GMT 6:00 2017 الأحد 24 ديسمبر GMT 1:13 2017 الأربعاء 27 ديسمبر :آخر تحديث

الآشوريون والمسيحية

سليمان يوسف يوسف

المسيحية، بعقيدتها المتمحورة حول تجسد الله بهيئة إنسان (المسيح) ليموت وينبعث من جديد لأجل خلاص البشرية ، ليست بعيدة أو غريبة عن "ميثولوجيا" شعب (بلاد ما بين النهرين)، التي نقلتها الينا الملاحم والأساطير الأكادية(البابلية- الآشورية)، مثل ملحمة "إينوما إيليش"(عندما في العُلى)، وملحمة (جلجامش)، أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ. جاء في ملحمةالخلق والتكوين (إينوما ايليش) " يا من خلقت البشر بكلمة نطقت بها ، أسألك أن تمكنني من الدفاع عن نفسي وتمنحني حكمك العادل .. بك أتوسل .. فتقبل تضرعي وابتهالي .. استجب لصلواتي .. واغفر لي خطاياي ونجني من الشرور التي تهدد حياتي". كم يبدو هذا الدعاء الآشوري القديم ، متماثلاً مع الدعاء المسيحي في الصلاة الربانية " آبانا الذي في السموات.. أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا لمن أساء إلينا. ولا تدخلنا في تجربة.. لكن نجنا من الشرير آمين". تزداد دهشتنا إذا علمنا بأن الآشوريين القدماء كانوا يحتفلون بالإله " مردوخ " ، بصفته مخلصاً ، بقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث. تماماً، كما يحتفل المسيحون بقيامة يسوع المسيح المخلص من القبر في اليوم الثالث ، بعد صلبه من قبل اليهود. التشابه الكبير بين العقائد الدينية للآشوريين القدماء وعقائد المسيحية، الى جانب ظروفهم وأوضاعهمالصعبة والمأساوية وهم يعيشون تحت وطأة الاحتلال(الفارس- الروماني/البيزنطي) ، تعد من الأسباب والعوامل الاساسية، التي دفعت بهم لدخول المسيحية. الآشوريون وجدوا في المسيحية، سبيلاً لخلاصهم الروحي ، بعد أن أخفقوا في التحرر والخلاص الجسدي (المادي) من مظالم المستعمرين.

مقاربة سريعة وموضوعية لمسار وحال المجتمع الآشوري في الحقبة المسيحية،نرى بأن الديانة المسيحية، شكلت منعطفاً تاريخياً خطيراً في حياة ومستقبل الآشوريين. فهي (المسيحية) كانت سبباً في تغلغل "الفكر اليهودي"، المسموم بروح العنصرية والفتن، في اللاهوت الآشوري المسيحي، من خلال كتاب(التوراة) ودسائس حاخامات اليهود المتسترين بالمسيحية، الذين خططوا لتمزيق وتفتيت الشعب الآشوري، انتقاماً لغزو ملوك الآشوريين/البابليين، زمن الامبراطورية (الآشورية- البابلية)، للممالك اليهودية في اسرائيل وسبي آلاف اليهود الى بابل و نينوى واربيل ومناطق اخرى في بلاد ما بين النهرين. اليهود، كُتاب "التوراة"، اجادوا بكتابة "الأناجيل". ابدعوا في تطعيم (الليتورجيا )السريانية/الآشورية بمقولات ونصوص تسيء لـ (بني آشور) وتنال من مكانتهم ، فيما هي تمجد (بني اسرائيل). الى تاريخه، مازالت حناجر المؤمنين ايام الأحاد في الكنائس تصدح بتراتيل سريانية ، تقول " فاصون منحيلو داوثورويو - نجنا من قوة الاشوري" و " نوطرين عامو دسروئيل.. موريهامر( يهوه) نوطوروخ - نحرس شعب اسرائيل .. سيدنا الاله يهوه نحن حراسك" و " الهو محرم نسطور من عيتو – الله يحرم نسطور من الكنيسة).نسطور ( بطريرك القسطنطينية)،عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية/البيزنطية، التي كانت في حالة حرب مع (امبراطورية فارس). عملاً بسياسة "فرق تسد" عمل الغزاة على تغذية الخلافات اللاهوتية بين الفرق والمذاهب الدينية في المجتمع الآشوري وإشعال نزاعات عسكرية بينها. فقد اُستُغل الخلاف اللاهوتي، الذي أثاره نسطور في مجمع أفسس 431م ،حول (طبيعة المسيح ووالدته مريم)، لإشعال قتال مرير بين الاشوريين اتباع نسطور الخاضعين لامبراطورية فارس، وبين الاشوريين الخاضعين للامبراطورية الرومانية\البيزنطية الذين أخذوا بقرارات مجمع أفسس المسكوني 431 م. طبعاً، كل امبراطورية دعمت الآشوريين الخاضعين لسلطتها ضد آشوريي الامبراطورية الأخرى. صحيح (نسطور) لم يكن آشورياً، لكن الكثير من الآشوريين تبعوه، وقد أحدثت بدعته اول شرخ عمودي في البنيان الآشوري. حتى عقود قليلة كان يُطلق على أتباع نسطور من الآشوريين بـ(السريان أو الآشوريين النساطرة)، أما اتباع المذهب الآخر الذي تبناه يعقوب البرادعيبـ(السريان أو الآشوريين اليعاقبة) . للاسف الى تاريخه مازالت الكنائس السريانية الارثوذكسية متمسكة بالحرم الكنسي الذي فُرض على نسطور قبل أكثر من 1600، وهذا يعني إبقاءها على الانقسام والتشرذم الطائفي للشعب الآشوري. بتحريض من المبشرين الغربيين (الكاثوليك والبروتستانت)، حدثت مزيد من الانشقاقات في المجتمع الآشوري . سنة 1553، انشق قسم كبير من الآشوريين عن (كنيسة المشرق الاشورية- النسطورية)، سميت كنيستهمبـ(كنيسة بابل للكلدان). الكنيسة السريانية الارثوذكسية هي الاخرى لم تسلم من خطر ودسائس المبشرين الغربيين، عنها تفرعت كنيسة الروم الأرثوذكس و كنيسة السريان الكاثوليك، ومجموعات أخرى انشقت وتبعت (الكنيسة البروتستنتية) ،و ايضاً، انشق الموارنة، وأسسوا(الكنيسة السريانية الانطاكية المارونية). مع الزمن تكرست الانقسامات وتباعدت الطوائف والمذاهب عن بعضها ، ثقافياً واجتماعياً وفكرياً، حتى غدت كل طائفة( آشورية- كلدانية- سريانية) تنظر لنفسها على أنها قومية وأمة بذاتها ، رغم التاريخ الواحد واللغة الواحدة والارض الواحدة والهوية الحضارية الواحدة . لا نزعم بأن (السيد المسيح)- الذي نقل عنه قوله للمرأة الكنعانية، التي توسلت اليه طالبةمنه شفاء ابنتها،" لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"، (إنجيل متى15: 24)- جاء لأجل إهلاك الآشوريين، بيد أن حملهم لرسالته الداعية للتسامح والمحبة والسلام بين الشعوب والامم، كلفهم الكثير على الصعيد العنصر البشري والوجود القومي والحقوق. الاشوريون وبعد اعتناقهم للمسيحية، تضاعفت معاناتهم وزاد شقائهم وبؤسهم. فقد تعرضوا لسلسلة طويلة من عمليات "الابادة الجماعية والترحيل القسري" على يد الجيوش الأجنبيةالغازية لمناطقهم التاريخية في سوريا و بلاد ما بين النهرين. (الفرس ، اليونانيين ،الرومان\البيزنطيين، العرب المسلمين ،المغول والتتر ،العثمانيين الاتراك ، الحروب العالمية والغدر بهم من قبل (الحكومات الغربية) وصولاً الى وقتنا الحاضر، حيث اجتاحت عصابات (تنظيم الدولة الاسلامية- داعش)المناطق والتجمعات الاشورية في كل من العراق وسوريا. الآشوريون تحملواوزر تمسكهم بالمسيحية ، الى درجة أن الكثير من الاشوريين (سريانا- كلداناً) المتبقين في المنطقة ، أصبحوا يشعرون بأن المسيحية ، التي بشر بها أجدادهم القدامى واوصلوها الى مناطق بعيدة في الشرق والغرب، باتت عبئاً ثقيلاً عليهم. إذا كان السيد المسيح صُلب مرة واحدة ، الآشوريون وعموم مسيحيي المشرق يُصلبون كل يوم، لا لذنب ارتكبوه وإنما فقط لأنهم مسيحيون.باختصار، المسيحية بعقائدها ومبادئها وفلسفتها الروحية، خاصة المذاهب (الكاثوليكية والبروتستنتية)، أحدثت قطيعة تامة بين الاشوريين وتراثهم العريق وحضارتهم العظيمة السابقة للمسيحية. سلخت الآشوريين عنتاريخهم الحضاري العريق، اعادت تشكيل وعيهم وثقافتهم حتى شُوهت و طمست الكثير من مقومات وخصائص هويتهم القومية و التاريخية. المسيحية ساهمت ومازالت تساهم في تعزيز روح الاستسلام لدى الانسان الآشوريالمسيحي. من خلال تعريب الطقوس الكنسية والانجيل، ساهمت الكنائس والى حد كبير في تسهيل عملية تعريب الآشوريين(سرياناً وكلداناً)، التي انتهجها الغزاة العرب بعد أن أخضعوهم لسلطانهم.

أخيراً: السقوط الأول للآشوريين كان (سقوطاً سياساً) تمثل بسقوط بابل 612 قبل الميلاد على يد الميديين الفرس. أما السقوط الثاني كان (سقوطاً قومياً)تمثل بدخولهم المسيحية.

باحث سوري مهتم بقضايا الاقليات

shuosin@gmail.com

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

في أخبار