GMT 19:09 2017 الإثنين 13 نوفمبر GMT 19:13 2017 الإثنين 13 نوفمبر :آخر تحديث

الكاتب البريطاني كولين ثوبرون يزور دمشق بعد نصف قرن من زيارته راصدا ملامح الاختلاف

بي. بي. سي.

مرت خمسون عاما على نشر الكاتب البريطاني كولين ثوبرون كتابا وصف فيه مدينة دمشق وقصص رحلاته في شتى أرجاء العاصمة السورية مستعرضا تاريخها وعادات أهلها.

لكنه قرر زيارة المدينة من جديد ليقف على ما شهدته من تغيرات عصفت بها منذ ذلك الوقت، لاسيما الحرب الأهلية وصراعها الدائر هناك.

بدت لي المدينة أكبر بكثير مما أتذكره في ذلك الوقت، ولابد أن عدد السكان تضاعف أربع مرات. رأيت في زيارتي الماضية الأحياء تحيط بالمدينة القديمة في مشهد أحببته، فضلا عن وجود مطاعم ومتاجر وفنادق داخل أسوار المدينة، أصبحت جميعها الآن مغلقة أو خاوية.

إنها مدينة حرب. تقف الدبابات متاريس في جميع الشوارع وسط الأسلاك الشائكة الممتدة، ورأيت من مسافة ليست ببعيدة الفندق الذي استضافني في الماضي خاليا ومحترقا.

تحظى المدينة بمكانة خاصة ملؤها الانفتاح والتسامح لدى العالم الإسلامي، وينتمي ربع سكانها إلى المسيحية والأقليات الأخرى، بما في ذلك الطائفة العلوية الشيعية، التي تنتمي إليها الحكومة والجيش.

دمشق في سبعينيات القرن الماضي
Getty Images
دمشق في سبعينيات القرن الماضي

ومازال الدمشقيون يتشبثون على مضض بنظام الرئيس بشار الأسد، نظرا لأن البديل الإسلامي، القابع خارج أسوار المدينة، قد يمثل تهديدا لهم.

عندما زرت المدينة قبل خمسين عاما كنت بمفردي، لأن السائحين لم يعتادوا في ذلك الوقت زيارتها. وعدت زائرا لها الآن بمفردي أيضا لأنهم فروا من المكان.

بأعجوبة لا تزال المدينة القديمة سالمة بأعجوبة، فقد نجت من مصير الدمار الذي لحق بمدينة حلب.

تفتح مدفعية القوات الحكومية نيرانها مساء كل ليلة مستهدفة ضواحي العدو على نحو أشبه بالبرق. وقفت في الظلام خارج فندقي أسمع متساءلا إلى متي سيستمر ذلك؟.

كنت أتجول نهارا في الحارات وبين الآثار التي بهرتني في مرحلة شبابي. أجد نفسي أنظر أحيانا بعين ذلك الشاب متذكرا سحر دخولي المسجد القديم أو زيارتي لضريح السلطان صلاح الدين.

متسوقون في سوق دمشقية في سبعينيات القرن الماضي
Getty Images
متسوقون في سوق دمشقية في سبعينيات القرن الماضي

أصبحت مسنا، ونادرا ما يستوقفني الحراس لتفتيشي، في حين ينظر إلى أصحاب المتاجر الكبيرة، التي مازالت تصخب بالزائرين، نظرة أمل، كما لو كنت بارقة لعودة السائحين.

يخيم هدوء غريب على حارات المدينة القديمة. أعتقد أنها كانت دوما كذلك. لكنني لاحظت وجود المزيد من النوافذ الآن وأقفال كثيرة على الأبواب.

تمتد خلف هذه الأبواب، بعيدا عن أعين الناس، باحات رخامية ونافورات وأشجار ليمون. وعثرت على منزل طالب كنت أعرفه في ذلك، ونظرت عبر نوافذ المنزل المهجور، ولم أعثر في الفناء إلا على أكوام مكدسة من ركام الأبنية.

تأكدت أن أحدا لا يتتبعني ، وكان الناس يتحدثون إليّ بحذر شديد لم أعتده من قبل. كنت في الماضي نادرا مل أسير في الشارع دون أن يدعوني أحدهم إلى شرب فنجان قهوة أو كوب شاي، مسيحي كان أم مسلم. لكنها أصوات من الماضي ولت.

يقول الناس لي :"لا نرى نهاية لذلك. أصبحنا مثل بغداد أو كابول أو طرابلس (الليبية). إن هذه الحرب لن تنتهي على الإطلاق. والأسعار ترتفع طول الوقت".

أصبح الناس يتحدثون عن التفجيرات الانتحارية وعن الأطفال الذين يسقطون قتلى وعن خراب المنازل. لكني أعتقد أن أكثر الأشياء المؤلمة التي رصدتها كانت الحالة النفسية لدى الناس، إنهم فاقدون للأمل، على الرغم من أن المكان لايزال يفصح عن حلاوة العادات القديمة وكرم الضيافة.

إذا طال وقت الانتظار عند باب أو استفسرت عن أسرة غائبة، ربما سألني أحدهم وقال لي :"سوريا مجرد لعبة في يد القوى الأجنبية"، هذا ما دأب الناس على قوله، وأضافوا :"تفضل بعض القهوة، أنت ضيفنا... لكن سوريا تنزف".

رحل بعض أصدقائي على الأرجح، لكن الأبنية التي أحببتها مازالت موجودة. الدمار الوحيد الذي وجدته كان في ضريح السلطان (صلاح الدين) قائد الحروب الصليبية. أصابت قذيفة هاون الضريح قبته.

ذهبت إلى المسجد الأموي، أعظم آثار المدينة، الذي بني في القرن الثامن الميلادي.

Mosaic at the Ommayad Mosque
Getty Images

يعد المسجد الأموي واحدا من أعظم المساجد الإسلامية، بناه المسلمون على أطلال معبد جوبتر الروماني. وقد لحق الدمار بمسجد مماثل له في حلب قبل أشهر.

مازلت أجد الساحات الشاسعة لم يلحق بها الضرر، فضلا عن ضريح أثري مذهّب يقال إنه يضم رأس يوحنا المعمدان، وهو ضريح يوقره المسلمون والمسيحون على حد سواء.

يقول سفر إشعياء، أحد أسفار العهد القديم، إن "دمشق هي رأس سوريا"، ولا تزال دمشق هي رأس سوريا ولكن سوريا الآن مختلفة، فدمشق مدينة يحيطها التوتر، تنتشر عند أبوابها ملصقات صور الشهداء من الجنود، كما تعلق متاجر صورا شخصية للرئيس بشار الأسد، الذي تدعمه إيران لأنه من العلويين.

المسجد الأموي الكبير
BBC
المسجد الأموي الكبير

شكا أحد الأشخاص قائلا :"ترى هؤلاء في كل مكان هذه الأيام، يسير الشيعة بشموخ الآن".

أراهم أنا ايضا، عراقيون وإيرانيون، يصلون عند مقابر آل البيت، يتشبثون بقضبان ضريح يفصلهم عن مكان دفن رأس الإمام الحسين، عبر طريق مؤدية إلى جبانة الباب الصغير خارج أسوار المدينة. كما زرت المكان الذي شهد مقتل ما يربو على 40 زائرا للأضرحة بعد أن استهدفتهم قنابل، وأصبحت المقابر تحرسها مجموعة من الجنود المسلحين.

ذهبت لزيارة ضريح بلال، مؤذن الرسول، المدفون في مقبرة ذات قبة خضراء. ودفعني صوت أذان الظهر من فوق مآذن المساجد إلى الوراء سنوات عديدة. لكني سمعت نداء "ألله أكبر" يتردد على نحو مختلف بين شواهد القبور، وتمنيت أن يطيب لي سماع الصوت مثلما طاب لي في الماضي.

Portrait of the president
Getty Images

ليس الجيش هو من يسيطر على هذا البلد، بل المخابرات كما أعتقد، هذا الجهاز المخيف.

كنت التقطت صورا عشوائية للمدينة من ضاحية مرتفعة وكان واقفا ورائي اثنان في ملابس مدنية، اصطحباني إلى غرفة وسط منازل فقيرة. وهناك زاد عددهم إلى خمسة أشخاص. كانوا يتحدثون بلغة إنجليزية، واكتشفت أن دليل السائح للغة العربية الذي كان بحوزتي قد ضاع. وقالوا لي أنت ضيفنا لا تخف شيئا. ماذا تفعل هنا؟ وكيف جئت؟

أجبتهم بأنني حصلت على تأشيرة عن طريق وزارة الإعلام لديهم، فطلبوا مني إبراز جواز سفري وكاميرتي.

كان جواز السفر يحمل ختم دخول الحدود السورية مع لبنان. واستعرضوا الصور المحفوظة على الكاميرا بعناية شديدة. وكنت قد التقطت صورا لحارات في دمشق وصورا لبوابات المدينة والشهداء والشعارات.

زاد ارتيابهم مع استعراض صور أخرى التقطتها خلال عطلة في جزيرة لاندي في قناة بريستول. كانت الصور تحتوي على لقطة لإمرأة جميلة تضع سماعات رأس داخل مقصورة طائرة مروحية.

- سألوني "من هذه؟"

- أجبتهم "إنها زوجتي."

- "ماذا تفعل في الطائرة؟ ولماذا تضع ذلك فوق أذنيها؟

- "إنها سماعات أذن. كانت ذاهبة إلى جزيرة لاندي".

- "هل تستمع إلى (إذاعة) إم تي إن أو سوريا تل؟"

- "لا. جزيرة لاندي لا تستقبل إذاعة سوريا تل. إنها تنصت إلى الطيار".

ونظروا بعناية شديدة، وزاد ارتيابهم. واستعرضوا صورا لقطيع ماشية في هايلاند، وصورة لحيوان فقمة ينظر إلى الكاميرا من داخل مياه البحر.

-سألوني :"ما هذا؟"

-أجبتهم :"إنها حيوانات الفقمة".

-"لماذ تنظر هكذا؟"

لكنهم استدعوا ضابطا ماكر الملامح يبدو أنه كبيرهم. ثم اصطحبوني إلى مجمع شديد الحراسة في وسط المدينة، صعدنا درجا صغيرا يؤدي إلى ممرات رديئة ثم إلى مكان ضعيف الإضاءة نتن الرائحة لا أعرف ما هو.

وضعوني في زنزانة، لكنهم تركوا الباب الحديدي مفتوحا، وكان المكان يحتوي على ملفات كثيرة، ويضم ثلاث صور مختلفة لبشار الأسد معلقة على الجدران.

بدأت أشعر بخوف، وزادت حدة الاستجواب. كان معي رقم هاتف مسؤول يعمل في وزارة الإعلام السورية كان قد منحني التأشيرة، لكن أحدا لم يتصل به. وكان أحد البلطجية يتحرك ذهابا وإيابا في ملابس سوداء، في حين كان محققون مختلفون يأتون ويذهبون.

وأخيرا اصطحبوني إلى غرفة كبيرة يجلس فيها ضابط يرتدي ملابس رسمية أمام مكتب وظهره مواجه للضوء.

بوابة المدينة القديمة
BBC
بوابة المدينة القديمة

لم يعد ثمة حديث بشأن جزيرة لاندي أو حيوانات الفقمة. قلت له :"لقد عدت لزيارة مدينة أحببتها في الماضي"، كما لو كنت أؤكد على حزني من المقارنة بين الماضي والحاضر.

وقال لي :"أعتقد أن هذه صور لعطلتك"، ظننت أن الأمر انتهى ولكن استغرق الوضع ساعة قبل أن سيمح لي بالانصراف، فاصطحبوني إلى وزارة الإعلام، ورأيت مسؤولة لطيفة تجلس خلف مكتب كبير، وقالت إن الأمر مجرد "سوء تفاهم".

سمعت أنباء في آخر يوم في مدة تأشيرتي عن أسرة كنت أقمت عندها قبل نصف قرن في شقتهم الصغيرة في شارع يطلقون عليه في دمشق اسم "الشارع المستقيم"، يقال إن القديس بولس شفي من العمى فيه.

توفي قبل سنوات رب هذه الأسرة، وهو نجار عربي مسيحي الديانة، وزوجته التركية، لكن ابنتهما راهدة مازالت على قيد الحياة. كانت تبلغ في ذلك الوقت عشر سنوات، كانت شقية ودأبت على تمزيق بعض ما كنت أكتبه من مخطوطات عن رحلة دمشق.

Rahda aged 10
BBC

أصبح عمرها الآن 65 عاما، وهي جدة تعيش مع زوجها الأمريكي في منزل مظلم.

تعانقنا وتذكرت ألعابها التي كنت أحضرها لها في احتفالات عيد الميلاد، وسوار الفتيات التي كانت ترتديه حول معصمها. وقالت لي إنها مبعث بهجة، ووجد نفسي أبكي.

قالت لي إنها تخشى هي الأخرى من قذائف الهاون، واصطحبتني إلى الشقة التي كانت منزلنا في ذلك الوقت، وقالت لي إن ابنتها تعيش في باريس، فقلت لها لابد أن ألتقيها.

راهدة مع زوجها في صورة تجمعهما بالكاتب كولين ثوبرون
BBC
راهدة مع زوجها في صورة تجمعهما بالكاتب كولين ثوبرون

أدهشني معرفة أن هذه الابنة هي المغنية لينا شاماميان، واحدة من أشهر المغنيات الشرقيات، قدمت حفلا في قاعة كادوغان في لندن لمدة ثلاثة أيام بعد عودتي.

اشتريت آخر تذكرة في الحفل. جلست غريبا أشاهد نظرة أعجاب وسط جمهورها العرب، لاحظت أن فمها يشبه فم أمها راهدة، ولها نفس العينين، لكن أمها تختبئ من نيران الهاون في منزلها القابع في دمشق.



في أخبار