GMT 0:00 2018 الأربعاء 16 مايو GMT 5:35 2018 الأربعاء 16 مايو :آخر تحديث

الديمقراطية على الطريقة العربية

عكاظ السعودية

رامي الخليفة العلي

شهد العالم العربي خلال الأيام القليلة الماضية انتخابات في ثلاث دول هي العراق ولبنان وتونس، وبما أن هذه الأخيرة لها وضعية خاصة ومعطيات متميزة والانتخابات فيها كانت على المستوى البلدي، فإن لها تحليلها الخاص. أما في العراق ولبنان فقد مثلت الانتخابات فرصة للإطلال على الفهم المشوه للديمقراطية ومفهوم الدولة الحديثة على حد سواء. لعل الملاحظة الأولى أن الشعبين العراقي واللبناني أدرك مساوئ هذه الديمقراطية، فقد شهدنا إقبالا ضعيفا على صناديق الاقتراع. وهذا يشير إلى حالة اليأس التي تسللت إلى نفوس الشعب من إمكانية أن تغير هذه الانتخابات شيئا على أرض الواقع.

في العراق الفساد متغلغل في كل مفاصل الدولة، والطائفية تضرب أطنابها من قاعدة الهرم السياسي حتى أعلى رأسه، الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني حول البلاد إلى ساحة للحروب الدينية القذرة، المواطن العراقي البسيط لا يجد قوت يومه ولا يجد ماء صالحا للشرب أو كهرباء تخفف من قيظ الصيف القادم، وآخر ما يهم الطبقة السياسية هو هذا المواطن الذي يفترض أن تكون خدمته هي الهدف الأول الذي يسعى إليه كل المرشحين. ولكن الجميع يعلم أن هذه الانتخابات التي يشكل فيها الفاسدون نسبة معتبرة من مرشحيها، لن تغير شيئا في واقع المواطن العراقي.

في لبنان الوضع لا يختلف كثيرا، حيث يسيطر الإقطاع السياسي على مفاصل الحياة السياسية، ومع كل الادعاءات بالديمقراطية تحتكر عائلات الإقطاع تمثيل اللبنانيين على مدى عقود، وأصبحت الحياة السياسية ميراثا ينتقل من الآباء إلى الأبناء. في لبنان إذا كانت هناك طائفة تحميك فيمكنك أن تفعل ما تشاء. فساد ورشاوى ولا يوجد من يحاسب، وغالبا أن من يدعي من هذه الطبقة السياسية محاربة للفساد هم أنفسهم رؤوس الفساد في الدولة.

الانتخابات هي الخطوة الأخيرة في مجموعة من الشروط، أهمها أن تكون هناك دولة! فالدولة في التعريف هي المؤسسة التي تحتكر العنف، بمعنى أنها الوحيدة التي يحق لها تطبيق القانون بقوة السلاح. ولكن في العراق ولبنان توجد هناك ميليشيات لا تتبع للدولة بل تتبع لمحتل خارجي هو إيران. حزب الله يمثل دويلة مستقلة في لبنان لا يستطيع أحد أن يفرض القانون عليه. يفعل ما يشاء ويجرجر خلفه ما تسمى الدولة، وأوامره تأتي من الولي الفقيه باعترافه هو، في العراق لا يختلف الوضع كثيرا، فميليشيات الحشد الشعبي التي تشكلت خارج إطار الدولة ثم تم شرعنتها من قبل الدولة العراقية تحت الضغط، وأصبحت تصول وتجول وترتكب الجرائم والموبقات دون حسيب أو رقيب، وقادة هذا الحشد يمثلون المصالح الإيرانية ويمتثلون لأوامر الولي الفقيه.

الديمقراطية تفترض سلطة القانون الذي يطبق على الجميع بدون تمييز، ولكن ما هو حاصل في العراق ولبنان أن القانون انتقائي، يطبق على الضعيف، بينما القوي المدعوم طائفيا أو حتى خارجيا، فإنه بعيد عن المحاسبة. رؤوس الفساد هم الذين يحكمون العراق وهم من تصدروا نتائج الانتخابات العراقية. في لبنان جرائم حزب الله وصلت إلى خارج لبنان من تهريب للمخدرات وغسيل للأموال، وتجار المخدرات المحميين من حزب الله يصولون ويجولون في البقاع ولا أحد يستطيع أن يقترب منهم. في العراق ولبنان لا يوجد هناك فصل في السلطات، فالسلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية تخضع لسلطة الطائفة ولسلطة السلاح التابع لميليشيات حزب الله أو الحشد الشعبي، ميشال سماحة على سبيل المثال الذي هرب متفجرات وكان يريد تنفيذ عمليات إرهابية ومع ذلك أخرجته الميليشيات بعد حكم مثير للسخرية، في العراق رائحة الفساد تزكم الأنوف ولكن السلطة القضائية عمياء وصماء، لأنها ببساطة تخضع للطائفية.

لا توجد ديمقراطية بدون مواطنة، فالمواطن له كل الحقوق وعليه كل الواجبات باعتباره مواطنا في الدولة، ولكن في لبنان والعراق أنت تحصل على حقوقك ليس باعتبارك مواطنا، ولكن باعتبارك تنتمي إلى هذه الطائفة أو تلك، وبمقدار قوتها تحصل على بعض حقوقك. كيف يمكن أن تكون هناك مواطنة والوطن خاضع للمحاصصة الطائفية، فالقادة السياسيون آخر همهم المواطن والوطن وهمهم الأول الحصول على حصتهم من كعكة هذا الوطن.

الديمقراطية على الطريقة اللبنانية والعراقية هي وصفة من أجل تقسيم الوطن على أساس المحاصصة، فجسد الدولة يوضع كجثة هامدة على طاولة التقاسم وكل طرف يحاول أن يظفر بحصة أكبر، لذلك فالأزمة السياسية تبقى مستمرة. فكل طرف يجد نفسه مغبونا مهما كان ما تحصل عليه.

آخر ما يمكن أن توصف فيه الانتخابات في هاتين الدولتين هو وصف الديمقراطية، لذلك يكون من الطبيعي أن تصبح الدولة نهبا للتدخلات الخارجية، وفي الحالتين العراقية واللبنانية وجدت إيران في هذه الديمقراطية المشوهة حصان طروادة للدخول والسيطرة على الحياة السياسية، عبر الميليشيات المؤدلجة. فكان من الطبيعي أن يحصد حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق ثمار هذا النبات الشيطاني الذي يسمى ظلما وبهتانا ديمقراطية.

هذه الديمقراطية المشوهة لا يمكن أن تجلب الأمن والاستقرار ولا يمكن أن تبني دولة حقيقية، والأهم من ذلك أنها سوف تفتح البلاد للاحتلال الإيراني المقنع، تبا للديمقراطية التي تكون وسيلة لسيطرة إيران على البلدان العربية.


في جريدة الجرائد