GMT 0:05 2017 الجمعة 13 أكتوبر GMT 4:41 2017 الجمعة 13 أكتوبر :آخر تحديث

المملكة وإعادة تشكيل المشرق العربي

الشرق الاوسط اللندنية

رضوان السيد

إنّ الذي يجري في سوريا الآن شديد الخطورة. إذ تسيطر على الأرض من الجو والقواعد جيوش روسيا الاتحادية، وقد اتخذت لنفسها مساعدَين: إيران، التي تملك جيوشاً وميليشيات، وتركيا التي فرضت نفسها شريكاً، لتمنع تكون كيان كردي على حدودها لجهة سوريا. وإيران شريكة مفروضة على روسيا مثل إسرائيل. وإذا كانت إسرائيل تريد صون حدودها في الجولان السوري - وهو لسوء الحظ أمر مسلَّمٌ به من جانب أميركا وروسيا - فهي تريد أيضاً مكافحة تنامي قوة حزب الله في لبنان وسوريا، وهو الأمر الذي يسبب لروسيا بعض الإشكاليات مع حلفائها. وبوتين ليس مضطراً إلى مشاركة إيران بسبب وجودها على الأرض السورية فقط، بل ولأنّ بينهما صفقات مالية كثيرة، ولأنها تقف في مواجهة الولايات المتحدة. وكذلك الأمر مع تركيا، فبالإضافة إلى الصفقات والمصالح الكبيرة المتبادلة، هناك تباعُدٌ متزايدٌ بين تركيا والولايات المتحدة على عدة أمور، إلى درجة أنّ تركيا عضو الناتو تريد شراء سلاحٍ من روسيا!

تركيا تقول إنّ هدفها محدود هو: منع الأكراد من التمدد، والسعي لاحقاً للاستقلال. أما الإيرانيون فيصرِّحون بهدفهم: يريدون السيطرة على العراق وسوريا ولبنان، وتشكيل محور يتزعمونه في هذه البلدان.

والعرب غائبون عن الساحة السورية أو يكادون، وذلك باستثناء ما يقال عن مشاركة ضئيلة لمصر، ومن خلال روسيا أيضاً.
تدخلت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات مع التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة لمكافحة إرهاب «داعش» ودويلتها عام 2014، وهي تحاول إقامة علاقات طبيعية مع بغداد، وما كان موقفها حاداً في استفتاء كردستان.

أما في سوريا فبدأت البداية السليمة، وهي الدخول على خط الانتقال السياسي من خلال القرار «2254» لمجلس الأمن. إذ لا تستطيع المملكة رعاية للشعب السوري أن تدخل على خط النزاع المسلَّح، ولا على خطّ الاعتراف غير المشروط بالنظام. وهكذا ورعاية لحقوق الشعب السوري احتضنت الهيئة العليا للمفاوضات، التي تطالب بالحل السياسي أيضاً.

وهذا فضلاً عن عشرات التنظيمات المستعدة لإلقاء السلاح والدخول في المرحلة الانتقالية. فهناك مدخلان للتدخل العربي من أجل السلام في سوريا ووحدة أراضيها: مدخل الهيئة العليا للتفاوض، ومدخل المتحمسين للحل السياسي من الذين يناضلون بالداخل السوري. وقد سبق للروس أن أبدوا ترحيبهم بمساعي السعوديين لتوحيد المعارضة، بغرض الدخول بعد وقف إطلاق النار، والقضاء على الإرهاب، على خطوط الانتقال السياسي، مثل الحكومة المسؤولة، والمعتقلين، واللاجئين، والمساعدات الإنسانية، والدستور، والانتخابات، وإعادة الإعمار.

وإذا كانت المملكة تتدخل بالعراق لدعم الاستقرار، والعلاقات الطبيعية، ورعاية منكوبي الحرب بعد إزالة «داعش»، فإنّ الانتقال السياسي هو الشرط الضروري للعودة إلى سوريا العربية، حيث يؤمل بالسلم والتفاوض، بلوغ ما لم يكن بلوغه بالاقتتال ممكناً، ومن ضمن ذلك الخلاص من بشار الأسد وزمرته في أجلٍ مسمَّى.

لقد ناضلت السعودية طويلاً أيام أوباما لكي يكونَ الانتقال السياسي هو مآلُ الأزمة السورية. لكنّ أوباما كانت أولويته إرضاء إيران التي زادت من تسعير النزاع المسلَّح، والامتداد على الأرض، في مقابل التسوية على الملف النووي. وعندما رأى السعوديون أنّ الأميركيين لا يريدون في سوريا غير مكافحة «داعش»، ورعاية الأكراد؛ بدأوا بالاستماع إلى ما يعرضه الروس. وقد عرضوا أن تكونَ السعودية في آستانة إلى جانب إيران وتركيا. لكنّ السعودية التي لم تتورط في دعم المسلَّحين، ما رأت أن تقف في صف واحد مع الذين جاءوا إلى سوريا للمغانم والنفوذ ولو أدّى ذلك إلى التقسيم. وهذا فضلاً عما تعرفه عن إيران من رعاية للإرهاب والتهجير والقتل في كل المنطقة.

وكما فعلت في لبنان منذ أواسط الثمانينات؛ إذ ظلّت بمنأى عن صراعات النزاع الأهلي ومناطق النفوذ، ثم تدخلت مع السياسيين اللبنانيين وصنعت وقف النار والطائف والدستور - فإنها تأمُلُ وتعملُ لكي يجري الشيء نفسُه في سوريا، من طريق احتضان المعارضة السياسية السورية، والتعاون مع روسيا لمرحلة ما بعد الحرب، بعد أن صارت على يقين أنّ الروس يمكن أن يفرضوا على النظام الجدية في إنقاذ القرار رقم «2254»، وأن يحدّوا بذلك من النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة كلها.

وبالطبع، ما كانت زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لروسيا لهذا السبب وحده. لكنَّ أمر سوريا كان بنداً مهماً على جدول أعمال القمة بين الملك سلمان والرئيس بوتين. وقد وضع الملك يده على مكمن الداء عندما ذكر إيران باعتبارها عاملاً رئيسياً في زعزعة الأمن، والتدخل في ضرب استقرار البلاد العربية وأمنها.

ولا شكّ أنّ الضمانة الروسية في هذا الصدد شديدة الأهمية، لكنّ ذلك لا يجعل الأمور أسهل. لأنّ إيران اتخذت نهج التخريب هذا منذ غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003. وهي تتمدح على لسان مسؤوليها وعلى لسان نصر الله بما حققته من انتصاراتٍ من طريق القتل والتخريب والتكفير وإحلال دماء العرب، والاستيلاء على أرضهم بالميليشيات الطائفية الأفغانية والعراقية واللبنانية.
وفي هذا الصدد بالذات، تستطيع المملكة التعاون مع مصر والإمارات والأردن، وهي الدول العربية المهتمة بسلامة الدولة السورية، ووحدة أراضيها، والصديقة في الوقت نفسه لروسيا.

وإذا كانت المملكة ما استطاعت إقناع إدارة أوباما بضرورة مواجهة التدخلات الإيرانية في البلاد العربية؛ فإنَّ إدارة ترمب أعلنت عن إرادتها التصدي لإيران وميليشياتها للإخلال بالاتفاق النووي السيئ في الأساس في نظرها، ولتطوير الصواريخ الباليستية الخطِرة، ولممارسة الإرهاب في المنطقة والعالم. ولذا فإنّ الضغوط ستشتد على إيران وميليشياتها، ويستفيد من ذلك السكان العرب في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

وإذا أضفنا إلى ذلك أنّ شركاء المملكة العرب في مصر والإمارات، يعملون على إنهاء النزاع في ليبيا، كما يعملون على المصالحة الفلسطينية؛ فإنّ هذا التحالف العربي الذي تدخل في اليمن أيضاً لاستعادة الشرعية والاستقرار، يملك بسبب إمكانياته الفائقة ورساليته العربية وعلاقاته الدولية الجيدة - فرصة لاستنقاذ الدولة الوطنية في ليبيا والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان واليمن، ولو بالشراكة مع المجتمع الدولي، وهي فرصة ما كانت حاضرة ولا ممكنة، لولا تبلْوُر هذا الاتجاه لمكافحة الإرهاب والاستقرار وإعادة البناء، بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز، والمملكة العربية السعودية.


في جريدة الجرائد