GMT 6:32 2017 السبت 11 نوفمبر GMT 13:53 2017 الإثنين 13 نوفمبر :آخر تحديث

حماية المال العام مسؤولية سياسية وأخلاقية

حسن العطار

حسـن العطار

المال العام بمفهومه المبسط يعني: كل ما يؤول ملكه إلى الدولة من أموال منقولة وغير منقولة سواء في الداخل أو استثمارات في الخارج، ومصادر الثروات الطبيعية والحيوانية والزراعية في البر والبحر وفوق الأرض وما في باطنها.

كذلك المرافق العامة هي جزء من المال العام، وتشمل الجامعات والمعاهد والمدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، والنوادي الثقافية والرياضية ومحطات الكهرباء وتحلية المياه، والمتنزهات وكل ما يتعلق بالبنية التحتية. كما تعتبر الشركات التي تكون للدولة أو الجهات الحكومية الأخرى النسبة الكبرى في رأسمالها ضمن المال العام ويحق للدولة مراقبتها. ويعتبر المال العام ملكا لكل أفراد المجتمع وله حرمة خاصة في المحافظة عليه وتنميته، ولا يحق لأي شخص مهما علت مكانته الوظيفية أو الاجتماعية أو السياسية أن يستولي عليه (أو على جزء منه) بغير حق، أو أن يبذره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر المشاريع الاقتصادية الفاشلة أو الوهمية أو التي لا تخدم الاقتصاد الوطني.

والمال العام في كل دول العالم يقوم على إدارته وتصريفه مجموعة من المسؤولين الذين يحتلون مناصب رسمية في الأجهزة الحكومية، وهم أولا وأخيرا من البشر، منهم الصالح ومنهم الفاسد الذي لا ضمير له، ومنهم صاحب النفس الرفيعة وصاحب النفس الوضيعة، ولا يختلف اثنان على أن المال بطبيعته مغر وأن النفس أمارة بالسوء. وحماية المال العام من السطو عليه والتلاعب به يتطلب، أولا: وجود قوانين واضحة وصارمة تجرم الاعتداء عليه (سرقته وتبذيره والتلاعب به). ثانيا: وجود مؤسسات مستقلة تابعة للجهات التنفيذية والتشريعية تكون لها كافة الصلاحيات للرقابة على أموال الدولة، وان تكون هذه الرقابة سابقة ولاحقة على كل أنشطة الدولة الاقتصادية ومعاملاتها المالية.

وتحرص الدول الديمقراطية المتحضرة، ذات المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية المستقلة، على حماية المال العام بضبط الأشخاص الذين يثبت تورطهم في الاعتداء على المال العام وتقديمهم إلى العدالة. والعدالة هنا تعني: استرجاع المال المسروق، وفضحهم في أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وسجنهم سنوات قد تطول أو تقصر حسب حجم الجرم المرتكب، وحرمانهم من تولي أي مناصب رسمية في الأجهزة الحكومية أو غيرها.

ولا يمكن لأي شخص ثبت تورطه أن يفلت من العقاب مهما كان مركزه الوظيفي أو مكانته الاجتماعية، وهناك امثله كثيرة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان وكوريا الجنوبية لأشخاص تقلدوا مناصب عليا وأصبحوا شخصيات معروفة على المستوى الدولي بحكم وظائفهم، ولكنهم سجنوا وشهر بهم عبر الإعلام بعد ثبوت تورطهم في الاعتداء على المال العام في بلدانهم، ومنهم من لم يستطع تحمل هذا العار فأقدم على الانتحار. لهذه الأسباب تعتبر جرائم الاعتداء على المال العام قليلة نسبيا في هذه الدول.

أما في دول العالم الثالث - الذي من ضمنه العالمين العربي والإسلامي - فالمال العام مستباح ولا حرمة له، ولا توجد في الكثير من دوله القوانين الصارمة التي تجرم الاعتداء على المال العام، ولا المؤسسات المستقلة ذات الصلاحيات للرقابة على أموال الدولة ومعاملاتها المالية. وان وجد بعض القوانين والمؤسسات الرقابية المستقلة في بعض الدول، فان الصلاحيات محدودة جدا والأفواه مكممه وتصعب ملاحقة الأشخاص المتهمين بالسطو على المال العام لاعتبارات سياسية واجتماعية.

ويكفي لقياس حجم الاعتداء والسطو على المال العام في العالم الثالث أن نعرف عن طريق "الأدبيات المتخصصة" أن الثروات الشخصية للنخب الحاكمة (السياسية والعسكرية) ومن يدور في فلكهم في الكثير من دول آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية تقدر بمليارات الدولارات، وان بعض الرؤساء والقادة تقدر ثرواتهم الشخصية بما يعادل مديونيات دولهم، وهذا يعني بوضوح أن اكثر الأموال التي اقترضتها تلك الدول من اجل المشاريع التنموية ذهبت إلى الحسابات الشخصية لهذه النخب الحاكمة في بلدان الملاذات الضريبية الآمنة، مثل سويسرا وبنما وجزر البهاماس وغيرها.

يقول الخبير الدستوري المصري "محمد نور فرحات" في كتابه «السلطة والقانون والحرية»: إن التشريعات والقوانين لا تسن من اجل أن تظل محفوظة في بطون النشرات الرسمية يرجع إليها طلاب القانون لدراستها بل إنها توضع لتطبق، فإذا كان القانون الرسمي النافذ في المجتمع لا يطبق فعلا في اغلب الحالات، فإما أن العيب في القانون، أو العيب في المجتمع، أو أن العيب فيهما معا. والأكثر خطورة (في رأيه) من الاستثناءات التشريعية في النيل من هيبة القانون وتجريده من فاعليته، هو أن تنظر أجهزة الدولة المنوط بها تطبيق القانون إلى هذا القانون باستهزاء وازدراء، إما لتحقيق مصالح مباشرة للأجهزة ذاتها من مخالفة القانون، وإما لتحقيق منافع شخصية غير مشروعة.

مساء السبت من الأسبوع الماضي، اوقفت السلطات السعودية 208 شخصا في قضايا فساد، بينهم 11 أميرا وأربعة وزراء حاليين وعشرات الوزراء السابقين وبعض رجال الأعمال، في حملة تطهير غير مسبوقة في تاريخ المملكة. تم الإفراج عن 7 أشخاص حتى الآن، وان التحقيقات على مدى الأعوام الثلاثة الماضية تقدر أن 100 مليار دولار على الأقل قد أسيئ استخدامها من خلال فساد واختلاس ممنهج على مدى عقود. الفساد متغلغل في كل الدول العربية بلا استثناء، وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها، فهل نسمع في القريب العاجل عن قرارات مماثلة تتخذها حكومات الدول العربية الأخرى ابتداء من دول الجوار القريبة؟ اعتقد أن الشعوب العربية تتوق إلى ذلك. قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

آخر الكلام: لمن يرغب من القراء الكرام الاطلاع على المزيد من المعلومات حول السطو على المال العام، فعليه بقراءة كتاب "وثائق بنما – Panama Papers" وهي وثائق سرية تم تسريبها، يصل عددها إلى حوالي 11.5 مليون وثيقة سرية لشركة "موساك فونسيكا" للخدمات القانونية في بنما التي تملك منظومة مصرفية تجعلها ملاذا ضريبيا مغريا. كشف تسرب تلك الوثائق وعبر عمل صحفي استقصائي أن الشركة تقدم خدمات تتعلق بالحسابات الخارجية لرؤساء الدول وشخصيات عامة وسياسية أخرى، بالإضافة إلى أشخاص بارزين في الأعمال الحرة والشؤون المالية والرياضية.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

في أخبار