: آخر تحديث

 .. عندما «تغضب» الرياض!

جميل الذيابي

كان الموقف الحكومي السعودي من تدخلات وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند في شؤون المملكة فورياً، وحاسماً، وحازماً؛ حتى أنه باغت الكنديين، وحكومة رئيس الوزراء جستن ترودو، وأثار صدمة كبيرة لهم، وجعلهم يبحثون عن مخارج، وحلول سريعة عبر وسطاء، إذ إن الإجراءات السعودية، بإبعاد السفير الكندي، واستدعاء السفير السعودي، وإلغاء الصفقات التجارية والاستثمارية الجديدة، وسحب آلاف المبتعثين السعوديين من الجامعات والمعاهد الكندية، ستُلحق ضرراً بالاقتصاد الكندي، وفقدان مئات الكنديين وظائفهم. ولكن لم يكن أمام السعودية خيار آخر طالما أن هناك دولة تتدخل في شؤونها أو تحاول التجاوز على سيادتها.

الواقع أن الوزيرة، وهي نائبة سابقة لرئيس تحرير صحيفة «فايننشيال تايمز» ومديرة مكتبها السابقة في موسكو وأوكرانيا، وكذلك عملت بمجلة «الإيكونومست»، وتكتب في «نيويورك تايمز»، حديثة عهد بالعمل الدبلوماسي، إذ لم تجرب ذلك إلا حين ردت على قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحظر دخولها روسيا، بعد زيارة قامت بها لأوكرانيا للمشاركة في الاضطرابات التي انتهت بقرار موسكو ضم جزيرة القرم للأراضي الروسية. ومحاولاتها التدخل في الشأن السعودي ليست جديدة، فقد سبقتها بإثارة ضجة مفتعلة حول صفقة كندية سعودية أثناء توليها حقيبة التجارة الخارجية، وهو المنصب الذي شغلته قبيل تعيينها وزيرة للخارجية.

مشكلة الوزيرة الكندية أنها تجاوزت حدود الأدب الدبلوماسي بحديثها عن أشخاص سعوديين قررت السلطات العدلية المختصة (القضاء والنيابة) احتجازهم، وحوكم بعضهم، فيما يجري التحقيق مع آخرين. والقضاء السعودي مستقل. ولا يستطيع أحد التدخل في ذلك. ومطالبة فريلاند بإطلاقهم تمثل تعدياً على صلاحيات القضاء، والنيابة، واستقلالهما، وتجاوزاً على سيادة المملكة، وليس مجرد زلة لسان أجنبي، أو تصريح سياسي عابر.

هذا الموقف السعودي الحازم ليس مستغرباً على القيادة السعودية. فالرياض لا تتهاون حتى مع حلفائها المقربين، كما تحكي سجلات التاريخ. ففي أبريل 1988، طردت المملكة السفير الأمريكي هيوم هوران لتدخله في قرارات سيادية سعودية، ولاتصاله بشخصيات غير حكومية. وكان موقفاً محرجاً لواشنطن التي لم تجد بداً من المسارعة بتعيين سفير بديل. وهي مواقف حاسمة وفورية لجأت إليها السعودية كلما حاول دبلوماسيون أجانب أو مسؤولو حكومات أجنبية التدخل في شؤونها السيادية. ففي 2017، سحبت المملكة سفيرها من ألمانيا، وأبعدت سفير برلين من الرياض، إثر تدخلاته باتهامات غير حقيقية بشأن العلاقات السعودية - اللبنانية. وبالمثل، اتخذت السعودية إجراء مماثلاً بحق السويد، رداً على تهجم مماثل من وزيرة خارجيتها، ما جعل الأخيرة تقدم اعتذاراً في غضون أيام قليلة.

وهي إجراءات اتخذتها السعودية بحق إيران بعدما دفعت بعملائها لاقتحام مبنى السفارة والقنصلية السعوديتين وإضرام النار فيهما. أما «الأشرار الصغار» في قطر فهم أقل شأناً من أن يُذْكروا.

وما لم تدركه الوزيرة الكندية أن المملكة لها نظامها في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأن حقوق المرأة في السعودية تمثل أحد هموم قيادتها، قبل مواطنيها، وما تحقق للمرأة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز كان له عظيم الأثر، إذ أحدث تحولاً فعلياً في الحياة الاجتماعية السعودية، كما أن المملكة تكفل حقوق المرأة، ولن تقبل بتوجيهات من كندا أو غيرها.

ولهذا اتسم القرار السيادي السعودي تجاه كندا بالفورية، والحسم، والحزم. وهي فورية تناسب غليان الوضع، وقبل سكون الحادثة، فالسيادة خط أحمر. ولا بد من الإشارة إلى أن فريلاند نفسها كانت قبل نحو عامين مصدر أزمة كادت تعصف بالعلاقات، حين ادعت أن المملكة تستخدم مركبات عسكرية اشترتها من كندا في «قمع» مواطنيها!

ولم تجد وزيرة الخارجية سنداً يعضد تصريحاتها داخل الحكومة الكندية، سوى جماعات لا تملك أدلة على ما تتضمنه تقاريرها من افتراءات على السعودية. والعرف المتبع بين الدول هو استخدام القنوات الدبلوماسية الرسمية المعتادة للمخاطبة في حال أي استفسارات، أو وجود ادعاءات، حتى لا تضر بالعلاقات بينها. ولكن ما قامت به كندا، وما وجدته في مقابله من الجواب «الفوري» وحائط «الحزم السعودي» يلقنها درسا. 

الأكيد أن البدائل أمام السعودية كثيرة. ومن المؤسف أن الإعلام الغربي بعضه يتحامل على السعودية، جهلاً، وعدم رغبة في نشر الحقيقة، لكن الحقيقة التي يتعامى عنها أن هذا الإجراء السعودي المشروع والمجرّب سيظل أحد أكثر الخيارات فاعلية ضد كل من يتطاول على السيادة، أو يتدخل في شؤون المملكة، بموجب «اتفاقية فيينا» التي تؤسس قواعد وأعراف التعامل بين الدول. وعلى من لا يحترم القوانين الدولية أن يحذر من مثل هذه «اللطمة» السريعة من السعودية وغيرها من البلدان التي تعرف كيف تحافظ على سيادتها وتعتبرها خطاً أحمر.


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. أين
الحليم عند الغضب - GMT الجمعة 10 أغسطس 2018 08:02
مقال أشبه بمعلقات شعراء السلاطين. القرار ضرره كارثي على السعودية والسعوديين بينما يعود بالنفع على أعداء السعودية والسعوديين وعلى رأسها ايران وأذنابها وروسيا وما أشبه الأمس باليوم فكم تذكرنا هذه الفترة العصيبة التي يمر بها العالم العربي بالخطأ القاتل الذي إرتكبه صدام بإجتياح الكويت وبضوء أخضر من امريكا. واليوم تكرر السعودية نفس الخطأ وكأنها تقف درعاً ليحمي ايران . إذ أن الصحافة الدولية ستنسى الملف النووي الايراني وتبعاته ، وستوجه سهامها نحو السعودية للتشهير بها تذرعاً بمساندة كندا وحماية حقوق الإنسان وترك الساحة لملالي قم ليصولوا ويجولوا دون حسيب أو رقيب. ثم من أجل ماذا؟ لا أحد يعلم ما هي المشكلة هل هي حقيقية أم مختلقة. كأنها ساعة غفلة تدخلنا في نفق مظلم لا نهاية له. جميع المنافقين والشامتين أعلنوا تأييدهم للسعودية ولولا الحياء ، إن وجد، لأعلن حتى بشار أسد تضامنه مع السعودية، لأن المستفيدين والشامتين فقط هم من أعلنوا تضامنهم معها وعلى رأسهم بوتين وقابوس وملالي قم وعباس بن فرناس، وهم أكبر المستفيدين والشامتين، أما كندا فلم يرد الخبر حتى بالأخبار المحلية لعدم أهميته . فبشار أسد ليس بأذكى منكم عندما أفرج عن ماهر عرار وعبد الله المالكي تفادياً للأزمة مع كندا والمعروف عن عصابة أسد أن الإفراج عن معتقل هو من رابع المستحيلات، ومع ذلك جعلت منهم كندا أبطال الف ليلة وليلة ودفعت لكل منهم عشرة ملايين دولار بمعدل 50 دولار عن كل دقيقة قضاها بسجن الأسد. فهل يستحق صعلوك وصعلوكة تشريد 15000 عائلة سعودية ونقل مرضى بحالةالإنعاش وتضرر الآلاف من قطع العلاقات التجارية وبيع الأصول بقروش؟ . التداعيات ستكون كارثية على المدى البعيد .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد