GMT 0:00 2017 الجمعة 10 نوفمبر GMT 9:51 2017 السبت 11 نوفمبر :آخر تحديث

رد الصاع لإيران

عكاظ السعودية

خالد عباس طاشكندي

كان أمراً مثيراً للدهشة تعجب بعض المراقبين العرب وتساؤلاتهم عبر وسائل الإعلام حول أسباب التصعيد السعودي ضد البلطجة الإيرانية في المنطقة وفي هذا التوقيت؛ فالمسألة لم تعد تحتمل أي تأويل منذ أمد بعيد، بعد أن وطئت أقدام النظام الإيراني «خمس» عواصم عربية إحداها خليجية، وعاثوا فيها فساداً وسعياً لتخريب كل معالم دولة المؤسسات والقانون والوقوف ضد أي مظهر من مظاهر المدنية والتطور، وكان من آخر تداعيات التدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة ومشروعها التوسعي، استقالة رئيس وزراء لبنان خوفاً على حياته من مؤامرات حزب الله الإيراني، ثم تلاها سقوط صاروخ باليستي إيراني على العاصمة الرياض، فهل يتوقع هؤلاء من السعودية أن لا تصعد وتتمسك بـ «حق الرد» والتصدي للمساعي الإيرانية الرامية للإخلال بأمننا الوطني؟!

لقد دأبت الحكومة الثيوقراطية في إيران منذ ثورة فبراير 1979 على تصدير الفوضى للمنطقة من خلال خلق شراكات إستراتيجية مع عصابات طائفية بهدف تحقيق تطلعاتها في اتساع رقعة نفوذها الإقليمي، معتمدة على ثلاث إستراتيجيات أساسية: «تسليح الميليشيات المناهضة لدولة المؤسسات والقانون، وإرهاب الدول والحكومات، ونشر الفتن الطائفية والمذهبية»، فنجم عن هذه السياسات التخريبية، نشوب حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران عام 1980، وتفاقم الصراع خلال فترة الحرب الأهلية في لبنان بتدخل الحرس الثوري عام 1982 وتأسيسه لحزب الله لتمتد الخلافات في لبنان إلى يومنا هذا، وكذلك الحرب الأهلية في أفغانستان 1989، ودعم تأسيس حركة «الشباب المؤمن» في صعدة باليمن عام 1992 والمعروفة حالياً بـ «أنصار الله» أو جماعة الحوثي ودعمها مباشرة في حربها ضد الحكومة اليمنية (2004-2011) وفي اشتباك الحوثيين مع القوات السعودية في الحد الجنوبي 2009، ودور إيران الدموي في الحرب الأهلية السورية منذ 2011، والحرب الأهلية في العراق (2011)، وأخيرا وليس آخراً، الدعم الإيراني لميليشيا الحوثي والمساهمة في الانقلاب على الحكومة الشرعية في اليمن 2015 وتقديم الدعم اللوجيستي للحوثيين بتهريب الأسلحة والصواريخ البالستية وإرسال وكلائها لتدريب عناصر الحوثي على استخدام هذه الأسلحة ضد أهداف مدنية.

وبعد كل هذا التدنيس للأراضي العربية، لم تجد الشخصيات القيادية في نظام الملالي حرجاً من التبجح بالتصريح علناً حول سيطرتها على عدد من العواصم العربية، ففي 2015 قال حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة نجاد، إن «إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية»، مضيفاً أن «الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود، وأن جماعة الحوثيين في اليمن هي أحد نتاجات الثورة الإيرانية»، وفي ذات الفترة، قال نائب قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي، لوكالة مهر الإيرانية، إن «المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع للثورة الإسلامية خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سورية ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان»، في حين اعتبر مستشار الرئيس الإيراني لشؤون الأقليات علي يونسي أن العراق «عاصمة لإمبراطورية إيران الجديدة»، وفي ذات السياق، صرح نائب قائد فيلق القدس اللواء إسماعيل قائاني لوكالة «فارس» التابعة للحرس الثوري الإيراني، قائلاً إن «إيران مستمرة بفتح بلدان المنطقة وإنها بدأت بسيطرتها على كل من أفغانستان والعراق وسورية وفلسطين، وتتقدم اليوم في نفوذها في بقية بلدان المنطقة».

لا شك أن إيران دولة مارقة، لا تعترف بالأنظمة والقوانين الدولية ولا تلتزم بالمعاهدات والمواثيق ولا تحترم سيادة الدول ولا تأبه بمبادئ حسن الجوار وفقاً للأعراف والأنظمة الدولية، ولم ولن تجني أي دولة من الدول التي يتواجد النظام الإيراني على أراضيها، سواء بشكل مباشر أو بالوكالة، أي فائدة سوى الفتن والخراب والدمار، ولن تتخلص السياسة الإيرانية من الأيديولوجيات التي تتبناها ومشاريعها التوسعية في المنطقة إلا برادع عسكري، وهذا هو الواقع، حيث لم تجدِ معها سلسلة طويلة من العقوبات الدولية، فمنذ حادثة اختطاف الرهائن الأمريكيين عام 1979 والولايات المتحدة تفرض على إيران عقوبات اقتصادية متعددة لكبح نشاطها النووي المشبوه ودور الحرس الثوري في نشر أسلحة الدمار الشامل، وفي الفترة ما بين 2006 إلى 2010، أصدر مجلس الأمن الدولي 6 قرارات بحق إيران، من بينها القرار 1929 الذي يفرض منع إيران من المشاركة في الأنشطة المتعلقة بالصواريخ البالستية وتشديد الحظر المفروض على هذه الأسلحة، ومع ذلك لا تزال إيران ماضية قدما في انتهاكاتها وتهديدها للأمن والسلم العالمي.

وأمام هذا الهجين من التبجح والبلطجة والازدراء والحقد الإيراني، والانتهاكات الصارخة لقرارات مجلس الأمن وخاصة القرار (2216)، اقترب موعد دفع الثمن؛ إذ لا يعني أن المملكة وسياستها المتزنة في التعامل مع ملفات المنطقة المضطربة بحكمة وصبر أن يفهم بأنه ضعف، فأي عدوان مباشر أو غير مباشر سيقابله «حق الرد» دفاعاً عن أراضيها وشعبها ومصالحها وبما يكفل ردع المعتدي.


في جريدة الجرائد