GMT 6:30 2017 السبت 6 مايو GMT 10:47 2017 الأحد 7 مايو :آخر تحديث
​غياب الحقيقة يعني استسلام المثقّف للسلطة

إشكالية الثقافة والسياسة في أميركا

د عودة ابو ردينة

الدكتور عودة أبو ردينة

ثمة طرق أربع يسلكها المثقف في علاقته بالسلطة: المواجهة التنبؤية، قول الحقيقة، التنازل عن الاستقلالية، أو دخول الميدان خبريًا في السياسة. إنها الحدود الأربعة لإشكالية الثقافة والسياسة في الولايات المتحدة بحسب كتاب لهانز مورغنتاو.

كتب الراحل هانز مورغنتاو، أبو الواقعية السياسية في أميركا ومعارض الحرب في فيتنام، عمله الكلاسيكي الموسوم "السياسة بين الأمم" Politics Among Nations، قال فيه إن المثقف، في مواجهة حقائق السلطة المخيفة، كان بمقدوره أن يختار من بين أربع طرق ممكنة، ويستطيع الانكفاء إلى برج عاجي للحفاظ على "نقائه" (فضلًا عن صوابيته الذاتية).

مواجهة تنبؤية
يستطيع، بدلًا من ذلك، أن يتخذ موقف "مواجهة تنبؤية" ضد السياسة الرسمية. كان أول هذين الطريقين يحقق فضيلة من النوع المعتكف، لكن بإنكار السلطة جملة وتفصيلًا فحسب. كان الطريق الثاني يؤدي مهمة تقليدية على عاتق المثقف، هي أن يقول الحقيقة للسلطة، لكن في مواجهة خطر ألا يكون ذلك عمليًا ("يجب أن تجلس حيث أجلس أنا") إلى جانب شكلها الخاص من التعفف المنافق. وحين تصاعدت الحرب الفيتنامية، دُفع مورغنتاو إلى الموقف الثاني رغم أنه لم يكن ما يريده أو ما يتوقعه لنفسه. 

الطريقان الآخران كانا يقران بالسلطة، بل وحتى بالتعاون معها، لكن بأشكال مختلفة. فالطريق الثالث أمام المثقف كان أن يتنازل عن استقلاله، وأن يصبح في فعلٍ جبان بوقًا للسلطة، أو - باستخدام الاطار الذي وضعه كينسجر - الرضوخ لمطالب البيروقراطية بإتباع الأوامر والتحول إلى ترس في الآلة. كان مورغنتاو يُدرك حق الإدراك جبن المثقفين، ليس من أيامه في ألمانيا جمهورية فايمار فحسب، بل من معارضته الحرب الفيتنامية بمفرده ايضًا. 

كتب أن بعض مؤيدي الحرب "هاجموا زملاءهم المعارضين بعنف غير معهود وبمحاجَّات ملتوية ومتناقضة بحيث لا يمكن أن تُفسر بمسوغات فكرية محضة". كف هؤلاء المفكرون عن كونهم مثقفين متحولين إلى أيديولوجيين، إلى أدوات قوة مجردة، وفي أسوأ أحوالهم استخدموا ذكاءهم في تقديم مبررات لإكراهات الدولة الغاشمة. 

العقل أو القوة
كان طريق مورغنتاو الرابع، وربما الأصعب، "دخول العملية السياسية بوصفه خبيرًا" على أمل التأثير في السياسة بجهاز المثقف المفهومي، لكن مع قبول القيود التي يتعين على المسؤولين أن يعملوا بها. لا يمكن أن تكون النتيجة مُرْضية بالكامل أبدًا، لأن المساومات مع نظريات المرء كانت دائمًا ضرورية، بل ومؤلمة أحيانًا. "ولا بدّ من أن تتخلف السياسات عن الثبات المنطقي والصفاء النظري اللذين يتسم بهما المثقف المنفصم عن الفعل".

أفضل ما يستطيع المثقف العامل في الحكومة أن يفعله للحفاظ على نزاهته هو أن يحاول وضع الحقيقة في خدمة السلطة فاهمًا أنه حتى إذا كان تحقيق العدالة المثلى متعذرًا، فإنه يبقى قادرًا على تقديم مشورة عملية عن استعمالات القوة لغايات مشروعة.


على سبيل المثال، بالامكان مساعدة السياسيين لتفادي الاستسلام للإغراء الدائم في الاستعاضة عن العقل بالقوة بدلًا من ربط الاثنين أو تقديم النصح إليهم بشأن حجم القوة المطلوبة للتعاطي مع الوضع القائم، متفادين التجاوزات التي يقع فيها بسهولة من يستخدمون القوة العسكرية. وكانت مهمة المثقف في البيت الأبيض تذكير الرئيس بـ"هشاشة القوة وغطرستها وعماها، بحدودها ومطباتها". وإن تغيب الحقيقة عن نظر المثقف، فهذا يعني الاستسلام للسلطة بدلًا من خدمتها. 

حماقة الإلتزام
خلافًا للمثقف، لا يستطيع رجل الدولة أو السياسي أن يعمل من موقع المطلقات. ذلك أن العالم الحقيقي متناقض، عصي على التنبؤ، ومأسوي. كان مورغنتاو شغوفًا بتعليق غوتة القائل: "إن الذي يعمل ظالم دائمًا، ولا أحد يمارس العدل إلا المراقب". 

عدل مورغنتاو هذه الفكرة القاتمة، خصوصًا بعد خبرته مع الحرب الفيتنامية، مصرًا على أنه لا بدّ من أن يكون هناك "عنصر واحد" من عناصر العدالة في الأقل في "مَنْ يعمل"، على الرغم من أنه بقي يؤمن بأن الالتزام البسيط أو الساذج بالعدالة في عالم الحقائق حماقة في أحسن الأحوال. إذ كان العالم الحقيقي دائما يطالب بتعديلات أخلاقية.

وكان مورغنتاو يقول أن صفتين ضروريتان لرجل الدولة هما احساس بالحدود و"التزام بمشروع كبير" يضفي على سياساته غاية عامة. وكان المثقفون لا يمتلكان بالضرورة أيًا من هاتين الصفتين، بل أن القدرة على الجمع بين الفكر والقوة كانت نادرة بحق. 

في الختام، يحتاج العالم العربي إلى مثقفين يقولون الحقيقة للسلطة وصانعي السياسة بحصافة وأمانة. وما يفتقر اليه العالم العربي هو وجود مثقفين مستقلين يفكرون بحرية. 
هذا التحليل مستقى من باري غيوين، المحرر في قسم مراجعة الكتب في نيويورك تايمز، بعد نشره في ناشونال إنتريست.    
 


في أخبار