FINANCIAL TIMES 

 روجر بليتز من لندن

سعر الجنيه كان 1.30 دولار في 30 أيلول (سبتمبر)، اليوم الذي كان فيه المحامون يصطفون لمحاولة عرقلة "خروج بريطانيا" في المحاكم، وثقة المستهلكين كانت تتحدى التنبؤات الصعبة ما بعد الاستفتاء، وشركة نيسان تُطالب بتعويض مقابل البقاء في المملكة المتحدة.


أصبح المستثمرون على دراية بعدم إمكانية التنبؤ بـ "خروج بريطانيا". لكن قلة منهم كان من الممكن أن تعتقد أن الاسترليني الذي كتب عنه مارتن إنلوند، محلل بنك نورديا، الأسبوع الماضي تغريدة جاء فيها "العملة الأكثر كرهاً في العالم المعروف"، يُمكن أن يكون قريبا من استعادة مثل هذا المستوى بسرعة كبيرة.
الافتراض العملي لبقية عام 2017 كان، في أحسن الأحوال، أن يواصل الجنيه التداول في نطاق 1.20 ـ 1.27 دولار الذي كان سائدا على مدى ستة أشهر. لم يتمكن متداولو العملة ومديرو المال من تحديد حافز لرفعه إلى أعلى قبل قرار الانتخابات المفاجئ من قِبل رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، يوم الثلاثاء.
ارتفاع الاسترليني من مستوى منخفض قريب من 1.25 دولار في بداية الأسبوع إلى 1.29 دولار جعل المستثمرين يتساءلون عما إذا كان هذا يُميّز بداية انتعاش مُستدام، أم أنه ارتفاع سيتلاشى قريباً بمجرد استكمال التصفية الشاملة للرهانات المتشائمة.
في نهاية المطاف تعتمد توقعات الجنيه على نوع الصفقة التي ستحصل عليها المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وهذا لا يزال مصدراً لجوانب اللبس.
الانتخابات المفاجئة أثارت احتمال خروج بريطاني أكثر سلاسة مما كان متوقعاً. فهو يُخفف الضغط على الجدول الزمني لمفاوضات ماي ويمنحها مزيدا من الوقت لتسويق صفقة للشعب البريطاني.
ألان راسكن، مختص استراتيجية العملات الأجنبية في دويتشه بانك، غير متأكد. يقول "إن المستثمرين بحاجة إلى التساؤل عما إذا كان خروج بريطانيا السلس أمرا واردا". ويضيف "اعتبروني أحد المتشككين هنا".
لكن بعض المحللين مقتنعون ويتوقعون مزيدا من القوة للعملة. وكون الانتخابات المقبلة لن تُجرى حتى عام 2022، بعد ثلاثة أعوام من الموعد النهائي للمفاوضات، فإن ذلك يفسح المجال أمام إمكانية التوصّل إلى صفقة انتقالية. الاسترليني "ينبغي أن يكون أعلى"، كما يقول محللون في نومورا، بحيث يصل إلى نطاق 1.30 ـ 1.35 دولار. وبحسب بنك أستراليا الوطني "ليس من الصعب تصوّر عودة إلى نطاق 1.34-1.35 دولار". ويشير كل من "بانك أوف أمريكا ميريل لينش" و"دويتشه بانك" إلى الانتخابات المبكرة باعتبارها "عاملا مُغيّرا لقواعد اللعبة" بالنسبة إلى الجنيه. يتوقع "بي إن بي باريبا" أن ينخفض اليورو عن مستواه الحالي البالغ 0.835 بنس إلى 80 بنسا.
مع مزيد من الوقت على الجانب البريطاني للتوصل إلى صفقة "تقلّصت مخاطر ذيل المنحنى بالنسبة إلى الاسترليني".
الحجة الأساسية لـ "بي إن بي باريبا" كانت افتراض التوصّل إلى ترتيب انتقالي. مع عدم وجود انتخابات في عام 2020، يقول سام لينتون- براون، مختص استراتيجية العملات الأجنبية "هذا الاحتمال زاد أكثر من قبل. هذا أمر إيجابي للاسترليني".
ومع أن تلك النتيجة قد لا تؤدي بالضرورة إلى خروج بريطانيا السلس، اللازم لإعادة الجنيه إلى مستويات ما قبل الاستفتاء، إلا أن درجة من عوامل اللبس قد زالت. ويرى المستثمرون كيف يُمكن أن تؤدي صفقة انتقالية إلى ما يصفه بنك نومورا بأنه خروج بريطاني "سلس".
بالنسبة إلى مراقبي الاسترليني الأكثر تشاؤماً هذه نظرة ضيقة. يقول بعضهم "إن السبب الرئيسي وراء ارتفاع الجنيه 2.7 في المائة بعد الإعلان عن الانتخابات - واحد من أكبر مكاسبه في يوم واحد خلال ما يُقارب نصف قرن – هو الحاجة إلى ضرورة إغلاق الرهانات المتشائمة للغاية ضد الاسترليني وليس الإشادة بتحوّل في آفاق المملكة المتحدة". منصة كوراكس، من "دويتشه"، التي تأخذ لقطة من بيانات موقع العملة في بعد ظهر أيام الثلاثاء بتوقيت المملكة المتحدة، أظهرت أن الاسترليني "يُشترى بقوة". وفقاً لبول لامبرت، مدير العملة في "إنسايت إنفيستمينت"، السوق كانت "غير مريحة بسبب حجم التعاملات على المكشوف بخصوص الاسترليني".
الرهان على انخفاض الجنيه كان تداولا شائعا، كما يقول ألبيرتو جالو، وهو مدير محفظة في "ألجبريس إنفستمينتس"، وبالتالي إذا أصبحت هذه التداولات أقل شيوعا "فإن الصورة على المدى القصير إيجابية" بالنسبة إلى العملة البريطانية.
هل تغيّر أي شيء على المدى الطويل؟ يُشير جالو إلى أن كل ما حدث هو أن النتيجة السيئة الحتمية للاقتصاد البريطاني قد تأجلت، مع انخفاض قيمة الاسترليني لكن ببطء أكثر. وهو يشعر بقلق من انخفاض الإنتاجية في المملكة المتحدة، وارتفاع ديون الأُسر، وعدم المساواة، وعدم قدرة بنك إنجلترا على رفع أسعار الفائدة. يقول "نحن لا نرى خطة اقتصادية للبلاد".
بالتالي أفضل أمل لماي، كما يُشير، هو تعزيز السلطة والتمسّك بالأنموذج الاقتصادي نفسه، وإضعاف الجنيه لتخفيف تأثير خروج بريطانيا، وتوسيع عجز الحساب الجاري في المملكة المتحدة.
لكن ينبغي، أيضاً، الحذر من المفاجآت السيئة التي تأتي على شكل بيانات واردة. حقق الاقتصاد البريطاني أداء أفضل مما كان يتوقع كثير من مختصي الاقتصاد، كما تقول جين فولي من رابوبانك. وصندوق النقد الدولي عدّل نمو الاقتصاد البريطاني هذا العام إلى 2 في المائة.
لكنها ترى أن التضخم الأعلى يُلحق الضرر بالمستهلكين، وأسعار المنازل تتراجع والمفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي يُمكن أن تُصبح مؤلمة. وهي تعتقد أن الاسترليني يبقى "عملة ضعيفة وعُرضة لنوبات التقلّب المستمرة".
وهو عملة ضعيفة بشكل خاص مقابل اليورو على المدى القصير، إذا انتخبت فرنسا مرشحا من التيار السياسي السائد ليكون رئيسا للجمهورية في الانتخابات التي تبدأ جولتها الأولى غدا، وعلى المدى الطويل إذا أصبحت المفاوضات البريطانية لمغادرة الاتحاد الأوروبي صعبة.
يقول نيك دونوفريو، الرئيس التنفيذي لصندوق التحوّط البريطاني "نورث أسّيت مانيجمينت"، "السوق تُهيمن عليها المملكة المتحدة قليلاً. لم يؤخذ في الحسبان الجانب الأوروبي للمفاوضات". بالنسبة إليه، السوق تُسيء تفسير قرار الانتخابات المفاجئة وتتجاهل احتمال خروج صعب لبريطانيا. اليورو، كما يتوقع دونوفريو، سيُتداول بنسبة 10 في المائة أعلى مقابل الجنيه، بسعر 90 بنسا، في غضون تسعة إلى 12 شهراً. ويُضيف "أنا لست سلبياً بالكامل، لكن الاسترليني سيُعاني".
ربما تكون العملة البريطانية قد تجاوزت وضع "العملة الأكثر كرهاً" في الوقت الحالي، لكن لا يزال على السوق أن تقع في حبها مرة أخرى.