GMT 0:05 2017 الجمعة 19 مايو GMT 3:56 2017 الجمعة 19 مايو :آخر تحديث

ما الجديد في المشهد الكوري الجنوبي؟

الإقتصادية السعودية

عبد الله المدني

يمكن اعتبار انتخاب مون جاي إن، المحامي والمشرع والمدافع عن حقوق الإنسان، رئيسا جديدا لكوريا الجنوبية أخيرا واحدا من أكثر انتخابات الرئاسة سهولة في التاريخ المعاصر لهذا البلد. ذلك أن الظروف الداخلية كانت مهيأة تماما لفوزه على خلفية عزل سلفه بارك جيون هي، بتهمة الفساد ذات الحساسية البالغة لدى الكوريين الجنوبيين.

هذا ناهيك عن تعهده خلال حملاته الانتخابية كمرشح للحزب الديمقراطي بإيجاد حلول سريعة لقضايا تلامس وجدان الجماهير مثل غلاء المعيشة ومعدلات البطالة والنمو الاقتصادي المتراجع، إضافة إلى معضلة العلاقة المتوترة مع كوريا الشمالية التي وصلت إلى حافة الحرب.

هذه العلاقة التي يرغب الرئيس الجديد في معالجتها بالانفتاح على نظام بيونجيانج بعيدا عن تأثيرات واشنطن وضغوطها، خصوصا أن جذور مون جاي إن، توجد هناك في الشمال كونه ابنا لعائلة فقيرة فرت من الشطر الشمالي إلى الشطر الجنوبي خلال الحرب الكورية في الخمسينيات.

لكن يبقى السؤال: هل يستطيع الرئيس الجديد تحقيق وعوده وتنفيذ أجندته؟ بل هل يتمكن من إتمام عهده الرئاسي والخروج من البيت الأزرق دون فضائح تلاحقه من تلك التي لاحقت كل أسلافه دون استثناء؟ اقتصاديا ليس من المتوقع أن تحقق كوريا الجنوبية في عهده رخاء ونموا كذلك الذي تحقق في عهد والد سلفه الجنرال بارك تشونج هي، في السبعينيات لأن ظروف الأمس الداخلية والخارجية ليس كظروف اليوم.

أما على صعيد ما وعد به من تحجيم دور الشركات الكورية العائلية الكبرى المعروفة بـ"تشايبول" Chaebol للحيلولة دون انخراطها في الفساد والإفساد فمن الخطأ الاعتقاد أنه يملك عصا سحرية، لأن تلك الشركات هي عماد النهضة الصناعية في كوريا الجنوبية وأي مساس بها ستكون له انعكاسات سلبية على دور البلاد الاقتصادي والتجاري والاستثماري داخليا وخارجيا، ناهيك عن أن هذه الشركات بنت لنفسها في المجتمع الكوري الجنوبي خلال العقود الأربعة الماضية من النفوذ والسطوة ما لا يمكن الاقتراب منه.

وعلى المنوال نفسه يخطئ الرئيس الجديد إن اعتقد أن الحوار مع بيونجيانج سيأتي بالنتائج المرجوة ويحرر شعبه من شبح الحرب. فلقد جرب الرئيس الأسبق "كيم داي جونج" الانفتاح على الشمال بنوايا صادقة مقدما للأخير حزمة من الإغراءات ضمن ما عرف بـ "سياسة الشمس المشرقة" التي تبناها وعبر من أجلها الحدود إلى بيونجيانج في عام 2000، فلم تقابل مبادرته الشجاعة هذه إلا بمزيد من التصلب والمراوغة والرعونة، بل إن كيم داي جونج دفع ثمنا لتلك المبادرة غير المسبوقة حينما اتهم بتقديم رشوة مالية لنظيره الشمالي السابق كيم جونج إيل من أجل توجيه دعوة له لزيارة بيونجيانج فكانت النتيجة أن أنهى الرجل عهده الرئاسي بفضيحة مدوية، وهو الذي نال جائزة نوبل للسلام وصنف ضمن أكثر قادة آسيا ثقافة وعلما.

كما أن روه مو هيون الرئيس الأسبق الذي عمل الرئيس الجديد مديرا لمكتبه بسبب صداقتهما الطويلة زار بيونجيانج في 2007 طلبا للسلام فلم يجن سوى الإذلال. وها هي كوريا الشمالية تستقبل رئيس جارتها الجنوبية المنتخب بإطلاق صاروخ باليستي قادر على حمل رؤوس نووية بدلا من أن تمد إليه يد السلام.

إلى ما سبق يريد الرئيس الجديد استقلالية أكبر في العلاقة مع واشنطن في الوقت الذي يفترض فيه أن يعزز علاقات بلاده مع إدارة الرئيس ترمب، ويشدد على التحالف العسكري التاريخي بين واشنطن وسيئول للتصدي للطموحات العسكرية الصينية المتعاظمة في آسيا. من جانب آخر، يقول الرئيس الجديد إنه سيسعى إلى تعزيز الديمقراطية التي قوضتها الرئيسة بارك بفسادها، علما أن الفساد الذي يتحدث عنه انحصر فقط في اختيارها صديقة شخصية فاسدة بمعنى أنها لم تستخدم بنفسها منصبها ونفوذها من أجل الإثراء أو تجاوز القانون والصلاحيات.

وفي هذا السياق استخدم ويستخدم الرئيس الجديد حقيقة تمتعه بسيرة نزيهة، معطوفة على تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق الإنسان، ونشأة عصامية فذة (تقول سيرته الذاتية مثلا إنه كان يقتات مما كانت تبيعه أمه من بيض على مرفأ بوسان وهو معلق على ظهرها) لنيل ثقة الجماهير ودعمها. غير أن العبرة بالخواتيم، حيث إن كل أسلافه تقريبا كانوا نزيهين وعصاميين ومدافعين عن حقوق الإنسان في عهود الديكتاتورية العسكرية ودخلوا المعتقلات بسبب أفكارهم، لكنهم أنهوا عهودهم بفضائح من عيارات مختلفة.
ثم إن الذي يتحدث اليوم عن تعزيز الديمقراطية كان أول من انتهك شيئا من قواعدها، حينما راح يشحن الجماهير ضد الرئيسة بارك في وقت مبكر قبل أن تتهمها المحكمة الدستورية بالفساد وتقرر عزلها، وذلك في موقف ربما أملته نزعة انتقامية دفينة ضد ابنة الرجل الذي أدخله المعتقل في سنوات شبابه، بل ضدها شخصيا كونها نافسته في انتخابات 2012 الرئاسية وفازت عليه وحرمته كرسي الرئاسة آنذاك.

صحيح أن الكوريين الجنوبيين يتطلعون إلى التغيير وبدء عهد جديد. لكن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها مون جاي بنسبة 41.5 في المائة تقريبا لا تفيد بأن الأغلبية الساحقة تؤيده أو ترى فيه زعيما قادرا على التصدي للتحديات التي تواجه بلادهم، لذا لجأت نسبة معتبرة من الناخبين تفوق النصف إلى التصويت لمصلحة منافسيه وهما هونج جون بيو، مرشح حزب الرئيسة المقالة (23.3 في المائة) وأن شيول سو، مرشح حزب الوسط ، (21.8 في المائة)، قائلين إن سبب عدم تصويتهم لمون جاي هو مخاوف تعتريهم بأنه يساري موال للنظام الحاكم في الشمال أو لأنهم يشعرون أن التشدد إزاء شغب وتهديدات بيونجيانج يجب أن تكون له الأولوية.


في جريدة الجرائد