GMT 0:00 2017 الجمعة 8 ديسمبر GMT 2:35 2017 الجمعة 8 ديسمبر :آخر تحديث
بمناسبة افتتاح فيلم «عداوات» مهرجان دبي

هوليوود المنحازة للبيض تنتصر للمواطنين الأصليين

الشرق الاوسط اللندنية

دبي: محمد رُضا


«عداوات» لسكوت كوبر الذي افتتح الدورة الثالثة عشرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، يفاجئ المشاهد على أكثر من نحو. حكاية كابتن أبيض متعصب يتعلم معنى التسامح والسلام مع المواطنين الأميركيين الأصليين للبلاد عبر رحلة صعبة زماناً ومكاناً.

لن يكون الفيلم الذي سيحشد الجمهور من جديد لمشاهدة سينما الوسترن. بكلمات أخرى، ليس الفيلم الذي سيعيد لهذا النوع نتاجاته المتكاثرة التي سادت الأفلام الهوليوودية حتى منتصف الستينات. لكنه، بالتأكيد، الفيلم الذي سيجعل المشاهدين، الجدد على الأقل، التعرف إلى بعض ذلك التاريخ الطويل للشعب الأميركي الذي يُطلق عليه، وعلى نحو خاطئ، «الهنود الحمر».

كانوا، كما نعلم جميعاً الآن، السكان الأصليين لكل القارة الأميركية الشمالية والجنوبية. في الشمال (كندا والولايات المتحدة) تألفوا من 500 أمة، كل منها بثقافات وعقائد وعادات مختلفة وإن تشاركوا في كونهم المواطنين الأصليين للقارة.

حين دلف الغربيون اعتبروا، على نحو غير بعيد مما حدث في فلسطين لاحقاً، أن الأراضي حرة ليست مملوكة لبشر من قبل، على الرغم من مواجهتهم مقاومة واسعة من قبل القبائل التي توزعت فوق تلك القارة.

بالنسبة للأوروبيين البيض، كان هؤلاء شعب همجي لا يعرف الديانة المسيحية ويعيش على القتل والتقاليد غير المتحضرة. وبما أنّ فرنسا وبريطانيا تقاسما شرق وجنوب الولايات المتحدة وكندا، فقد سعى كل طرف لاستقطاب قبائل تقاتل معها ضد الطرف الآخر، حتى استتب الأمر، في القرن الخامس عشر على دحر البريطانيين للفرنسيين إلى ما هو معروف اليوم بمقاطعة كيبوبك الكندية وسيطرة الإنجليز على كل ما هو معروف الآن بالولايات المتحدة. وساد هذا الوضع إلى أن قامت الثورة الأميركية التي انتهت بإعلان استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في الرابع من يوليو (تموز) سنة 1777.

رؤية رجل هندي

خلال تلك الفترة لازم الأوروبيون المهاجرون إلى شرق وجنوب الأراضي الأميركية، تلك البلاد الشاسعة الممتدة شرق نهر المسيسيبي. تعرضوا لهجوم القبائل الشرقية (بونتياك، وموهيكانز، وسيمينويل وسواهم) واعتدوا بدورهم عليهم لدحرهم على الأراضي التي أرادوا الاستيلاء عليها.

قليلون حتى ذلك الحين اجتازوا المسيسيبي غرباً، لكن ما إن استتب الحال في الشرق حتى بدأت الهجرة الكبيرة صوب الغرب مباشرة بعد استكشافها، وعلى الأخص من بعد أن تداول المستكشفون عن وجود جبال من الذهب والفضة. الاندفاع صوب الغرب لم يختلف في كيانه عن الاندفاع السابق لاحتلال الأراضي الشرقية. في ظاهره التحضر والتطويع والتقدم العمراني والاجتماعي وفي باطنه السعي للاستثمار الصناعي سلماً أو حرباً.

في سبيل ذلك، واجه البيض مقاومة أكبر من قِبل قبائل مختلفة عن تلك الشرقية من بين الشيروكيز والشايين والسيوكس والأباتشي. لكن التاريخ يكشف عن مئات القبائل الأخرى التي يمكن لمن يرغب مطالعتها على الإنترنت. ما هو مهم أنّه من بين 500 أمة (كل منها بقبائل متعددة)، تقلص العدد إلى خمسة أو نحوها. مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان الأمر قد استتب للمواطنين المهاجرين وتحوّل الأصليون إلى شعوب متناثرة ومدمّرة تعيش على ما توفره لهم الحكومة من مؤن وفي محافظات ومعسكرات بعدها لا يزال موجوداً لليوم (على الطريق بين بلدتي تشاندلر وكوليدج تكمن جيوب لقبيلة نافاهو تتبدى من الطريق العام بعيداً).

السينما تعاملت مع جوانب مختلفة من هذا التاريخ وحملت إلى المشاهد نتائج متباينة لهذا التعامل. المخرج الأسطوري د. و. غريفيث أنجز أكثر من فيلم حول ما عرف بـ«الهنود الحمر». أحد أفلامه هذه كان «رؤية الرجل الهندي» (The Red Man‪›‬s View) سنة 1909 الذي قدم فيه نقداً واضحاً للبيض وممارساتهم العدائية حيال بقايا قبيلة هندية مسالمة يجبرهم البيض على إخلاء مكانهم، مما يبعثر إحدى العائلات التي يستخدمها غريفيث كنموذج لما هو أشمل.

بالنسبة لسينما ذلك الحين، فإن النتاج الشامل كان تقديم أفلام يسبر الكثير منها جوانب حياة القبائل في الغرب الأميركي. بعض تلك الأفلام كانت من بطولة ممثلين من تلك القبائل. لكن في عام 1930 حقّق مخرج أبيض فيلما عنوانه «العدو الصامت». جله دار حول المصير البائس للهنود الحمر مثّل فيه مواطنون أصليون فقط. إنّه فيلم مغامرات عن شعب يواجه الجوع بعدما رُحّل من موطنه الأصلي حيث يتكاثر الصيد، إلى مناطق ضحلة لا صيد فيها. العنوان ذاته يقصد الجوع الذي واجه أبطال الفيلم.

المخرج كان هـ. ب. كارفر و«العدو الصامت» كان أول فيلم له وبعده حقق فيلما آخر ثم اختفى. لكن العام ذاته كان العام الذي أخذت هوليوود تنحو فيه صوب تصوير الهندي كعدو شرس ومتوحش يهاجم العزل والأبرياء ويحاول إيقاف عقارب الحضارة والمدنية، مما يستوجب محاربته وكسره.

عنصرية فورد

لم تعن تلك الأفلام بالحقيقة بل بتوفير ينبوع لا ينضب من مشاهد القتال حيث وجهة النظر الوحيدة التي يمارسها الفيلم هي تلك التي تؤول إلى «البطل» الأبيض ومن يؤازره.

من بين سيل طويل من هذه الأفلام برز سنة 1939، فيلم جون فورد الشهير «عربة» Stagecoach الذي عمل على نمط تقسيم من فيه إلى أخيار بيض وأشرار هنود. الفيلم رائع في الصورة والشكل وربح أوسكارين في زمانه، لكنّه مبطن بمنهج عدائي واضح للعنصر الآخر تماماً كمعظم أفلام فورد الذي يعتبره كثيرون من أهم مخرجي السينما الأميركية.

أحد أكثر أفلامه بحثاً في موضوع العلاقة بين «البيض والحمر»، ورد سنة 1956 تحت عنوان «الباحثون» حول دافع انتقامي مغلف بطبيعة عنصرية لرجل يبحث عن قريبته البيضاء التي اختطفها زعيم هندي. صحيح أن فورد لا يخفي عنصرية بطله (جون واين)، إلا أنه يباركها ويحميها من التشويه.

قليل من أفلام الفترة الممتدة من الثلاثينات وحتى منتصف الخمسينات احتوت على نظرة عادلة وبطل أبيض يواجه البيض معارضاً المعاملة التي يتعرض لها الهنود. لكنّ الحال تغيّر تدريجاً وحتى اليوم.

نجد في «سهم مكسور» (Broken Arrow) لدلمر ديفز صورة تقترب كثيراً من تقديم وضع استثنائي لما كان سائداً في مطلع الخمسينات. جيمس ستيوارت في دور رجل أبيض مستقل برأيه يقع في حب امرأة هندية تنتمي إلى شعب حي له شخصيته. قبل ذلك وبعده عدد من الأفلام التي بدأت بالحديث عن شرور البيض التي تدفع الحمر إلى الدفاع عن أنفسهم وأراضيهم على الرغم من تفاوت القوى.

وحكاية الجنرال كستر، الكابتن الذي امتلأ بالبغض حيال الهنود الحمر، وكيف سقط قتيلاً وسط جنوده في معركة حاسمة قادتها قبائل الشمال ضده سنة 1839 (آخر موقعة كبيرة انتصر فيها المواطنون الأصليون)، نموذج للمعالجات المؤيدة أو المناوئة لتلك القبائل. فهو بطل في أكثر من فيلم، بينها «كستر الغرب» لروبرت سيودماك (1967) وعسكري أحمق في «سيتينغ بُل» (Sitting Bull) لسيدني سالكوف (1954).

«عداوات» يأتي في أعقاب صف طويل من الأفلام الحديثة نسبياً التي لم تعد تقدّم الأميركي الأصلي على أساس أنه طفرة نباتية بين البشر، بل تعامله اليوم على أساس أنه هو المواطن الأول صاحب الأرض التي انتزعت منه والتاريخ الذي شوه بغية بيع تذاكر الفرجة للمنتصرين.


في جريدة الجرائد