GMT 0:00 2018 الجمعة 12 يناير GMT 5:37 2018 الجمعة 12 يناير :آخر تحديث

جردة عام للسياسة الأمريكية

الخليج الإماراتية

إدريس لكريني

شكّل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الولايات المتحدة، أحد أهم الأحداث التي ميزت عام 2017، بالنظر إلى الوزن الدولي الكبير الذي باتت تحتله أمريكا منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وبالنظر أيضاً للأجواء الضاغطة التي ميزت الانتخابات الرئاسية التي قادته إلى السلطة، مع إطلاقه لمجموعة من الشعارات المثيرة ضمن برنامجه، على الصعيدين الداخلي والدولي، وبروز جدل بشأن شرعية الانتخابات التي قادته إلى سدّة الحكم، وتظاهرات غير مسبوقة في هذا الصدد، عمّت عدداً من المدن الأمريكية وعلى امتداد مناطق مختلفة من العالم.

استهلّ الرئيس الأمريكي ولايته، بخطاب التنصيب الذي أبرز فيه جدّيته على مستوى تطبيق تصوراته وشعاره الموسوم: «أمريكا أولاً»، لإعادة القوة والحضور للولايات المتحدة، مؤكداً على توجهاته للحدّ من المساعدات وتدخلات الخارجيين اللذين يشكلان عبئاً حقيقياً على خزانة الدولة، ويؤثر بالسلب - في اعتقاده - بالتنمية الداخلية وعلى رفاه المواطن الأمريكي..

قدوم ترامب إلى البيت الأبيض تزامن مع تزايد الأسئلة بصدد مستقبل الزعامة الأمريكية وتنامي تكلفة تدخلاتها الخارجية عسكرياً واقتصادياً، وبروز عدد من الأزمات في مناطق لا تخلو من أهمية استراتيجية بالنسبة لأمريكا، كما هو الأمر بمنطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وبروز أقطاب دولية تحمل تصورات مختلفة للنظام الدولي المطلوب (روسيا والصين..)، وقوى صاعدة لا تخفي استياءها من السياسات الدولية لأمريكا، علاوة على التراجعات المسجلة في عدد من القطاعات الصناعية والاقتصادية والعلمية مقارنة مع عدد من القوى الدولية الكبرى، غير أن اللغة والأسلوب اللذين يحاول من خلالهما الرئيس الأمريكي التعاطي مع هذه الإشكالات والتحديات، لا يخلوان في كثير الأحيان من مبالغة وغياب للحسّ الدّبلوماسي المفترض في رئيس دولة عظمى..

لم يتردّد (ترامب) في تنفيذ الكثير من شعاراته الانتخابية، وقد حفل عام 2017 بعدد من القرارات الداخلية والخارجية التي لم تخل من جدل، سواء تعلق الأمر بتعليق استقبال اللاجئين، والانسحاب من اتفاقية التجارة العابرة للمحيط الهادي وتغيير قانون الرعاية الصحية «أوباماكير»، أو في ارتباط ذلك بحظر دخول رعايا سبع دول إلى الأراضي الأمريكية، أو على مستوى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والسعي لتأزيم العلاقات مع كوبا بعد انتعاش العلاقات بين البلدين، والدعوة لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، والانسحاب من منظمة اليونيسكو بذريعة انحيازها ل«إسرائيل»، قبل الإقدام على الاعتراف بالقدس عاصمة لها.

لم تخل هذه السّياسات من انتقادات لاذعة في الداخل الأمريكي والدولي وحتّى في أوساط عدد من الدول الغربية الحليفة لأمريكا.. بالنظر إلى تداعياتها على النظام الدولي القائم على السلم والأمن الدوليين.

حاول ترامب التغطية على هذه القرارات بالتركيز على الانتعاش الطّفيف الذي شهده الاقتصاد الأمريكي في الفترة الأخيرة، والتهديد بقطع المساعدات عن عدد من الدول التي لا تساير توجهات السياسات الأمريكية الحالية على المستوى الدولي..

ومن خلال تقييم عدد من هذه القرارات، يظهر أنها سعت إلى إشعال فتيل الأزمات وتصعيدها، بدل التركيز على تدبيرها وحلّها، فتصريحات ترامب فيما يتعلق بالملف النووي لكوريا الشمالية، أثارت مخاوف جدّية من خروج الأمور عن نطاق التّحكم والسيطرة، بعد الردود القوية والتهديدات التي أطلقها الرئيس الكوري الشمالي في هذا الصدد.. فيما ردّت إيران على الدعوات الأمريكية بصدد التراجع عن الاتفاق النووي المتوصل إليه أخيراً، بأن الأمر يتعلق باتفاق جماعي لا تملك الولايات المتحدة حق إلغائه بمفردها، وبخاصة بعد مصادقة مجلس الأمن عليه..

وفي المنطقة العربية، بدا الحضور الأمريكي باهتاً، ولم يساهم قط في دعم الأمن والاستقرار في عدد من دول الحراك، كما هو الشأن بالنسبة لليبيا وسوريا، حيث تركّزت جهود الإدارة الجديدة في مكافحة الإرهاب، بدل المساهمة في دعم الجهود الرامية إلى حلّ الأزمات والصّراعات التي تفرز عدداً من الإشكالات والمعضلات السياسية والاجتماعية والأمنية..

فيما جاء القرار القاضي بتحويل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس، ليعقّد أكثر أزمة الصراع العربي - «الإسرائيلي»، بالنظر إلى خطورة الموقف وتناقضه مع الدور المفترض للولايات المتحدة كراعية لمفاوضات السلام التي لم تتوقف «إسرائيل» عن خرق الاتفاقات التي أفرزتها.

حقيقة إن السّياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية طبعها من البداية التحيّز والتواطؤ، وتسخير كل الإمكانات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية في هذا الصدد، كما أن ترامب نفسه بدأ ولايته بمجموعة من السلوكات والتصريحات التي مهّدت لقراره الخطير بشأن القدس، فقد انسحبت الولايات المتحدة من اليونيسكو بذريعة مواقفها «المعادية» ل «إسرائيل»، كما هدد غير ما مرة بوقف المساعدات الموجهة للسلطة الفلسطينية، كما قام ترامب بزيارة لحائط المبكى بالقدس، وهو ما شكّل تزكية واضحة للسلوكات «الإسرائيلية» المتّصلة بمصادرة الحقوق والحريات وبناء المستوطنات والتنصل من مختلف الالتزامات والاتفاقات المبرمة في هذا الخصوص.. ودفع أحد الوزراء «الإسرائيليين» إلى الإقرار بأن فكرة إقامة دولة فلسطينية تبخرت مع مجيء الرئيس الأمريكي الجديد.

حقيقة أن تكلفة الحضور الدولي للولايات المتحدة الذي تعزز مع بداية التسعينات في أعقاب نهاية الحرب الباردة باهظة على المستويين العسكري والاقتصادي، غير سياسة الانكفاء التي بات ينهجها الرئيس الأمريكي الحالي منذ وصوله إلى السلطة، ستتمخض عنها مجموعة من الانعكاسات الخطرة التي لن تتوقف عند الداخل الأمريكي، وبخاصة على مستوى حصد المزيد من العداء في أوساط الرأي العام الدولي بعد الجهود المبذولة لتحسين صورة أمريكا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر من عام 2001، بل ستمتد تداعياتها إلى المحيط الدولي بما يعنيه ذلك من فوضى ستعمّ النظام الدولي، بالنظر إلى الضعف الذي يعتري أداء الأمم المتحدة أصلاً، وغياب أقطاب دولية قادرة على ملء الفراغ الذي سيفرزه هذا الانكفاء..


في جريدة الجرائد