GMT 9:38 2017 الثلائاء 25 يوليو GMT 7:19 2017 الأحد 30 يوليو :آخر تحديث
ربما يكون وزير الخارجية الأميركي المقبل

جون هنتسمان... سفير أميركي فوق العادة في موسكو

د عودة ابو ردينة

يكتسي تعيين جون هنتسمان سفيرًا أميركيًا في موسكو أهمية غير عادية، فهو دبلوماسي حاذق، مرشح لرئاسة الجمهورية الأميركية في 2020، أو ليكون وزير الخارجية الأميركي المقبل.

د. عودة ابو ردينة: مرت أشهر منذ أُشيع في واشنطن أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختار جون هنتسمان سفيرًا جديدًا للولايات المتحدة لدى موسكو. ولاحظ مراقبون أن ترمب عمل خلال هذه الفترة كل ما بوسعه لتعقيد مهمة سفيره الجديد في العاصمة الروسية؛ إذ امتنع خلال مشاركته الأولى في قمة أطلسية عن تأكيد التزام الولايات المتحدة المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي التي تنص على الدفاع عن أي دولة عضو في الحلف تتعرض لاعتداء. وهو أقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي بسبب التحقيق في محاولة روسيا التأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية.

بعد ذلك، نفى لقاء ترمب الإبن مع مسؤولين روس خلال الحملة الانتخابية، ثم أكده. وكشف انه عقد إلى جانب اللقاء المعلن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لقاءً آخر لم يُعلن عنه مدة ساعة، على هامش قمة مجموعة العشرين في هامبورغ الالمانية. وبعد هذا كله، أصبح تعيين هنتسمان رسميًا في بيان صحفي ورد اسمه الأول فيه خطأ. 

يعرف الخليج 

هنتسمان دبلوماسي معروف في أروقة الخارجية الأميركية، يتحلى بمعرفة مكينة بشؤون الخليج العربي وشجونه، وهو مرشح ليشارك في السباق الرئاسي الأميركي في عام 2020، أو تولي منصب وزير الخارجية. عمل سفيرًا في إدارات ديمقراطية وجمهورية، وكان حاكم ولاية يوتا دورتين، ورئيس مؤسسة بحوث كبرى، ورشح مرة للانتخابات الرئاسية. معروف باعتدال طبعه، محافظ في ايديولوجيته، وبراغماتي في تعامله.  

لم يسبق أن كان لمنصب السفير الأميركي في موسكو مثل هذه الأهمية منذ ايفريل هاريمان خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب الملفات الحالية الساخنة بين واشنطن وموسكو، من اوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وبسبب صعود روسيا قوة كبرى في عهد بوتين. 

من جانب الولايات المتحدة، ليس وزير الخارجية ريكس تيلرسون في موقع يؤهله ليكون أفضل محاوريها مع موسكو، وهو الذي شكا القيود التي تحدد حركته وعجزه عن تعيين كوادره، وفشله في إقناع ترمب بشأن قضايا كبيرة، من الأزمة القطرية إلى التغيّر المناخي، كما تشير مجلة "بوليتيكو" الأميركية. 

والأهم من ذلك أن البيت الأبيض يدرك قريبًا أن كل كلمة تخرج منه عن روسيا، وكل اتصال ببوتين يخضع لتمحيص دقيق، وهذا وحده حافز للاعتماد على القنوات الدبلوماسية التقليدية في إدارة العلاقة الثنائية بدلًا من قنوات البيت الأبيض الخلفية.  

محصن من الإقالة

يبدأ هنتسمان مهام عمله محصنًا ضد الإقالة، لأن البيت الأبيض لا يتحمل إقالة أو استقالة مسؤول كبير آخر، ناهيكم عن مسؤول يعمل سفيرًا في روسيا. يعرف البيت الأبيض أن الورقة القوية بيد هنتسمان ضد إقالته هي أن يغادر هامسًا بأن البيت الأبيض كان ساذجًا أو تصالحيًا أكثر مما يجب في تعامله مع روسيا، أو أسوأ من ذلك، أن يصب الزيت على النار المشتعلة بشأن علاقة ترمب وقريبين منه بالكرملين.

عمل هنتسمان رئيسًا لمجلس إدارة المجلس الأطلنطي، وهو مؤسسة بحوث ذائعة الصيت. وبخلفيته الإدارية هذه، يمكن أن يكون عونًا كبيرًا لترمب من داخل مؤسسة السياسة الخارجية. فهنتسمان الذي كان سفيرًا في بكين ليس غريبًا عن المهمات الصعبة في بلدان يتطلب العمل فيها تقديم تطمينات وخوض مواجهات على السواء.

كما أنه على دراية بالتفاعلات المعقدة بين المؤسسات والدوائر المختلفة في الحكومة الأميركية، بعد أن كان جمهوريًا عمل في إدارة ديمقراطية، على الرغم من أنه قرر الاستقالة في وقت مبكر للتنافس على الفوز بترشيح الحزب الجمهوري ضد الرئيس الديمقراطي الذي عينه سفيرًا في الصين. 

هل ينجح؟

قدمت روسيا خدمة كبيرة لترمب بالايحاء للرأي العام أن العلاقة الأميركية - الروسية كانت مجمدة في عهد الادارة السابقة، وبالامكان الآن إعادة إحيائها. كانت دوافع الكرملين من ذلك مكشوفة. ففي هذه الحالة، يجري تصوير أي تحسن مهما كان طفيفًا في العلاقة على انه نصر للكرملين، في داخل روسيا وخارجها.

لا يُعرف في هذا السياق ما يمكن أن تحققه العلاقة "الجديدة" التي يريدها ترمب مع روسيا لمصالح الولايات المتحدة. في الحد الأدنى، يستطيع هنتسمان إحياء المبادرات العملية من زمن باراك أوباما بوصفها إجراءات لبناء الثقة، حتى وهو يسعى إلى إحراز تقدم في ملفات صعبة مثل أوكرانيا واستمرار الأزمة في سوريا. 

السؤال الكبير هو: هل سيُمنح هنتسمان الامكانات التي يحتاجها للعمل من أجل تحقيق اختراق، أيًا يكن حجمه؟ وهل ينجح حاكم يوتا السابق ذو الطبع المعتدل في إدارة تتسم بالفوضى والصراع على النفوذ وتعدد مراكز القوى؟ 

مهمته جسيمة

إزاء النظرة الساذجة والمغرقة في الرومانسية التي تنظر بها حلقة ترمب الضيقة إلى موسكو، فهنتسمان يمنح أميركا أفضل فرصة للتعامل مع روسيا كما هي في الواقع: خصم في أحيان كثيرة، وشريك محتمل في بعض الأحيان بشأن قضايا محددة، واقتصاد في غرفة الانعاش، ونظام سياسي في تراجع يعتمد على أساليب الحرب الباردة، ودولة يحكمها ضابط سابق في المخابرات السوفياتية "كي جي بي" يستخدم الهجمات الالكترونية والأخبار الكاذبة، لأن الدبلوماسية النزيهة الناضجة لا تحقق أجندته، بل ويتصرف في أحيان كثيرة بشراسة عن ضعف وليس عن قوة، على حد وصف مجلة "بوليتيكو". 

وبالنسبة إلى السفير هنتسمان، فمهمته الجسيمة تتمثل في شق طريقه وسط دوامة من الفوضى داخل الادارة الأميركية، وصولًا إلى تعزيز موقع أميركا في العالم، وإعادة بناء تحالفاتها المفككة، وإقامة علاقة حازمة لكنها بناءة مع روسيا. كل ذلك تحت أنظار الرأي العام الأميركي الذي ينظر بعين الشك إلى علاقة ترمب ببوتين. وإذا حالفه النجاح، سيضيف بكين وموسكو إلى قائمة انجازاته. فمن الجائز، بحسب بوليتيكو، أن يكون هنتسمان وزير الخارجية الأميركي المقبل. 

*ترجمة: عبد الاله مجيد


في أخبار