GMT 0:00 2018 الخميس 12 يوليو GMT 22:51 2018 الأربعاء 11 يوليو :آخر تحديث

«الأناقة المحافظة»... من مفهوم تقليدي إلى موضة عالمية

الشرق الاوسط اللندنية

إيمان مبروك

خيط رفيع يربط بين الموضة والسياسة والاقتصاد، قد تبدو الموضة الجانب الناعم في الصورة، ولكن الحقيقة أنها تشهد صراعات وقفزات أحيانا أقوى من ساحات الصراع السياسي. وبين ليلة وضحاها تخرج للعالم بمفاهيم جديدة تكسر الكليشيهات.

وبعد أن كانت الثقافة الغربية هي ركيزة الموضة بدأت البوصلة تتحرك باتجاه مفاهيم جديدة تقوم على احتضان الآخر واتساع دائرة التقبل. فمن يتابع لعبة الموضة عن كثب يرصد بوضوح الاتجاه نحو صيحة «الملابس المحافظة» التي كانت في البداية تعكس منظورا دينيا فقط، ولكن تمكنت الفكرة من أن تتحول إلى صيحة عالمية تعكس أسلوب حياة يتوافق مع أسلوب حياة نساء من جنسيات وديانات مختلفة.

وحان الوقت للحديث بقوة عن هذا الاتجاه الذي ترسخ وتصدر المشهد بعد أن لحقت علامة «إتش أند إم» H&M أخيراً بسباق الموضة المحافظة بإطلاق خط جديد لهذه الصيحة. أعلنت في مايو (أيار) 2018 عن مجموعة تضم أول تصميم مقدم صراحة ليجاري صيحة الملابس المحافظة. وقدمت العلامة مجموعة من التنورات المنسدلة والبنطلونات والفساتين ذات الأكمام الطويلة والفضفاضة، كما قدمت القفطان الذي يعد علامة مميزة للمجتمعات العربية أو الإسلامية على وجه التحديد.

لم تكن علامة H&M هي الأولى، إذ سبقتها عدد من العلامات الكبرى في عالم الموضة مثل «دولتشي أند غابانا»: «أميركان إيغل» و«مايسيز» و«نايكي» وغيرهم. لكن كيف لعلامات كبرى مثل هذه أن تغير النمط الذي تقدمه وأن تتماشى مع مفهوم بعيد تماماً عن الاتجاهات الغربية؟.

تقول مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية، سمر البرشا، في حوار خاص لصحيفة «الشرق الأوسط»: «مفهوم الملابس المحافظة لا يقتصر على المسلمات أو المحجبات، بينما هي صيحة قديمة. فإذا توقفنا عند الملابس الكلاسيكية التي تتصدر المحافل الفاخرة، سنجدها في الأصل ملابس تتمتع بالحشمة والوقار، وها هنا نقطة الالتقاء التي تجمعت عليها نساء العالم في اختيارهن لهذه الصيحة».

وعن دورها في صعود صيحة الملابس المحافظة بهذا الشكل تقول: «عندما أطلقت مدونتي الخاصة كان الهدف هو أن أقدم للفتاة العربية اختياراً يناسبها كل يوم، خاصة أن مصممي دور الأزياء لا يضعونهن في الحسبان، ولم أكن أعرف أن هذه الخطوة سيكون لها كل هذا التأثير والصدى ليس وسط الفتيات العربيات أو المسلمات بينما على نطاق أوسع متجرد من الدين أو الجنسية أو حتى العرف الاجتماعي».

لا شك أن مدونات الموضة قوة ناعمة سوّقت لهذه الصيحة، حتى وإن كان الأمر جاء من دون تخطيط مسبق. ترى غدير العجباني، وهي مستشارة في الموضة، أن المدونات قدمن أسلوب حياة كسر الصورة النمطية التي ارتبطت بالفتاة المسلمة، من خلال أسلوب حياة عصري ساعد صانعي القرار في عالم الموضة ليس على تقبله فحسب بل الاحتفاء به. ولكنها شددت «على أن هذه الصيحة ليست حديثة على الإطلاق ولا تعكس دينا أو جنسية بعينها، لأننا لو عدنا للأصول سنجد أن الأناقة المحافظة هي علامة مميزة للملوك والأميرات في إنجلترا والسويد أو أي دولة بها نظام ملكي. وظلت رمزاً للوقار، حتى أن السيدة عندما تقدم على مقابلة عمل ترتدي البذلة أو التايور الذي يغطي مفاتنها ويساعدها على أن تشعر بالراحة والثقة.

والتقط مصمم الأزياء المصري محمد سامي، الذي أطلق مؤخراً خط ملابس محافظة باسم دار «مولا»، أطراف الحديث ليؤكد رأي غدير العجباني، قائلا: «الملابس المحافظة هي الزي الأصلي لأجدادنا، وتطورت حتى أصبحت سلوكا اجتماعيا يتسق مع حرية المرأة في أن تشعر بالراحة والطمأنينة وأن تحافظ على جسدها حتى وإن كانت وسط مجتمع يتمتع بالأخلاق الرفيعة». ويضيف: «على عكس الاعتقاد فإن الملابس المحافظة اختيار عملي يساعد المرأة على القيام بمهامها بسهولة، مقارنة بالأزياء المكشوفة التي أعتبرها خيارا مناسبا للسهرات أو نزهات الشواطئ».

ورغم أن الفتيات المسلمات هن من حركن الماء الراكد وفرضن أسلوب حياة عصريا يحترم حرية المرأة أياً كانت اختياراتها، إلا أن رد الفعل جاء من علامات أزياء أوروبية وأميركية، حيث أطلقت دار «دولتشي أند غابانا» منذ عامين تشكيلة من العباءات الخليجية خصتها بها منطقة الشرق الأوسط والمرأة العربية عموما. كما اختارت مدونة عربية وهي روبي زاي لتكون وجهها الترويجي. بعدها التقطت علامات أخرى الخيط وقدمت تشكيلات تصب في نفس الاتجاه.

ولم تكن تجربة محلات «إتش أند إم» السويدية، لهذا العام هي الأولى للعلامة، إذ سبق وأن اختارت فتاة مسلمة، ماريا الإدريسي، لتكون وجها دعائيا لها في حملتها لعام 2015. ولكن هذه المرة هي الأولى التي تطلق فيها مجموعة أزياء محافظة بشكل صريح. ولا يمكن إغفال تجربة علامة «نايكي» أيضا، حين قدمت ملابس السباحة الإسلامية أو ما عُرف بـ«البوركيني» الذي شهد رواجاً كبيراً كاختيار صحي يحافظ على الجسم من مياه المسبح أو البحر كما من أشعة الشمس فوق البنفسجية، وبدأت غير المسلمات يقبلن على شرائه.

وتُرجم نجاح الأزياء المحافظة إلى محفل دولي للموضة، حيث أُطلق أسبوع الموضة المحافظة في لندن لعامين متتاليين، كان هدفه تغيير مفهوم كلمة «محافظة». فعندما تتردد هذه الكلمة أول ما يتبادر إلى الذهن سيدة تختبئ وراء ملابس سوداء، ولكن المصممين العصريين كسروا هذه الصورة التقليدية وقدموا اختيارات تجمع بين المحافظة والأناقة العصرية معاً. وهذا ما يؤكد عليه أسبوع الموضة المحافظة الذي يحتضن كل الاتجاهات والمصممين العصريين بمختلف أفكارهم وإبداعاتهم، فلا فرق بين مبدع يقدم ملابس محافظة وآخر يقدم موضة أكثر جرأة.

بالنسبة لمدونة شابة مثل المصرية فرح عمارة، فإن إطلاق هذه الصيحة والتوسع فيها يضع أمامها اختيارات متنوعة. تشرح: «لم يكن من السهل لفتاة محجبة تحرص على أن تبدو بإطلالة عصرية أن تعثر على ما يناسبها في سوق تسيطر عليه علامات أوروبية وأميركية ويختفي منه الطابع العربي المحافظ، وهو ما ذهب بالإطلالة المحافظة إلى القُبح والفوضى، حتى إن خرجت صيحة الملابس المحافظة من دور الأزياء الأوروبية وبدأت تشهد رواجاً وتضع أمام كل فتاة اختيارات عدة». وتتابع: «لدي صديقات لا يرتدين الحجاب ولكنهن يبحثن عن ملابس تحقق لهن الراحة والحرية وتعزز شعورهن بالاطمئنان والأمان بغض النظر عن ديانتهن».

صحيح أن صيحة الملابس المحافظة انبثقت من اتجاه اجتماعي إلا أنه لا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي لهذا القرار، حسب رأي غدير العجباني. فـ«القوة الشرائية للدول الإسلامية بشكل عام، ودول الخليج بشكل خاص، هي إحدى العوامل الرئيسية لانتشار هذه الموجة. فالعلامات الكبرى لديها استراتيجيات قائمة على أرقام ودراسات دقيقة للسوق، ولا شك أنها أدركت أهمية سوق الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام، وأنها بحاجة لتغيير مفهوم الأناقة لتتماشى مع الخلفية الاجتماعية لهذه الدول». ويعلق مصمم الأزياء محمد سامي قائلا: «المرأة الخليجية والعربية بشكل عام تعتني كثيراً بأناقتها وربما تنفق أضعاف ما تنفق المرأة الأوروبية على إطلالتها، من ثم فهي قوة لا يستهان بها وتستحق الاهتمام والمداراة».

لكن هذا لا يعني أن هذه الظاهرة قوبلت بالترحيب من قبل الجميع في البداية. فمثل أي موضة جديدة ومختلفة كانت صادمة بالنسبة للبعض. فقد تعالت أصوات قلقة بأنها تعدٍ على حرية المرأة واستقلاليتها. تُعلق مدونة الموضة سمر البرشا على هذا بقولها «أنا لم أر الأمر خروجا عن العادي، بقدر ما يعكس حالة من التنوع وتقبل الآخر، وهو ما يحتاجه العالم». وتتفق معها غدير العجباني التي رأت في هذا الاتجاه تحقيق مفهوم تمكين المرأة بطرح خيارات كثيرة أمامها. وهذه الموضة تتسق مع شخصيتها وأفكارها ولا تؤثر على حريتها على الإطلاق.

من جهتها ترى فرح عمارة أن الملابس المحافظة ليست مجرد موضة أو صيحة بل هي حراك اجتماعي تشهده الموضة منذ سنوات، ويحاول أن يحتضن التنوع بكل أشكاله وأديانه وألوانه.


في جريدة الجرائد