عاطف الغمري

سبق أن طرحت في أواخر التسعينات، في إحدى الندوات، ثم كتبت في مقال نشر وقتها في الأهرام، فكرة الفصل بين مفهومي الأمن القومي، والأمن الوطني، للتعامل مع ظروف عالمنا العربي. 


وكنت أرى أن ما يحول دون إيجاد مفهوم موحد للأمن القومي، يواجه التحديات المشتركة، التي لا تفرق بين دولة عربية وأخرى، هو خصوصية الظروف الداخلية لكل دولة، وعلاقاتها الخارجية، بالإضافة إلى السياسات والشكوك، خاصة منذ غزو صدام للكويت. 
من هنا كان الطرح الذي عرضته وقتها - أي منذ حوالي عشرين عاماً - أن يبقى لكل دولة هيكل أمنها القومي - أو الوطني لو أسميناه كذلك تجاوزاً - وأن تلتقي مجموعة دول عربية على مبادئ تتفق عليها لأمنها القومي، تجعلها قادرة على مواجهة نوعية التحديات التي تتعرض لها هذه الدول، في ذلك الوقت. 
اليوم - زادت المسألة تعقيداً، بعد أن تعاظمت التحديات، وأصبح العالم العربي جميعه، في مرمى هجوم يستهدف وجوده واستقراره وأمنه، سواء كان الهجوم من خارجه أو من داخله. 
والعالم العربي لا يأخذ عادة بمفهوم استراتيجية الأمن القومي، المعمول بها عالمياً، وإنما ينهل من مفاهيم ذات خصوصية للأمن، تخلو من الفكر الاستراتيجي الذي يتيح لدولة أن تقيم لنفسها، خط دفاع يحمي المصالح الوطنية، ويشكل ردعاً لأي تجاوز. وضمن أهم المخاطر الراهنة، التي تكون جبهة عداء ضد العرب أجمعين، وبلا استثناء، «الإرهاب» الذي يوجه ضرباته للكل، ويوسع دائرة الهدف لتشمل المدنيين، بعد أن صنفهم كأعداء، وراح يصب كراهيته على الجميع، ساعياً إلى تدمير نمط الحياة، في غلو جنوني للتطرف الإرهابي. 
ثم إن مفهوم الأمن القومي التقليدي، الذي كانت تأخذ به دول العالم، لمئات وعشرات السنين الماضية، وخاصة القوى الكبرى، قد تغير، وأدخلت عليه تعديلات في السنوات العشرين الأخيرة، لتتماشى مع تحولات النظام العالمي، وما انتشر فيه من نظام الحروب بالوكالة، باستخدام دول أو جماعات تنشط في الداخل، لكنها في نفس الوقت عابرة لحدود كل دول المنطقة، بما يجمع بينها من تنسيق وترتيبات، ودعم ومساندة مالية وتسليحية متبادلة. 
ولهذا لم يعد الأمن القومي مجمداً داخل مفاهيمه القديمة، وسارعت الدول التي استوعبت ما الذي تغير، إلى اللحاق بالعصر، والإمساك بمفاتيحه. ولأنها أرادت أن يكون التغيير لديها بشكل مؤسسي، فقد بدأت من نقطة البداية الطبيعية لذلك، وهي حشد عقول وخبرات وقدرات، من مختلف بلادها، يمكنها دراسة ما تغير، وتقديم الفكر، والرؤى، والتحليل، والخيارات الاستراتيجية الأساسية، لكي ترتقي بأدواتها إلى مستوى عالم، لم يعد هو عالم الأمس. 
ولنا أن نلقي نظرة على غياب آليات الأمن القومي عربياً، لنجد أنه خلق فراغاً، أغرى أطرافاً خارجية، على ملء هذا الفراغ. وهو ما يحدث أمام أعيننا في سوريا، وليبيا، واليمن وغيرها. فضلاً عن زحف إيراني - لم تعد قيادات إيران تخفيه - وهي تقول علناً إن إيران أصبح لديها تواجد إقليمي في خمس دول عربية.. 
كما أننا نرى دولاً تمسك بين أصابعها بجهود الحل في سوريا، وهي دول ليس لها مصلحة، في أن يأتي الحل عربياً، وهى إيران، وتركيا، وروسيا، والولايات المتحدة. 
أذكر أنني حضرت ندوة لأحد مراكز البحوث السياسية في لندن، قبل أكثر من عشر سنوات، وتساءل أحد الحاضرين عن سلبية الموقف الأوروبي، تجاه القضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية - وكان رد المتحدث، أن العرب يفتقدون المبادرة. 
بالطبع فإن المبادرة لا تأتي من فراغ، بل بناء على أرضية متينة وثابتة تقف عليها. وهذه الأرضية هي أن يكون لدى العرب، إطار لأمن قومي مشترك، على الأقل تجاه القضايا العاجلة والملحة، وهنا أشير مرة أخرى إلى فكرة الفصل بين المفهومين - الأمن الوطني بكل ما يخص كل دولة عربية على حدة حتى ولو صنفناه أمناً قومياً - والأمن القومي المشترك عربياً، للتعامل به في مواجهة التحديات المشتركة والعاجلة والتي تهدد الجميع، وهي ظاهرة الآن للعيان، ولا تخفى على أحد.