GMT 20:00 2016 الإثنين 1 فبراير GMT 8:15 2016 الأربعاء 3 فبراير :آخر تحديث
حرص على تعلّم لغتها وأحبّ التجوال في «الغابة السوداء»

ميشال تورنيي… الكاتب الفرنسي الذي عشق ألمانيا

حسّونة المصباحي
محاطا بأصدقائه القليلين، وبابنه بالتبني لورات فيليكس، رحل عن الدنيا اخيرًا الكاتب الفرنسي الكبير ميشال تورنيي عن سنّ يناهز 91 عامًا. وقد أمضى الشطر الأكبر من حياته عاشقا للفلسفة، ومؤلفًا لروايات تمتزج فيها الأساطير بالتاريخ، ومسافرًا عبر العالم، ورافضًا الزواج.
 
حسونة المصباحي من تونس: منذ عقد السبعينات من القرن الماضي، اختار تورنيي الإقامة في بيت قديم كان يسكنه الكهنة  في القرون الوسطى  بغية العيش في هدوء وسكينة، بعيدا عن صخب الحياة الثقافية في باريس. في هذا البيت الذي ظلّ على حالته القديمة، كتب تورنيي أفضل أعماله التي خوّلته الفوز بالعديد من الجوائز المرموقة مثل «غونكور»، وجائزة الأكاديميّة الفرنسيّة. في هذا البيت أيضا استقبل شخصيات مرموقة مثل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران والمستشار الالماني هلموت كول. وعلى مدى خمسين عامًا، ظل  تورنيي دائم الحضور في المشهد الادبي في بلاده. وفي الصور التي أخذت له في عزلته الريفيّة في السنوات ألأخيرة من حياته، كان يبدو متعبا، واضعا على رأسه قلنسوة صوفيّة تجعله شبيها بقسّ عجوز. 
 
ولد تورنيي عام 1924. وكثيرا ما كان يردد في الحوارات التي أجريت معه بأنه يشعر بالسعادة والفخر بأن يكون من مواليد تلك السنة التي جاء فيها الى الدنيا بعض مشاهير الفن والأدب، من أمثال بول نيومن، وشارل ازنافور، وشارلتون هيوستن، ومارلون براندو. 
 
 
ارتباط روحي
 
مبكرا، تأثر تورنيي بوالديه اللذين كانا مغرمين بالثقافة الالمانية، ويتحدثان بلغة غوته بطلاقة. لذلك حرص على تعلم هذه اللغة منذ سنوات الطفولة. كما أحبّ التجوال في «الغابة السوداء» التي ارتبط بها الفيلسوف هايدغر روحيا فلم يشأ مغادرتها أبدًا. وخلال سنوات الحرب الكونيّة الثانية، ورغم أن النازيين آحتلّوا بلاده، فإن تورنيي ظلّ مفتونا باللغة الألمانية. وازداد تعلّقه بها بعد أن قرأ غوته، وشيللر، وكانط، وهيغل. فلمّا انتهت الحرب، انطلق الى ألمانيا لمواصلة دراسته في مادة الفلسفة. وخلال سنوات الدراسة، تجوّل في المدن الألمانيّة التي خرّبتها الحرب. وكان السكان يعانون من الجوع، ومن النقص الفادح في كلّ المواد الاساسية. ومع ذلك كانوا متفائلين بالمستقبل ساعين لفتح صفحة جديدة في تاريخ بلادهم. وقال تورنيي متحدثا عن تلك الفترة المبهجة في حياته: لقد اخترت أن أدرس الفلسفة لأني أحببتها منذ البداية، وبها شغفت شغفا شديدا. وكان من حسن حظّي أن يكون أستاذي موريس غونديلاك الذي توفي عن سنّ تناهز 100 عام. وقد ظللت على علاقة به حتى النهاية. وعند انتهاء الحرب الكونيّة الثانية، انطلقت الى ألمانيا التي كانت كتلة من الخرائب يغطيها الدخان والغبار. 
وكان هدفي هو دراسة الفلسفة. وهناك أقمت أربع سنوات. وعليّ أن أعترف أن لي أفكارا كلاسيكيّة جدا في مجال الفلسفة التي هي بالنسبة لي المبرّر الانطولوجي لوجود الله عند لايبنيتز، ودليل وجود الله كما أظهره القديس أنسالم، رئيس أساقفة كانتربري، والذي قبل به كلّ من ديكارت، ومالبرانش، وسبينوزا. وكان لا بّد أن ينتظر العالم ظهور الفيلسوف الألماني كانط لكي يتمّ نقض هذا الدليل. وأنا أعتقد أن الفلسفة هي أوّلا وقبل كلّ شيء الأنطولوجيا (علم الكائن)، والميتافزيقيا. غير أني لم أشأ أن أكون فيلسوفا، بل أردتّ أن أكون روائيا. مع ذلك ظلّت الفلسفة تسكنني وتشغل بالي. وفي البعض من رواياتي هناك افكار فلسفيّة عميقة. 
 
وحتى النهاية، ظل تورنيي وفيا لعشقه لألمانيا. وهذا ما عبر عنه من خلال كتاب أصدره قبل سنوات قليلة من رحيله تحت عنوان: «السعادة في المانيا». وفي هذا الكتاب يرى ان المثقفين والفلاسفة الألمان كانوا مشدودين الى فرنسا بعد ثورة 1789. فقد كان كانط مثلا رغم عزلته التي لم يغادرها حتى اللحظة الاخيرة من حياته، لا يتوقف عن متابعة ما  يجري في بلاد فولتير وروسو وديدرو. بل انه  كان يزيّن جدران مكتبه بصورة لصاحب «الميثاق الاجتماعي» (روسو). اما شيللر فقد الف مسرحية عن سقوط «الباستيل». لذلك اهداه بيتهوفن «السمفونيّة البطوليّة». وفي عام 1866 نزل هيغل الى الشارع بعد أن كتب السطور الاخيرة في «فينومينولوجيا الروح» ليجد نفسه وجها لوجه مع بونابارت وقد امتطى جوادا أبيض. عندئذ كتب الى احد اصدقائه يقول إنه شاهد روح العالم . وحرص بونابارت على استقبال غوته بعد أن قرأ عمله الاول آلام فرتر خلال الحملة على مصر. فكان ذلك الاستقبال حدثا بارزا في حياة صاحب  فاوست. وفي كتابه المذكور، انفجر تورنيي ساخرا من الفرنسيين، ومن أدبائهم، وفلاسفتهم بالخصوص. وكتب في ذلك يقول: «سوف تقولون لي: وماذا عن الفرنسيين؟ وما هي الفضائل التي يستندون اليها، والتي هم مجردون منها تماما؟ يكفي أن نستمع اليهم لكي نعرف كلّ ذلك. هم ينسبون الى انفسهم الفكر والخفّة واللطافة والسخريّة، وباختصار كلّ الخصال التي نجدها عند جان بول، وهولدرلين، وغوته، وهايني، وموتزارت، وشوبرت. كما نجدها في القصور الباروكيّة. لكن ما هو وجه الحقيقة في كلّ هذا؟ وجه الحقيقة هو أن الفرنسيّ مدّع ومهذار، ولا طموح له غير اخفاء ما تبقى من الانسانية. ويزعم كتّاب فرنسا انهم موسوعيّون قادرون بفضل ذلك على ان يضعوا المعرفة الانسانية برمتها في كتاب واحد، نهائيّ وضخم. بمعنى أنه لا يتبقى بعد ذلك ما يمكن الكتابة عنه. وهذه هي حال رابليه، وبلزاك، وزولا، وكثيرين آخرين». وفي نهاية كتابه، كتب تورنيي يقول: «في الحقيقة تظلّ المانيا تمثل بالنسبة لي، مثلما هي الحال في زمن الطفولة والشباب،أحزانا وأفراحا،جراحا وزهورا، خسائر لا يمكن جبرها وثروات هائلة».
 
ويشير تورنيي الى أن سبينوزا هو فيلسوفه المفضّل. لذلك هو يعيد دائما قراءة اعماله. كما أنه يواظب على قراءة كانط، ولايبنيتز، أيضا صديقه الراحل جيل دولوز الذي كان بمثابة «الاخ» بالنسبة له. ويضيف تورنيي قائلا: «أحيانا كنت بالنسبة لدولوز بمثابة العبد. أكتب أعماله على الآلة الكاتبة، وأرتّبها قبل ارسالها الى دور النشر. ولم يكن هو سهل المعاشرة. وأنا أقارنه بفان غوخ إذ أنه كان يقف حائرا امام أبسط المشاكل معتقدا انها بلا حلّ. وكان الأكل والشراب واللباس وكل ما يتّصل بالحياة اليوميّة أمرا مستحيلا بالنسبة له».
 
 
لا تتحدث عن حياتك
 
وفرض تورنيي نفسه في عالم الرواية الفرنسية من خلال عمله الاول الذي حمل عنوان «جمعة أو حوافّ الباسيفيكي»، التي أعاد فيها كتابة قصة روبنسون كروزو بطريقة جديدة ليفوز بها بجائزة الأكاديمية  الفرنسية. حدث ذلك عام 1970. وقد اختار تورنيي أن يحولها إلى قصة للأطفال ليحقق بها ارباحا عالية خولت له أن يعيش استقلالية  مادية تامة. وفي عام 1971، أصدر رواية ثانية حملت نفس عنوان قصيدة لغوته: «ملك المغْث»، أبرز فيها معرفته بالأساطير الجرمانيه. وتحكي الرواية قصة فرنسي يدعى تيفوغاس يقوم الالمان بسجنه فيلتقي بالنازي غورينغ. وبعدها يصبح غول قلعة حصينة مجندا بالقوة أطفالا يموتون في الدفاع عنها ضدّ الجيش الروسي الأحمر. وحازت هذه الرواية التي تبدو شبيهة بروايات الواقعية السحرية على جائزة «غونكور» المرموقة. 
 
ومتحدثا عن أدبه، يقول تورنييه: «أنتم تعرفون مقولة: لا تتحدث عن حياتك». وأنا أطبّق هذه المقولة في جلّ رواياتي أي أنني اتحاشى الإقتراب من حياتي الشخصيّة، والخوض في تفاصيلها لذلك أنا لا احبّ كثيرا مارسيل بروست الذي يزعجني أيضا بجمله الطويلة. مع ذلك يمكننا ان نقسّم الأدباء الى قسمين: الذين يتحدثون عن حياتهم الشخصيّة، والذين يبتكرون روايات».
 
جان جاك روسو في «الاعترافات»، ومارسيل بروست ينتميان الى الفئة الاولى. أما الروائيّون الحقيقيّون فهم بالزاك وستاندال وفلوبير، ودستويفسكي، وتولستوي، وديكنز. وهؤلاء ينتمون بطبيعة الحال الى الفئة الثانية. وفي الحقيقة يمكننا ان نعرف الكاتب بحسب المسافة التي تفصل بين ما يكتب، وبين حياته الشخصيّة. ويواصل تورنيي قائلا: «عند بالزاك مثلا، ليس هناك عناصر مستوحاة من سيرته الذاتية». وفي روايته: «أوجيني غراندي» التي تدور أحداثها في مدينة «تور»، يخصّص الخمسين صفحة الاولى لوصف كلّ شارع بدقّة متناهية. ولا تبدأ القصة إلاّ بعد هذه الصفحات. أما في «الأب غوريو» فالقصة تبدأ مباشرة من الصفحة الاولى. غير أن المزعج عند بالزاك هو أنه كان يكتب من دون انقطاع  للحصول على المال. أما ستاندال فقد كان صوتا متفردا. إنه واحد من الكتاب الذين اجد متعة كبيرة في قراءتهم. حالما نشرع في قراءة رواية له، نشعر كما لو ان تيّارا قويّا يدفع بنا الى الامام. نادرون هم الكتاب الذين نسمع اصواتهم أثناء قراءتنا لأعمالهم. وستاندال واحد من هؤلاء. وهذا ينطبق أيضا على فلوبير الذي أضع عمله «ثلاث حكايات» في القمّة. وأنا لا أعتقد أن هناك كاتبا في مجال القصة آستطاع أن يتجاوز هذا الكتاب.
 
 
في واحد من نصوصه الاخيرة، كتب ميشال تورنيي يقول: «ثمة فكرة للجنة: بعد موتي، أرى نفسي موضوعا أمام بانوراما فيها تعرض حياتي في أدق تفاصيلها. وأكون أنا حرا في أن أعود إلى هذه الفترة أو تلك لأعيش أطوارها من جديد (. . .) لأنني أجد نفسي وقد تملكني الحنين والندم وأنا عائد الى مشاهد من حياتي لم أعرها الإهتمام اللائق بها».

 


في أخبار