GMT 0:00 2017 الأربعاء 6 ديسمبر GMT 5:57 2017 الأربعاء 6 ديسمبر :آخر تحديث

النأي بالنفس لا يكفي

الجزيرة السعودية

جاسر الحربش

النأي بالنفس يعني التعامل مع طرفين متناقضين أو أكثر بنفس القياس، بصرف النظر عن الهويات والمصلحة الراجحة ومحاولة تصحيح الواقع. النأي بالنفس الذي يحاول السياسيون اللبنانيون تسويقه للطرفين العربي والإيراني يعني أن لبنان السياسي يفضّل القبول بسيطرة حزب الله الإيراني بالتزامن مع بقاء التمصلح الاقتصادي مع العرب. قبول التعامل مع حزب الله الإيراني يعني الصمت عن أعماله التخريبية وعدوانيته ضد السعودية والإمارات والبحرين والكويت واليمن. أكثر من ذلك هو يعني قبول تهريب المخدرات والسلاح والمتفجرات إلى السعودية من لبنان وتدريب الحوثيين على حروب العصابات وإطلاق الصواريخ. كل هذه الممارسات العدوانية تصب في قنوات السياسة الإيرانية بدون أن تقابلها مصالح اقتصادية أو أمنية من إيران لصالح لبنان.

على الطرف الآخر، سياسة النأي السياسي اللبناني تعني المطالبة باستمرار تدفق الأموال من دول الخليج باتجاه لبنان، وهي أموال هائلة بمليارات الدولارات بعضها حلال من عرق الجبين وبعضها من قنوات الشراكة بين الفساد الذي يستفيد منه اللبناني والفساد الذي يعاني منه الخليج بشدة. ما هي النسبة من هذه الأموال الخليجية التي تدخل في جيوب حزب الله، لا شك أنها كبيرة لأن الحزب يملك وحده إمكانيات الابتزاز والتهديد والقدرة على تصفية من لا يدفع الخوة طلباً للسلامة.

أول مرة أسمع فيها مصطلح النأي بالنفس كانت من رئيس الوزراء اللبناني وهو يقدّم استقالته هنا في الرياض وشعرت من سماعها بامتعاض شديد. كيف يشترط رئيس وزراء دولة عربية سني للعدول عن استقالته أن ينأى لبنان بنفسه عن العرب وعن إيران بنفس القياس؟ المؤكد أن رئيس الجمهورية اللبناني عون في حالة تصالح مؤقتة فقط مع جزء من الطائفة المسيحية، لكنه مرتبط شخصياً مع كل حزب الله، وذلك هو كل قاعدة عون السياسية. غالبية المسيحيين اللبنانيين ليسوا على وفاق مع الرئيس عون وكوادره الحزبية، أما الدروز فصامتون يراقبون عن بعد كالعادة. رئيس الجمهورية عون يضغط لصالح نفسه وعائلته ودائرته الحزبية الضيقة على الآخرين بتحالفه مع حزب الله المسلّح، وحزب الله يضغط بميليشياته ويمسك بلبنان من العنق، والسياسيون يعرضون النأي بالنفس ضد مصالح طوائفهم وضد المستقبل الأمني العربي بكامله، بمن فيهم ممثّل الطائفة العربية السنية رئيس الوزراء.

هذا الوضع لا يمكن قبوله ووصفه نأياً بالنفس، بل خضوعاً لواقع يقبل الإذلال والتبعية للأجنبي. القسم المؤدلج فقط من شيعة لبنان يقولون هيهات منا الذلة ولبيك يا خامنئي ويفرضون على الأطراف الأخرى النأي بالنفس. تباً لكل نأي بالنفس في مثل هذه الظروف الخطيرة.


في جريدة الجرائد