GMT 0:05 2017 الجمعة 19 مايو GMT 5:04 2017 الجمعة 19 مايو :آخر تحديث

معركة حسم الخيارات في إيران

الخليج الإماراتية

محمد السعيد إدريس

منذ اللحظات الأولى التي أعلن فيها عن موافقة إبراهيم رئيسي الذي يحمل صفة «سادن الروضة الرضوية»، أي المسؤول الأول عن وقف الإمام علي الرضا في مدينة مشهد، على الاستقالة من منصبه المرموق والترشح لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية، كان واضحاً أن معركة هذه الانتخابات ستدور بشكل رئيسي بين الرئيس حسن روحاني، ممثلاً لجبهة ائتلاف المعتدلين، مع التيار الإصلاحي، وبين إبراهيم رئيسي مرشح التيار الأصولي المحافظ المدعوم من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي والحرس الثوري، ممثلاً لـ«الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية» التي تحمل اختصاراً اسم «جمنا» (جبهة مردمي بنروهاي انقلابي إسلامي).

كانت هناك أسباب كثيرة تؤكد ذلك رغم أن مجلس صيانة الدستور قبل بستة مرشحين من بينهم روحاني وإبراهيم رئيسي. في مقدمة هذه الأسباب ما أعلنه رئيسي نفسه من أنه قرر الترشح لانتخابات الرئاسة بعد ما درس الأمر مع المرشد علي خامنئي خلال زيارة الأخير لمدينة مشهد، أي أن ترشحه جاء بموافقة المرشد نفسه، ومنها دعم المرجع المتشدد محمد مصباح يزدي لترشيح رئيسي ودعوته جبهة «بايد راي» الأصولية القريبة من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لدعم رئيسي هي الأخرى.

لكن أهم تلك الأسباب هو ذلك الهجوم الضاري الذي شنه المرشد خامنئي على حكومة روحاني وتحميلها مسؤولية تردي الأوضاع المعيشية والعجز عن ترسيخ «اقتصاد مقاوم» قادر على مواجهة الضغوط والعقوبات الاقتصادية الخارجية، فضلاً عن هجومه الذي لا يتوقف على الاتفاق النووي واستبعاده أي أهمية أو دور لهذا الاتفاق في «إبعاد شبح حرب كانت محتملة على إيران» على نحو ما كان الرئيس روحاني قد تحدث.

كان واضحاً أن رئيسي هو مرشح المرشد الأعلى، وأن محمد باقر قاليباف عمدة طهران الذي ترشح معه على قائمة الأصوليين المحافظين سوف ينسحب في اللحظات الأخيرة من السباق الانتخابي، وأن ترشيحه مجرد دعم لرئيسي، وهذا ما حدث، لكن، وعلى الرغم من إدراك الجميع خلفية ترشح قاليباف وأن انسحابه سيحدث حتماً، إلا أن هذا الانسحاب، عندما أعلن عنه، كان مفاجئاً لسبب مهم هو أن قاليباف كان قد تفوق في المناظرات الانتخابية على زميله رئيسي، وأن توقعات جديدة ظهرت تقول أنه إذا كان لابد من انسحاب وإخلاء مواقع فإن رئيسي هو الذي يجب أن ينسحب ليفسح مجال الفوز أمام قاليباف القادر على الفوز على الرئيس روحاني.

انسحاب قاليباف أحدث ارتباكاً في صفوف مؤيديه، وحتماً سينعكس ذلك على تصويتهم، وربما تذهب أصوات الكثيرين منهم، خاصة أبناء طهران والمدن الكبرى المؤيدين لقاليباف، إلى روحاني، في حين قد يصوت مؤيديه في المحافظات الريفية لمصلحة رئيسي.

هذا الانقسام مرجعه إدراك هؤلاء أن انسحاب قاليباف جاء إجبارياً وبضغوط من «الجبهة الشعبية لقوى الثورة» التي رأت أن بقاء قاليباف قد يشتت الأصوات بينه وبين رئيسي مع تقدم كفة روحاني، ومن هنا جاء قرار إجباره على الانسحاب على أمل تمكين رئيسي من الفوز بالرئاسة من الجولة الأولى التي تجرى اليوم (الجمعة).

على الجانب الآخر، تأكد للجميع أن المشهد ليس هكذا، فانسحاب قاليباف يمكن أن يعطي انطباعاً بضعف رئيسي أمام روحاني، كما أن روحاني أخذ خطوات مهمة في الارتباط بجبهة التيار الإصلاحي، وتعمد إلقاء التحية أكثر من مرة لشخص الرئيس السابق محمد خاتمي في أكثر من مهرجان انتخابي، على العكس من تجربته الانتخابية السابقة التي كان حريصاً فيها على كسب ود المرشد الأعلى وعدم قطع الصلة مع المحافظين والأصوليين.

هذه المرة يطرح روحاني نفسه باسم المعتدلين والإصلاحيين معاً، لذلك بادر خاتمي إلى إعلان دعمه لروحاني ولحق به مهدي كروبي، الذي أعلن من مقر إقامته الجبرية أن «الانتخابات تشكل مواجهة حقيقية بين جمهورية إسلامية حقيقية وأخرى شكلية»، وهذا ما حرص عليه روحاني نفسه عندما خيَّر الناخبين بين «انتخاب طريق التعاون والمصالحة مع المجتمع الدولي أو طريق المواجهة»، وزاد على ذلك صراحة بقوله «إما خيار العقلانية والمنطق أو خيار الخرافات».

هكذا يجد الإيرانيون أنفسهم اليوم أمام حسم الاختيار بين رئيس يتحدث عن نزع فتيل المواجهة بين بلاده والغرب ودول الجوار الإقليمي في الخليج وسوريا والعراق وتركيا، وبين رئيس مهمته المواجهة والمنازلة تحت مزاعم التصدي للاستكبار والمؤامرات التي تستهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية.ورغم مايقوله روحاني من أنه يمثل الاعتدال إلا أن سياساته خلال فترته الرئاسية المنتهية لم تحمل أي اعتدال مع دول الجوار ولايخفى على أحد الدور السلبي الذي تلعبه إيران واشعالها للكثير من الفتن والحرائق في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.

تحديات خارجية هائلة لا تقل عنها خطورة تحديات أخرى داخلية أبرزها وأخطرها الآن احتمال تردد أعداد كبيرة من الناخبين عن المشاركة، حيث أثبتت استطلاعات أجريت عبر الهاتف وجود قدر كبير من اللامبالاة لدى الناخبين انعكس في أن نحو 52 في المائة لم يحسموا أمرهم بعد في التصويت، وهو ما يعني تراجعاً في التصويت على النظام. تحديات قد تجبر المرشد هو الآخر على التراجع وأن يحسم أمره اضطرارياً، ويدفع في اللحظات الأخيرة بالتصويت لروحاني، أو يواصل تحديه للواقع، وعندها سيكون أول من يجني النتائج.


في جريدة الجرائد