GMT 0:00 2017 الخميس 12 أكتوبر GMT 4:29 2017 الجمعة 13 أكتوبر :آخر تحديث

حربنا القادمة هي الأهم

الصباح البغدادية

عــبــاس عــبــود

كان يا ما كان... في قديم الزمان... قبل ان تتباهى الامم بالاخلاق والمدنية والحضارة، كان الناس يتباهون بما يمتلكون من قوة، كان القوي فيهم يأكل الضعيف، والغني يلتهم الفقير، كان بنو الانسان يتصارعون على خيرات الارض، فيقتل بعضهم بعضا بلا مروءة، فكان الصراع على الماكل والمشرب، ومع تمدد الدول والامبراطوريات تحول الصراع الى ستراتيجيات وتكتيكات لتقنين او احتكار، او التحكم بالقوة والنفوذ.

اكثر مشاهير العصور السابقة لم يكن لهم ان يدخلوا التاريخ لولا بطشهم وقوتهم، فالاسكندر المقدوني، وجنكيز خان، ويوليوس قيصر، وايفان الرهيب، وبطرس الاكبر، وسرجون الاكدي، والعشرات غيرهم حفروا اسماءهم على صفحات التاريخ بحروف من دم الالاف من ضحاياهم.
لكن بالمقابل كان الانبياء والرسل، وكان المصلحون ورجال الفكر والتنوير يرسخون منظومة القيم بصعوبة بالغة، الى ان تحقق لهم ذلك فدخلوا التاريخ بنور افكارهم، فمحمد (ص) وعيسى (ع) وعلي بن ابي طالب (ع) ومن على خطاهم من الصالحين، الهموا الاخلاقيين والمصلحين وفتحوا امامهم طريق كبح جماح الشهوات والنزوات التي تتصاغر امام سمو الذات الاخلاقية. كان حمورابي وسقراط وافلاطون وكونفوشيوس ثم بن خلدون وبن رشد ومن بعدهم جون لوك، وجان جاك روسو، وماركس، ومئات غيرهم من حضارات وثقافات مختلفة اشتركوا في محاولة ايجاد قانون يديم التوازن بين القيم الاخلاقية والنزوات الانسانية، باتجاه التوازن الحضاري الذي لم يتخذ صورته المستقرة الا بعد حروب طاحنة، فتكت بالملايين. وفي مجتمعنا العراقي اليوم نرى نتاج عقود من القسوة وعدم الاستقرار، نتلمس انهيار منظومة القيم التي كان يتباهى بها ابناء الرافدين على انها تميزهم عن سواهم، غابت المثل العليا امام حضور غرائز لم تتمكن القيم الاخلاقية والدينية من كبح جماحها. عانى العراقيون كثيرا من قسوة الحكام حين توالت الانقلابات العسكرية، ثم الحروب الثلاث الطاحنة التي تسبب بها الديكتاتور صدام حسين خلال سنوات حكمه. وما ان تحول العراق نحو الخيار الديموقراطي، وما ان تنفس الشعب رياح التغيير واصبحنا نمتلك قرارنا، ونصنع قدرنا عبر صناديق الاقتراع، حتى داهمتنا موجات الجراد البشري، لتأكل الاخضر واليابس، تمثلت بالارهاب والفساد. كان على الشرفاء في بلادنا ان يخوضوا حربا شرسة ضد الارهاب الاسود، وبحمد الله تمكنوا بالقوة والارداة والحكمة، من تحقيق النصر الساحق. ولكن النصر لم يكتمل بعد، لان امامنا حربا اخرى ، هي الحرب الاهم ضد الفساد الاخلاقي والمالي والاداري، نحن المنتصرين في معارك الميدان، تنتظرنا حرب شرسة من الضروري ان يتكاتف من اجلها الجميع، انها حرب استعادة قيمنا المستباحة، واخلاقنا الموؤدة، وارثنا الحضاري المتبدد تحت طاولات الليل وصفقات الغرف المظلمة.


في جريدة الجرائد