GMT 0:00 2017 الإثنين 18 سبتمبر GMT 0:36 2017 الإثنين 18 سبتمبر :آخر تحديث

خدمة العلم الصغير

الشرق الاوسط اللندنية

سمير عطا الله

في الغرب شيء يوازي «خدمة العلم» هو العمل في المجالس البلدية، في المدن أو القرى، سواء. إنه غالباً المدخل الأهم إلى العمل السياسي على الصعيد الوطني، خصوصاً الرئاسي، مثل جاك شيراك في بلدية باريس، أو فيلي برانت عمدة برلين، ثم مستشاراً، أو رونالد ريغان حاكما لكاليفورنيا، ثم رئيساً.


لا أدري أين ومتى بدأ هذا التقليد المشرف. لكن ربما يكون قد بدأ في روسيا مع الكونت تولستوي، الذي تخلى عن المدينة ليبقى في الريف مع الفقراء ينشئ لهم المدارس. وكان أكثر من تأثر به بين العرب الدكتور أحمد لطفي السيّد، المناضل الاستقلالي وأول مدير لجامعة القاهرة. وقد عشق «أفلاطون مصر»، كما لقبه العقاد، الريف وجماله وطبيعته وبساطته، وخطر له غير مرة أن يترك أضواء القاهرة ويعود إلى الريف مقلداً تولستوي، الذي تأثر بحياته وأدبه معاً.
وربما كان الأكثر نجاحاً بين «العائدين» المحدثين، الدكتور محمد بن عيسى، الذي بعد جولة عالية وحافلة في السياسة والدبلوماسية، عاد إلى بلدته أصيلة ليضعها على خريطة الثقافة العربية: وزيراً للإعلام، وسفيراً في واشنطن، ووزيراً للخارجية طوال ثماني سنوات، وبعدها يعود سي محمد إلى بيوت أصيلة القديمة وشوارعها الضيقة ومينائها العتيق، ليضع رونق الماضي في خدمة المستقبل. لم يكن لأصيلة الصغيرة شيء من ملامح فاس، أو الرباط، أو مراكش، لكنه ابتدع لها دور المشعل الثقافي. ولم يعد جوارها لطنجة علامة كيلومترية على الطريق الرئيسي، بل صار اسما علماً إضافيا على الأطلسي وسمائه الرمادية.
يشبه العمل «البلدي»، إذا صح التعبير، العمل الأسري، كبرت المدينة أو صغرت. إنه فرح الانتماء والإنجاز معاً. وبعد ريغان انضم الممثلان كلينت ايستوود شوارزنيغر إلى رئاسة البلديات الصغيرة كبوابة إلى الخدمة المدنية.
أحب لطفي السيد مصر، واعتبرها قريته الكبرى. وكان يؤمن أنها من أجل أن تتحرر من الاستعمار يجب أن تتحرر أولا من الديون الخارجية وأوزار الفقر، خصوصاً في الريف. والحلقة التي ضمته مع رفيق دراسته طلعت حرب، هي التي شجعت على النهضة الصناعية وإقامة الشركات وبنك مصر. وكان كبار أهل المرحلة يعتبرون العمل الناجح جزءاً من الاستقلال الوطني.


في جريدة الجرائد