GMT 0:00 2018 الخميس 12 يوليو GMT 6:56 2018 الخميس 12 يوليو :آخر تحديث

المغرب..أيّ علاج لظاهرة الفقر على أرضنا؟

هسبريس

محمد أديب السلاوي

في السنوات العشر الماضية، انعقدت بآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية مؤتمرات ولقاءات عديدة لتدارس ظاهرة الفقر وعلاجها، حيث تأكد للعالم أن الآفة خرجت عن مفاهيمها القديمة، وأصبحت تهين قيم الأخلاق وتهين قيم الكرامة الإنسانية، وتعمل على نشر الجريمة والدعارة والخنوع والمذلة والانحراف وكل الموبقات الأخرى... وتأكد للعالم أن الفقر والفساد في عصر العولمة والتكنولوجيا والاتصالات السريعة والمتطورة، أصبح لا يضر فقط بالسلوك الفردي للفقراء؛ ولكنه أيضا أصبح يهدد أسس المجتمع في كل مكوناته.

إن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة على بلد كالمغرب، الذي يعد من الدول الأكثر فقرا وفسادا، يتساوى ترتيبه مع دول في أسفل الهرم، هو: ماذا عليه أن يفعل، اليوم، لمحاربة الفقر والفساد اللذين أصبحا يحيطان به من كل جانب، ويتهدداه من كل الزوايا؟ أي بتعبير آخر: ماذا عليه أن يفعل من أجل إنقاذ تنميته وديمقراطيته وكرامته الإنسانية؟ هل عليه صياغة إستراتيجية مضادة للفقر؟ أم عليه إعادة النظر في السياسات التي أدت إلى توسيع حالات الفقر والفساد؟

إن ظاهرة الفقر في المغرب وما يرتبط بها من إشكالات، أهمها وأخطرها إشكالية الفساد، تستلزم، في نظر العديد من الباحثين المغاربة، العمل بإستراتيجيتين متوازيتين، الأولى وقائية، والثانية علاجية حمائية.

بالنسبة للإستراتيجية الأولى (الوقائية)، يرى الباحثون ضرورة إعادة توزيع الدخل (مع مراجعة الرواتب والأجور) والرفع من وتيرة النمو بالعالم القروي، عن طريق الحد من الهجرة وبناء السدود والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي المحكم، الذي من شأنه إيجاد فرص للشغل وتأمين الصحة والتعليم، وتوفير السكن الاجتماعي، ودعم التضامن الاجتماعي، بمعونات عينية ونقدية تقدمها الدولة بصورة مستمرة للأشخاص الذين هم في حالة عوز مع إنشاء مراكز خاصة برعاية الأشخاص المعاقين والمعدمين بالتعاون مع الجماعات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وهي إستراتيجية نجد أطروحات عديدة عنها في الإعلام الوطني، كما في الدراسات الأكاديمية المغربية.

أما بالنسبة للإستراتيجية الثانية (الحمائية) فيرى الخبراء والباحثين، بالإضافة إلى مبدأ التضامن الذي تحتاجه الأسر الفقيرة، صياغة إستراتيجية بعيدة المدى، تعتمد نظرة شمولية لمسألة الفقر، تقوم على العلم والإرادة.

في نظرنا، إن الإمكانات وحدها لا تكفي لضمان معالجة نهائية وتامة لهذه المسألة، وهو ما يعني إعادة الاعتبار إلى الأسرة الفقيرة وإلى قيمها الرمزية وإلى تقاليدها العريقة في التضامن. ولن يتأتى ذلك دون منح وضعية قانونية قارة للأسرة المغربية في مدونة الأحوال الشخصية، استنادا على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دوليا.

معنى ذلك أن الأمر أضحى يتطلب إعطاء زخم إبداعي جديد للسياسة الاجتماعية الموجهة لفائدة العائلة الفقيرة / الزحم الأول للطفولة أمل الغد، باعتبارها النواة الأكثر تأثرا بالفقر وتداعياته، وأيضا باعتباره النواة الأساسية لتطور المجتمع وازدهاره، التي تتحمل الوزر الأكبر في تنشئة الطفولة واحتضانها وحمايتها...

في نظرنا أيضا، لن يتأتى ذلك خارج شروطه الموضوعية، وهي الإعلان عن الميثاق الوطني للأسر، والقيام بدراسات للأنساق التشريعية والتربوية والاقتصادية والثقافية المرتبطة بها، مع خلق ديناميكية حقيقية تسعف في اتخاذ تدابير إجرائية وعملية لرعاية الأسرة والنهوض بها ورد اعتبارها.

طبعا، إن مثل هذه الإستراتيجية تتطلب مكونات أساسية :

- التحديد الدقيق لأنواع العائلات الموجودة بالمغرب، ومستوى فقرها وانتمائها الجهوي، من أجل صياغة سياسة تأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل نوع عائلي على حدة.

- مد جسور التواصل بين المدرسة والعائلة وبينها وبين الوسط الاجتماعي والثقافي من أجل إعطاء التعليم دوره الوظيفي في مكافحة الفقر بالوسط الاجتماعي.

- تنظيم حملات مكثفة للقضاء على الفساد المالي والإداري والسياسي لمحو الأمية الوظيفية في أوساط النساء بالعالمين القروي والحضري، وتوعيتهن بحقوقهن المدنية من أجل انخراطهن في خطط مكافحة الفقر والفساد والقضاء عليهما.

- تعميم كل أشكال الضمان الاجتماعي والصحي، وتحسيس الأسر القروية والحضرية بأهمية الانخراط في سياسة التخطيط العائلي والتلقيح.

- مساعدة العائلات على الانتقال من نظام الاقتصاد العائلي التقليدي إلى النظام الاقتصادي المنفتح، والعمل على تحويل العائلة إلى مقاولة اقتصادية تقليدية ترتكز أساسا على ذوي القربى، لها القدرة على إيجاد مناصب الشغل لعناصر من خارج العائلة.

- مساعدة العائلات المنقسمة على نفسها للم شتاتها وتثبيتها داخل فضاءاتها الأصلية.

- إشراك المجتمع المدني في صياغة أرضية مشتركة تحدد القضايا العائلية المستعجلة التي يجب تحسين حلولها في أقرب الآجال.

- إشراك "وكالة التنمية الاجتماعية" و"مؤسسة محمد الخامس للتضامن" و"مؤسسة التعاون الوطني" وكافة المؤسسات الإحسانية في صياغة برنامج موحد وشامل لمساعدة الأشخاص الذين هم في حالة تهميش أو في حاجة إلى مساعدات أو إسعاف.

إن المهمة الأساسية لمثل هذه الإستراتيجية هي تقديم أوسع الخدمات وأفضلها للأسر الفقيرة، المنتجة لأطفال الشوارع والأطفال المتخلى عنهم وخادمات البيوت والأطفال الكادحين، وهم الأكثر استحقاقا للرعاية الاجتماعية، لاعتبارات اجتماعية واقتصادية، تهم الأسرة في كل مكوناتها.

وينطلق ذلك في تقديرنا من ثلاثة اعتبارات:

- الأول: اقتصادي، يرتبط بدور القوى البشرية في عملية الإنتاج الاجتماعي.

- الثاني: اجتماعي، وينبثق من المضامين الاجتماعية لفلسفة الرعاية الاجتماعية التي تقوم عليها سياسات الدولة لتأمين عيش كريم للمواطنين.

- الثالث: سياسي ويقوم على الربط بين هذه الخدمات، وبين حقوق المواطنين في التعليم والصحة والشغل والسكن والرعاية الاجتماعية، على مستوى المواطنين والأسر والجماعات.

إن الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع في هذه الإستراتيجية يجب أن تكون هي مجموع المطالب التي تضمن للمواطنين عامة والفقراء بشكل خاص، مستلزمات الكرامة الإنسانية بكل أبعادها المادية والمعنوية، وتمتد هذه المستلزمات من حاجات البقاء والنمو الجسمي والعقلي، إلى الطمأنينة والمساواة والإخاء.

إن المغرب اليوم، يتوفر في اعتقادنا على كل آليات التدخل لصياغة هذه الإستراتيجية... ولكنه ما زال في حاجة إلى آلية واحدة. ونعني بها إرادة الإصلاح الشامل التي تواجه الفساد والمفسدين، في الإدارات العمومية والأحزاب، وكافة المؤسسات ذات الصلة بالشأن العام.. أفلا تنظرون؟


في جريدة الجرائد