GMT 0:00 2018 الجمعة 13 يوليو GMT 2:00 2018 الجمعة 13 يوليو :آخر تحديث

منبج بعد درعا ... وإدلب بين الأسد و «طالبان»

الحياة اللندنية

سميرة المسالمة

لا يبدو السيناريو الروسي حتى اللحظة واضحاً في شكل هيمنة النظام على درعا، على رغم أن قوات الأسد بدأت تتموضع في كثير من المناطق المستولى عليها، في شرق الطريق وعلى طول الحدود مع الأردن، وفي مدنـــها وقراها غرباً، إلا أن ذلك لا يفسر بصورة نهائية إذا كانت موسكو تريد للأسد انتصاراً مشابهاً لما حدث في حمص والغوطة، حيث شاهدناه متجولاً بين دمارها، وعلى أنقاض تهجير سكانها، يلقي خطاب نصره، معلناً عودة هذه المدن إلى كنف النظام وأمنه، أم أنه «نصر شكلي» فتحظر عليه زيارتها، كما هو حاله في حلب، التي لا تزال حتى اليوم في عهدة الروس، على رغم مضي نحو عام ونصف على استرجاع الهيمنة عليها، من الفصائل المسلحة المحسوبة على المعارضة «الممولة تركياً»، ما يعني أن المساومات الدولية الحقيقية لم تحسم بعد، حتى عندما تغادر فصائل الجنوب جبهاتها سواء إلى خارج الحدود (الأردن أو الشمال الســـــوري تحـــت النفوذ التركي)، أو إلى داخلها، أي إلى الفيلق الخامس (الشرطة الروسية) المعد لاستيعاب نشاط المسلحين وتدجينهم ليكونوا السلاح بيد روسيا والنظام وليس عليهما.

والسؤال المكتوم في حلق مناصري النظام الذين احتفلوا بانتصارهم في حلب، والذي لم يكلل حتى اليوم بخطاب نصر الأسد الموعودين فيه من هناك على رغم عودة مؤسسات الدولة الخدمية إليها، وزيارات الحكومة التنفيذية ولقاءاتها بفعاليات حلب الاقتصادية المتكررة لإعادة الحياة إليها: هل طريق الأسد إلى درعا يمر من عمان إلى القدس صار مفتوحاً أمامه، أم أنه كما طريق حلب لايزال مغلقاً ويحتاج إلى معابر جانبية من منبج حتى أنقرة؟

فإذا كان طريق الأسد إلى حلب حتى اللحظة مرهوناً بالتوافقات التركية الروسية، التي تتضمن مصير ريف حلب ومناطق درع الفرات وإدلب وعفرين ومنبج، فإن الطريق إلى درعا أيضاُ، موصول بعمان المفتوحة مباشرة على القدس المحتلة، ولعله الطريق الأقرب إلى دمشق، من طريق حلب المفتوح على خيارات واسعة لكل الأطراف المتصارعة دولياً ومحلياً، فطـــــريق الأسد من دمشق إلى درعا مرهون بخيار العودة إلى ما قبل 2011، اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما يسعى له النظام مع كل من الأردن وإسرائيل، إضافة إلى تفصيلات إيرانية لم تخرج في مضمونها عما تريده الولايات المتحدة الأميركية، منها تأكيد التزام إيران ببيت الطاعة الأميركي، والتي جاءت عبر تصريحات السفير الإيراني مجتبى فردوسي بور فــــي عمان في 23 ايار (مايو) 2018، لصحـــيفة «الــغد» الأردنية نافياً فيها «أي وجود للقوات الإيرانية في الجنوب السوري»، ما يعـــــني التزام إيران كمرحلة أولى- ليست نهائيـــة - بمطالب إسرائيل بالابتعاد عن حدودها 80 كيلو متراً.

في الوقت الذي تفتح خيارات الطريق إلى إدلب باب المساومات الدولية واسعاُ، بحيث لا يمكن اقتصار حرب السنوات السبع- بكل القوى الدولية والإقليمية التي شاركت فيها- إلى مجرد حركة عصيان داخلي، يمكن لموسكو لملمتها وإعادتها إلى داخل الجب الأسدي، كما تحاول الآلة الإعلامية للنظام ترويجه، أيضاً لا يمكن التسليم أن كل ما تريده الولايات المتحدة بدخولها هذه الحرب فقط تلبية المطالب الإسرائيلية، المقتصرة على إبعاد إيران ومنظماتها وأذرعها «الميليشياوية» عن حدود إسرائيل، وتأطير وتحديد برنامجها النووي والصاروخي، مع أهمية هذين البندين على خارطة الأجندة الأميركية، وحلفائها من الأوروبيين والعرب أيضاً، لكن الشعار الذي رفعته أميركا «الحرب على الإرهاب» لا يزال في مقدمة أولوياتها، ما يترك المجال لإدلب بأن تكون أمام سيناريوات عديدة:

- إما محاربة «داعش» والتنظيمات المتطرفة حتى الهزيمة المطلقة، وهو الأمر الذي برهنت حروب السنوات الماضية الكثيرة في أفغانستان وباكستان على فشله، لأنها تنظيمات قادرة على إعادة إنتاج نفسها من جديد في مواقع جغرافية أخرى، وبمهمات إرهابية واسعة التمدد، وهو ما تخشاه أميركا والغرب.

- أو تسليم الملف كاملاً لتركيا لتدوير هذه المنظــمات والميليشيات، وإعادة إنتاج البديل الـــجديد تـــحت مسمى «منــطقة نفوذ سنية» تعود إدارتها سياسياً ومجتمعياً إلى تركيا، وتتشارك مع النظام السوري بتطويق حــدودها أمنياً، أي بإقامة ما يشبه منطقة حكم ذاتي، تجتــمع فيها القوى المسلـــحة التي رحلها النــظام وروسيا من كل سورية إلى إدلب، تحت مسمى فصائل متطرفة، تكـــون فيها الهيمنة على سكانها، والفصائل المسلحة الأخرى لمصلحة «المتحولين» من هيئة تحرير الشام وفصائل التركســــتان وبقــايا «داعــــش» ومن هو في سياقهم أو يتوافق معهم من الإســـلاميين، إلى المسمى الجديد الذي تختاره لهم تركيا اعتماداً على تجربة طالبان باكستان، وهذا السيناريو يتيح فرصة استمرار الصراع داخلياً ودولياً وفق الحــاجة له ولتوظيفاته.

- أو يستعيد النظام كامل الهيمنة ضمن محددات الخطة الروسية، التي تبدأ بشن الحرب، وتنتهي بالتسويات والمصالحات والتسليم، كما جرى في كل من حلب والغوطة ودرعا، مع ضمانات لتركيا بمراعاة كامل مخاوفها لجهة كرد سورية، وتوزعهم الجغرافي على حدودها، ولجهة ضمان حقوق مناصري تركيا من الأحزاب الإسلامية، للمشاركة في سلطة توفر لهم ما يتطلعون إليه من حرية الحركة والنشاط الحزبي الذي يخدم أهداف تركيا في المنطقة.

لا شك أن الولايات المتحدة منحت روسيا حرية التصرف بما يتعلق بالملف السوري، لكن ذلك لا يتناقض مع حفظ ماء الوجه الأميركي داخليا، بإنهاء ملف الإرهاب وتطويق مــخاطره، ضمن أحد السيناريوات التي تكفل إحكام السيطرة على منابع الإرهاب، وهذا يضمنه وجودهم ضمن مساحة جغرافية محددة، مسورة ومحمية من كل الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي يجعل من مصير إدلب «بعبعاً» للجميع، ومنهم الكرد الذين اختاروا أن يكونوا إلى جوار النظام، وتـــــحت مظلته ليتــجنبوا الدخول في حرب مع تركيا، ويتــموضعوا جنباً إلى جنب مع مصير مجهول لإدلب، وهو ما راعته التسويات التي تجري بين النظام والكرد بعيداً من الحرب المشتعلة في كل من درعا وعلى أطراف غرب إدلب.

قد تبدو السيناريوات موغلة في التشاؤم، ولعل أقلها سوءاً متابعة روسيا لخطة هيمنتها على كامل مساحة سورياة ما قبل 2011، ولكن ذلك كله لا يعني بالضرورة إعادة انتاج نظام الأسد الذي نعرفه سابقاً بنسختيه الأب والأبن، بقدر ما هو إعادة انتاج تجربة الأسد الأب في لبنان، ولكن وفق النسخة الروسية في سورية وتحت رعاية دولية تضمن إنتداب الرئيس فلاديمير بوتين على سورية، وفق صيغة دستورية تعد بالتوافق بين خاسرين (النظام والمعارضة)، وتحت رعاية المنتصرين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية.

* كاتبة سورية


في جريدة الجرائد