس أموالهم من خلال نصب افخاخ مغرية ماليًا ووعود كاذبة بمردود مالي هائل. ومن يريد جمع مبالغ مالية كبيرة بفترة قصيرة من دون جهد كبير وعناء يقع ضحية لهذا النوع من الاحتيال. وتتواجد هذه الشركات الحقيقية منها والوهمية في بريطانيا وكندا وأستراليا وإسرائيل ومعظم عواصم العالم.

بحسب "اندبندنت"، وافقت السبعينية اليزابيث أبليت على الانخراط في مجال "الخيارات الثنائية"، واستثمرت مبدئيًا 200 جنيه استرليني اي 260 دولارًا، وكانت تأمل في أن تكسب بعض المال لدعم معاش التقاعد المتواضع. لكن الشخص الذي يصف نفسه السمسار أو الوسيط والمفترض أن يعمل لمصلحتها اقنعها باستثمار المزيد حتى في النهاية وخلال اسابيع دفعت حوالي 60 ألف دولار على أمل أن تسترد أضعاف هذا المبلغ بحسب الوعود البراقة والمبالغات من ثعالب "الخيارات الثنائية"، واكتشفت اليزابيث في ما بعد أن حسابها تراجع إلى الصفر واكتشفت أيضًا انها ضحية ولم تستطع استرداد سنت واحد.

لا يتقدمون بالشكوى

تقول شرطة مركز المال والأعمال في لندن إن هناك مئات الحالات من المصائب، لكنّ عددًا كبيرًا من الضحايا لا يتقدمون بالشكوى حتى لا يفضحوا أنفسهم، ويظهروا أمام أصدقائهم وأقربائهم ومعارفهم مغفلين وبسطاء وساذجين.

يقول موقع الاندبندنت الاخباري إن أغلبية ضحايا الاحتيال هم من المتقاعدين والمسنين. وهناك عدد كبير من مواقع لمنصات "الخيارات الثنائية" وعدد منها شرعي وقانوني، لكن منصات الاحتيال والغش ازدادت بشكل رهيب على ظهر المنصات الحقيقية المشروعة. تعمل مواقع تداول الخيارات الثنائية أونلاين، وتضع إعلانات لإغراء البسطاء وجذب المقامرين. وجرى بحث على الغوغل قبل عدة سنوات وكشف البحث تواجد 870 ألف موقع ترويجي لهذه المنصات لتشجيع الزبائن على القمار بوضع رهانات على ارتفاع أو انخفاض مؤشر اسهم أو أسعار سلع معينة كالذهب أو عملات مثل الدولار ومشتقات مالية أخرى بالضبط كمن يراهن على نتائج مباراة رياضية. وفي الأغلبية القصوى، من الحالات يخسر العميل ماله كله.

ما هي الخيارات الثنائية؟

إنها تعبير آخر للتداول والتكهن على ارتفاع اسعار الذهب أو سلع أخرى أو مؤشرات اسهم أو عملات أو انخفاضها. يمكن القول إن هذا نوع من العمل المالي القانوني والشرعي، لكنه يحتوي على عنصر كبير جدًا من الخطورة والمقامرة. يستند الى الرهان على تحركات الأصول في فترة مستقبلية. إذا تحركت الأصول بحسب التنبؤات، ستربح عمولة أو تخسر كل شيء. يراهن المتعامل أو الزبون على ارتفاع أو انخفاض أسعار سلعة كالذهب أو النفط أو الدولار أو أسهم شركة معينة خلال فترة محددة قد تكون عدة ايام أو حتى دقائق. واذا حدث ما راهن عليه، يحقق ربحًا. وتعتمد قيمة الربح على القواعد والشروط للموقع.

ربما يحقق المتمرسون وذوو الخبرة والمعرفة مكاسب كبيرة، لكن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة. ومن الاجحاف تسميتها باستثمار، فهي رهان أو مقامرة ونتيجتها ربح قليل أو كبير أو خسارة فادحة.

لا تصدق من يعدك أنك ستجمع مالًا كثيرًا وبسرعة. ولإغراء الناس، يروجون لقصص كيف ان انسانًا بسيطًا عاديًا راهن بمبلغ زهيد وربح مبالغ ضخمة، وهذه أكذوبة كبيرة. وفي العادة، يضعون أمام المستثمر أو المقامر خيارين: هل تصعد أسعار اليورو أو الدولار أو النفط أم تنخفض؟

"ترادوراكس"

ولأن هذا النوع من العمل من نوع المقامرة أو المراهنة، فلا تخضع المنصات العاملة في بريطانيا لرقابة هيئة السلوك المالي. تشرف هيئة الرقابة على شركات الاستثمار والادخار والتعامل بالأسهم والسندات بطريقة رسمية وبشفافية، ما يقلل احتمالات الاحتيال والخسارة الفادحة.

لكن عنصر الاحتيال يبقى في المرصاد. وقصة جيمس هيليس خير مثال. فهيليس بريطاني متقاعد قال لوسائل الإعلام أنه تلقى اتصالًا من شركة في فبراير 2016 لإغرائه والضغط عليه أن يستثمر بعض المال في هذا المجال. استثمر هيليس ما يعادل 90 ألف دولار في منصة خيارات ثنائية تدعى "ترادوراكس".

ظن جيمس أن دخله من التقاعد سيتحسن إذا استثمر في مغامرة جديدة وتم تخصيص سمسار أو وسيط لمساعدته وفي ديسمبر 2016، أي بعد 10 أشهر من وقوعه في الفخ، احتاج بعض المال واتصل بالشركة ليطلب سحب جزء من المبلغ الذي استثمره في حساب التداول التابع له، لكنهم رفضوا إرجاع أي نقود له بحجة أنه لم يستثمر مبالغ كافية.

ووجد في ما بعد أنهم أغلقوا حسابه وفقد المبلغ كله. ومن التقارير الصحفية ومصادر الشرطة، يبدو أن عمليات الاحتيال والنصب اتسعت بشكل كبير على المنصات الشرعية الحقيقية.

معظمهم خاسرون

نظريًا، ليس التداول في "الخيارات الثنائية" غشًا أو احتيالًا، لكن هذا النوع من التعامل جلب جحافل من النصابين والمحتالين وركاب الموجة. وظهرت إعلانات مضللة لنوع جديد من الاستثمار (المقامرة) على الانترنت لجذب الزبائن.

باعتبارك مبتدئًا، عليك أن تقفز فوق عشرات العراقيل والحواجز لكي تفهم طريقة التعامل وتقليل الخسارة وربما تحقيق بعض المكاسب، لكن عمليات الاحتيال تستغل المبتدىء الذي لا يفهم حقيقة عمل "الخيارات الثنائية".

لكي تربح، وعلى افتراض أنك تتعامل مع منصة حقيقية غير وهمية، فستحتاج إلى دراسة وبحث ومعلومات دقيقة، ويجب أن تكون مثابرًا ومتابعًا للتطورات كي تعرف ماذا تفعل وتستطيع قراءة واستيعاب الكشوف المالية والحسابات والتقارير والدراسات ذات العلاقة بالموضوع. فالمسألة ليست بسيطة، ولا تتوقع أن تضع 100 دولار رهانًا على ارتفاع أو انخفاض سعر سلعة الذهب أو سعر الدولار، وتتوقع أن تحصل على 1000 دولار بعد 10 دقائق. هذا لن يحدث. لكل موقع من مواقع "خيارات ثنائية" قواعده وشروطه، وبعضها يعرض 100 في المئة كعائد لمن يربح، والخسارة الكاملة اذا لم يربح. وبعضها يعرض 200 في المئة، وبعضها يعرض نسب متفاوتة.

السؤال المطروح: هل انت مستعد لأن تستثمر جزءًا كبيرًا من وقتك في البحث والدراسات والمتابعات والمقارنات كي تربح مالًا؟ من الحقائق التي لا يدركها الكثيرون أنك لا تستطيع أن تحقق ربحًا من المقامرة العشوائية، وهذا ما يريده السماسرة الذين سيدرجون اسمك في قائمة الخاسرين، أي أن السماسرة يجنون أرباحًا على حساب الخاسر. يشجعونك على الاستمرار في المقامرة العشوائية لكي يستفيدوا أكثر.

تزداد عمليات الاحتيال عشوائية وتستفحل، وفي مقابل كل من يربح 1000 دولار، يخسر المئات كل شيء. لا تنخدع بشهادات أشخاص يزعمون أنهم حققوا أرباحًا هائلة وحلوا مشكلاتهم المالية. ربما تكون شهادات وهمية بأسماء مستعارة، أو تم دفع رسوم لقاء الشهادة.

روبوتات التداول الآلي

تم تطوير برمجيات روبوتات التداول في السنوات الأخيرة، وتخضع للتحديث باستمرار حيث ظهر على الساحة حديثًا ما يسمى روبوتات التداول الآلي أو الالكتروني، وهي خطوة لتشجيع الزبائن والمتعاملين على الشعور بالأمان أن الروبوت سيعمل بصدق وآمانة ومهنية وحياد تام.

يطرح هذا النوع من التداول تساؤلات أخرى، منها: هل لديك معرفة كيف يشتغل النظام الجديد؟ هل لديك استراتيجيات للتداول وتحقيق الارباح؟ هل لديك الوقت الكافي لتحليل ودراسة السوق للخوض في الاستثمار أو المقامرة؟ هل تثق بالروبوت الأوتوماتيكي أن يقوم بالمهمة ويعمل لصالحك؟ أم انه طريق المتداول الكسلان ليحقق ارباحًا من دون جهد أو عناء؟

يُدعي التداول اليدوي ايضًا مُزود التوصيات، لكنه يقدم نصيحة بشأن التوقيت للدخول في عملية التداول واتجاه الخيار الموجود، وهذا يعطي المتداول المقدرة على السيطرة والتحكم فى عملية التداول والقيام بالتداول اليدوي ويحصل على نصائح وارشادات والتي يمكنه العمل بها أو تجاهلها. كلها معقدة، وتحمل عنصر المغامرة والمقامرة واحتمال الخسارة الكبيرة.

استغلال العامل النفسي

يتم اصطياد المبتدئين عن طريق إعلانات بالفيديو على الانترنت لشركات وهمية تعمل خلف برامج توحي انها شركات موثوقة، وتعطي انطباعًا أن هذا النوع من الاستثمار مفتوح للمتطورين والراقيين والأشخاص فحسب، الذين يتمتعون بالثقة والمستوى الرفيع في المجتمع وليس للبسطاء والساذجين. الهدف من ذلك جذب البسطاء والساذجين لاعطائهم شعورًا أنهم مهمون وأصبحوا ضمن النخبة أو الحلقة المغلقة من المستثمرين الاذكياء أي استغلال العامل النفسي لاشعار المرء انه ذو أهمية وينتمي لنخبة راقية من المستثمرين.

عندما يلتحق شخص بالعملية، يطلبون منه دفعة أولى متواضعة، مثل 250 دولاراً، ثم تزداد تدريجًا من خلال الاغراءات بعائد ضخم، ثم يطلبون 5000 أو 20 ألف دولار، وهكذا عندما يستيقظ المغفل يكتشف انه مضحوك عليه، وفقد كل ما في جيبه. مثل المقامر في الكازينو الذي بعد أن يخسر المال يعرض ساعته الثمينة ثم جاكيت الجلد.

تطورات إيجابية

في عام 2017، حدثت تطورات إيجابية مثل تبني بعض المنصات لدورات تدريبية بمنح حسابات تجريبية لمن يهتم، لكي يتعلموا المهنة ويقللوا الخسائر.

يقول تقرير هيئة التنظيم المالية الكندية لعام 2017 إن الخيارات الثنائية فتحت مساحة كبيرة للنصب والغش والاحتيال، ويضع التقرير بعض المقترحات لمكافحة النصب والاحتيال ومنها طرح مبادرات لتقليل الخسائر وحماية الضحايا وإجراءات مثل منع الإعلانات على الانترنت والتثقيف والتوعية من مخاطر هذا النوع من الاستثمار الذي في الحقيقة ليس استثمارًا بل مقامرة ورهان، واحتمال الخسارة أكبر من احتمال الربح، وتشكيل وحدة رقابة ضاربة وخاصة لمكافحة هذه الظاهرة.

وفي الخلاصة، اذا كان في جيبك مبلغ فائض عن حاجتك، ولا خطة للاستفادة منه، وتريد المغامرة، لماذا لا تشتري أسهم شركة أو شركات معروفة وناجحة من خلال المصرف الذي تتعامل معه. كل المصارف الكبيرة لديها دائرة مختصة في تقديم الاستشارات الاستثمارية للزبائن وجرب حظك، وعليك الصبر ولا تتوقع ارباحًا كبيرة بسرعة، لكنها ستدر عليك أرباحًا متواضعة منتظمة تسمى حصصاً ربحية أو باللغة الانجليزية dividends وعلى المدى الطويل ستستفيد، ولا تفقد قميصك. ابتعد عن الخيارات الثنائية كما تبتعد عن الوباء.

ثمة سؤال: إذا كانت لدى سمسار "الخيارات الثنائية" أدوات لتحقيق أرباح سريعة، فلماذا يجعلها متاحة لكل من هب ودب؟ لماذا لا يستغل هذه الأدوات والمعرفة لزيادة ثروته؟


في اقتصاد