GMT 0:00 2017 السبت 2 ديسمبر GMT 6:25 2017 السبت 2 ديسمبر :آخر تحديث

ما مدى نجاح الحملات الفكرية ضد التطرف؟

الشرق الاوسط اللندنية

إيلي ليك

شنّت وزارة الخارجية الأميركية، خلال فترة كبيرة من رئاسة باراك أوباما، حرباً كلامية ضد المتطرفين في العالم. ومن داخل مكتب صغير في حي فوغي بوتوم القديم بالعاصمة واشنطن، المعروف باسم مركز الاتصالات الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب، كان فريق من الخبراء ينشرون الرسائل المناهضة لفكر «القاعدة» وفيما بعد ضد «داعش».

ومع اقتراب عام 2017 من نهايته، يعيد الكثيرون ممن يشنون الحرب عبر الإنترنت ضد قلوب المتطرفين وعقولهم النظر في تلك الاستراتيجيات. والقلوب والعقول لا تزال مهمة بطبيعة الحال. ولكن الجهود المبذولة من الحكومات الغربية، والخبراء الأكاديميين، والقطاع الخاص في صياغة المحتوى والقصص على الإنترنت بهدف تشويه سمعة الإرهابيين وصورتهم كانت في غالب الأمر بطيئة أو خرقاء. ومن الصعب أيضاً قياس مدى فعالية هذه الحملات في الواقع.

نلقي نظرة على مبادرة وزارة الدفاع الأميركية، التي تحمل عنوان «اعد التفكير... واتجه بعيداً». لقد أصبحت غير ذات جدوى، ولكن عند إطلاقها للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في عام 2013، كان حساب «تويتر» للبرنامج يحاول بصورة دورية التفاعل على الإنترنت مع الأعضاء المزعومين لتنظيم داعش. ولقد كان أمراً شديد الغرابة إذ حاول المسؤولون الحكوميون التفاعل مع الإرهابيين على وسائل الإعلام الاجتماعية. ووصفت ريتا كاتز، مديرة مجموعة «سايت» الاستخبارية، الأمر بقولها: «سخيف للغاية»، في مقالة مطولة حول المبادرة نشرتها مجلة «تايم».
ويطرح كثير من الخبراء في مجال التطرف السؤال التالي: إذا لم تتمكن من هزيمتهم، فلماذا لا تحظرهم؟ بدلاً من إنتاج المحتوى والقصص الجديدة على الإنترنت لتشويه سمعة وصورة الدعاية الإرهابية، لماذا لا نجعل المواد السامة التي ينشرها المتطرفون عصية على الوصول إليها في شبكة الإنترنت؟ والأفضل من ذلك، لماذا لا نعمل على إزالة هذا المحتوى تماماً من شبكة الإنترنت بالكلية؟

وكان هاني فريد، أستاذ علوم الحواسيب في كلية دارتموث وكبير مستشاري مشروع مكافحة التطرف غير الهادف للربح قد أخبرني قائلاً: «أنا غير مقتنع بالعمل على الخطاب المضاد. ولا أعتقد أنه يسبب أي ضرر للآخرين. ولم أرَ أي أدلة تفيد بفعالية هذه المبادرات».
والسيد فريد هو أحد الأصوات البارزة اليوم في حث منصات الإنترنت على التعامل مع الدعاية الإرهابية وقد ساعد في تطوير لوغاريتمات تعمل على أتمتة عملية التعرف على الفيديوهات المتطرفة عبر الإنترنت، وحتى التعرف على النسخ المأخوذة منها. مما يسهل الأمر كثيراً على تمشيط مختلف مناحي شبكة الإنترنت بحثاً عن المحتويات السامة، التي يمكن إزالتها بعد ذلك.
ولقد حقق السيد فريد ومشروع مكافحة التطرف انتصاراً مهماً في الآونة الأخيرة. وكما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخراً، بدأ موقع «يوتيوب»، المملوك لشركة «ألفابيت»، وهي الشركة الأم لشركة «غوغل» العملاقة، في إزالة فيديوهات أنور العولقي المنظر السابق لتنظيم القاعدة. وكان العولقي من أصوات الدعاية المتطرفة والفعالة باللغة الإنجليزية لتجنيد الناس عبر الإنترنت للانضمام إلى «الجهاد العالمي». وكان كثير من الإرهابيين المحليين يستشهدون بأعماله باعتبارها مصادر الإلهام الأولى بالنسبة لهم. وعلى الرغم من مقتله في غارة بإحدى الطائرات العسكرية المسيّرة في عام 2011، فإن فيديوهاته استمرت في نشر رسالته في الفضاء السيبراني حتى الآن. ولقد عمل مشروع مكافحة التطرف على توثيق انتشار فيديوهات العولقي في السنوات الأخيرة، ومن ثم نجحوا في إقناع موقع «يوتيوب» أخيراً بإزالة تلك الفيديوهات.
وكانت هذه من القضايا المتطرفة. ولكن هناك أساليب أكثر ليونة كذلك. ففي عام 2015، قام موقع «جيغساو» المعني بقضايا الأمن القومي لدى شركة «ألفابيت»، باختبار برنامج رائد يحمل اسم «ريدايركت». ولقد أظهر بعض إعلانات «غوغل» للأشخاص الذين بحثوا باستخدام كلمات دليلية من شأنها أن تؤدي إلى دعاية لصالح تنظيم داعش. وكانت نتائج البحث التي حصلوا عليها عبارة عن مقاطع فيديو تهدف لتشويه سمعة الدعاية الرئيسية لتنظيم داعش. وأحد الفيديوهات أظهر امرأة عجوزاً تصرخ في وجه اثنين من مسؤولي «داعش» بسبب عمليات القتل الوحشية التي يقومون بها ضد الأبرياء.
وهذا لا يعني حظر جميع مقاطع الفيديو المرتبطة بحسابات تنظيم داعش. بل يعني أن الأشخاص الذين يسعون وراء هذه الفيديوهات سوف يتجهون تلقائياً إلى مشاهدة الفيديوهات المضادة التي تشوه سمعة التنظيم وعناصر التجنيد فيه.
ولقد أخبرتني ياسمين غرين، مديرة قسم الأبحاث والتطوير في شعبة الأبحاث الفطرية بشركة «ألفابيت»، أن أبحاث الشركة «تشير إلى أن جهود مكافحة السرد المتطرف التقليدية لم تكن تتصدى للجمهور المستهدف، لأن المواد كانت إما أخلاقية أو غير موثوق فيها بسبب الجمعيات أو الحكومات أو وسائل الإعلام الرئيسية - وهي المؤسسات التي لا يثق بها أكثر الناس عرضة لمحاولات التجنيد للحاق بركب التطرف الإسلاموي العنيف». وأضافت السيد غرين تقول: «والأنباء السارة أن هناك محتويات تقوض من الخرافات التي يبثها تنظيم داعش عن نفسه، وهي محتويات صادرة عن أصوات ذات مصداقية، غير أنها لا تجد الجمهور الذي تستحقه على الدوام».

كما أخبرني ديفيد غارتنستاين روس، وهو زميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومستشار في مشروع «ريدايركت» التابع لشركة «ألفابيت»، أن هذا المنهج من المناهج الواعدة. ولكنه أضاف أنه من المهم تطوير طريقة أفضل لقياس مدى فعالية السرد المضاد على الإنترنت. وقال: «لا يمكنك قياس تأثير أحد الفيديوهات من عدد الأشخاص الذين شاهدوه فحسب، لأن الفيديو الأكثر مشاهدة لا يعني بالضرورة أنه يستهدف الجمهور الصحيح. ولكن الفيديو الأقل مشاهدة قد يستهدف بالفعل الجمهور المنشود».
وقال إريك شميدت، الرئيس التنفيذي لشركة «ألفابيت» لجمهرة من كبار المسؤولين الحكوميين في الأمن القومي، والصحافيين، والخبراء، في وقت سابق من الشهر الحالي، إن الشركة تتطلع بشكل متزايد إلى تعزيز شروط الخدمة بطريقة لم تكن تعتمدها في الماضي. ولقد وصف ذلك بأنه «بلوغ حد النضج فيما نفعله». وأضاف يقول: «لقد بدأنا بموقف يمثل وجهة النظر الأميركية العامة، وهو أن السرد السيئ سوف يتم استبدال السرد الجيد به في الشبكة المزدحمة بالمتابعين». وتدرك الشركة في الوقت الراهن أن العوامل السيئة يمكن أن تغمر شبكة الإنترنت بالأخبار المزيفة، والدعاية الكاذبة، وغير ذلك من المواد والمحتويات السامة.


«بلومبيرغ»


في جريدة الجرائد