رضوان السيد 

 منذ خمسة أعوام ونيف، يقع العرب في أسر هذه الثنائية الممضّة والمهلكة. لقد أثار اضطراب عام 2011 بعد فترةٍ قصيرةٍ على حدوثه، مخاوف هائلة لدى الطبقات الوسطى في المجتمعات العربية، خشية انتشار الفوضى والعنف. وكان الباعث على ذلك ما شاهدوه من سرعة تفكك السلطات والمؤسسات، ومن استيلاء الشارع وسيطرته على سائر المرافق في الدول التي وقع فيها الاضطراب.
إنّ هذه الحالة سبقتها حالةٌ أخرى دامت عقودًا، من الضيق بالسلطات وسطوتها، والإحساس لدى العامة وأهل الطبقات الوسطى على حدٍ سواء، أنّ الأمر لم يَعُدْ يُطاق، وأنه لا بد من فعل شيء للخروج من ربقة هذا الداء العياء المتمثل في السلطة الجاثمة على الصدور من دون أملٍ في الخلاص، أو في تحسُّن الأمور بينها وبين الناس.
يُسمِّي الكاتب الأميركي سينيت في كتابه: سقوط الرجل العام أو رجل الدولة، هذه الحالة بين السلطات والجمهور: العلاقة الصمّاء، أو انقطاع العلائق. ويقول إنها لا تحدث بالضرورة وبشكلٍ دائمٍ في الأنظمة الشمولية وحسْب، بل إنها يمكن أن تحدث في دولٍ تُعتبر ديمقراطية، عندما تتحول السياسة أو العمل السياسي إلى حرفةٍ شديدة المهنية والروتينية. وهو يضرب مثلاً على ذلك بالولايات المتحدة، ونظام الحزبين فيها، وانتظام «تقاليد» في كل شيء من أشياء أو أُمور العمل السياسي أو العمل العام، إضافة إلى القوانين والأنظمة الكثيرة التي تضبط كل شيء في المجتمعات الضخمة على وجه الخصوص. في مثل هذه المجتمعات السياسية العريقة، تصبح السلطة بقوانينها وأنظمتها ومسالك التصرف فيها بمثابة آلةٍ ضخمةٍ يشعر معها المواطن أنه واقعٌ تحت عبءٍ ثقيل الوطأة. وفي حالاتٍ كهذه لا تعودُ الانتخاباتُ مجالاً مرجَّحًا للتغيير أو التحسين، وتتكاثر احتمالات الهيعات أو انفجارات العنف المفاجئ التي تُواجَهُ بقوات الأمن وأجهزة تطبيق القانون. والإسراف في تطلُّب الأمن والاستقرار يزيدُ من ثقل وطأة ذاك الجهاز الضخم. ويذكر سينيت مثلين لذلك في اندفاعات حركة الحقوق المدنية في الستينات، ثم الاحتجاجات على حرب فيتنام.
بيد أنّ هذه الأمور أقرب إلى الحدوث والسواد في الأنظمة الشمولية بالطبع. وهنا يجد الكاتب أقرب النماذج في حالة روسيا السوفياتية التي انفجر فيها النظام لانسداد كل المنافذ، كما وصف ذلك سولجنتسين في الغولاغ. بيد أن الانفجار وتمادي الفوضى وانعدام الاستقرار، أحدثت خوفًا شديدًا لدى الطبقات الوسطى، وبالتدريج تحول الخوف من الدولة والسخط عليها إلى خوفٍ شديدٍ عليها، وكان ذلك مقدمةً لصعود بوتين الذي صار رمزًا لاستعادة النظام، واستعادة الهيبة!
لماذا انقلب الأمر في روسيا من «الخوف من» إلى «الخوف على» بهذه السرعة، وما حصل ذلك في الولايات المتحدة على سبيل المثال؟ لا يُرجع سينيت وبول كروغمان ذلك إلى عراقة الديمقراطية، وبقاء الأمل في التغيير، بل يُرجعانه إلى استحداث قوانين الحقوق المدنية، وإلى الانسحاب السريع من حرب فيتنام. ومع ذلك، فإنّ هذا الجهازَ الأصمّ للدولة، هو الذي دفع فئاتٍ واسعةً من أهل الطبقات الوسطى الصغيرة باتجاه الدين، فصعدت موجاتٌ من الإنجيليات الجديدة التي بحثت بأشكالٍ غامضةٍ بعض الشيء عن «عدالة السماء». وسارع السياسيون المحترفون بحواسّ الشمّ القوية عندهم إلى اجتذاب جمهور عدالة السماء هذا إلى شباك ماكيناتهم الحزبية بحجة إنفاذ المطالب الدينية في نظامٍ معتبرٍ أنه علماني. وها هم كثيرون يندفعون وراء ترامب غير العقلاني الآن، الآتي من خارج الأطقم الحزبية في إحدى تلك الهيعات ذات الجاذبية الهائلة من جهة، والتي تُحدثُ مخاوفَ كبرى لدى الطبقات الوسطى من جهةٍ ثانية.
إنّ ثنائية الخوف من الدولة والخوف عليها التي تسودُ اليومَ في العالم العربي، لا توجد في بلدٍ دون آخر، ولا في طبقةٍ اجتماعيةٍ دون أخرى، بل تكاد تكون موجودةً في كل المجتمعات، بل وفي دواخل الأفراد. فالاندفاع نحو التغيير بعد طول جمود، أزال الهيبة التي كانت سائدةً للأجهزة في الأنظمة الشمولية ذات الميراث الأمني والعسكري. بيد أن العنف والعنف المضادّ وأحيانا التدخل العسكري والميليشياوي الخارجي، دفع الراديكاليات إلى السطح من جهة، ودفع الناس من جهةٍ أخرى وتحت وطأة الخوف من انعدام النظام إلى تطلب العسكر والشموليات من جهةٍ ثانية.
لقد سيطرت عليّ هذه الفكرة أو التفكير في هذه الثُنائية، ليس تحت تأثير كتاب سينيت وملاحظات كروغمان وحسْب، بل وما حدث ويحدث في ليبيا والعراق وسوريا. لقد قرأْتُ استطلاعًا للرأي أُجري في مصر حول شعبية النظام الحالي، وأنه طرأ عليها الخفوت إلى ما دون الخمسين أو الأربعين في المائة، في حين كانت قبل ثلاث سنوات في حدود الثمانين في المائة. قبل ثلاث سنوات، خاف الناس من الفوضى ومن هيمنة الإخوان، فاندفعوا إلى وساندهم الجيش. بيد أن الواقع البادي بعد ثلاث سنوات، دفع للتفكير مرةً أخرى في أن ما حصل ليس هو الحل. لكن لا تزال هناك مسافة قبل أن يصير الناس بالفعل إلى حالة الخوف من الدولة. ولقد رأيتُ كثيرين من اللاجئين السوريين والعراقيين، يحدوهم الخوف من زوال الدولة أو القرف منها، ويتمنون عودة الاستقرار وانتظام العيش بأي ثمن. وقد قال لي أستاذ ليبي: حفتر ليس عظيمًا، لكنّ الجيش الوطني خير من الميليشيات، ومن الحكومة الدولية!
كيف الخروج من هذه الثنائية المدمِّرة؟ جاء في القرآن الكريم: «ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة»، يعني أي حياة. وهذا طبيعي في حالات التهجير واللجوء العربيين، حيث يبلغ هؤلاء نحو الخمسة عشر مليونًا من سوريا والعراق فقط.
العرب السنة بالعراق يريدون الخلاص من «داعش» بأي ثمن، لكنهم عندما يسمعون ويشهدون على أفاعيل الحشد الشعبي، وقول المالكي رئيس وزراء العراق السابق، إنه يتطلع بعد الموصل إلى حلب واليمن.. لا يعودون يعرفون ماذا يريدون، وماذا لا يريدون. وقد قال لي عربي من الحسكة التي يحتلها الأكراد في شمال سوريا: لقد خرجنا من تحت الدلفة لتحت المزراب، كما يقول اللبنانيون!
ووحده الشعب اللبناني يبدو معصومًا من الأمرين! فهو لا يخاف من الدولة ولا يخاف عليها. وقد قال سياسي لبناني على التلفزيون: عندما كانت الدولة كنا متذمِّرين منها، وما امتلكنا الحماس للدفاع عنها. وها هي الدولة تتصدع، وليست هناك أحاسيس قوية وملحة بضرورة إنقاذها!
الدولة مطلوبةٌ جدًا عند العرب اليوم لأنها مفتقدة، وهذا شأن العقلاء الذين يريدون أوطانًا وأنظمة حكمٍ صالح. لكنْ إذا كانت السلطة مثل السلطات التي لا تزال تقتل شعبها وتهجره، فكيف يكون الافتقاد؟ لا افتقاد لسلطةٍ تحمل الكيماوي والبراميل المتفجرة، ولا افتقاد للسلطة الطائفية القاتلة. وقد قلتُ لأحد اللاجئين السوريين من معرة النعمان: المثل العربي يقول: سلطان غشوم خير من فتنةٍ تدوم! فما تردد وأجاب فورًا: المثل العربي يقول: سلطان غشوم، وليس وحشًا أسطوريًا! فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.