هل الله هو الذي خلق الكون أم إن الكون هو الذي أولد الله كمفهوم كي يفهم البشر كينونتهم وحقيقتهم؟ هل للمصادفة دور في خلق الوجود أم إنه خلق منظم ومحسوب بدقة وفق ضرورة مسبقة؟ وهل هناك عملية خلق وبداية ونهاية وأصل ومصير أم إن حقيقة الوجود المطلق أزلية وأبدية؟ وإذا كنا وحيدين في هذا الكون فلماذا هو بهذه السعة اللامتناهية الحدود والأبعاد؟
استغرق السجال عن حقيقة الكون وأصله قروناً طويلة وتفاقم الجدل منذ ظهور النظريات العلمية في القرن السابع عشر واصطدامها بالمفهوم الكنسي والديني المؤسسي في الأديان السماوية الثلاثة على السواء واستمر إلى يوم الناس هذا. فهل الكون موجود دوماً وليس له تاريخ أم إنه مخلوق في مرحلة زمنية من قبل خالق أو قوة ما خارقة؟ وعن أي كون نتحدث؟ هل هو كوننا المرئي والمنظور والملموس مادياً الذي نعيش فيه فقط، أم المقصود هو كون مطلق أوسع وأكبر وأشمل بما لا يمكن تخيله من قبل العقل البشري الحالي القاصر علمياً، والذي لا يشكل كوننا المرئي بالنسبة له أي بالنسبة للكون المطلق الحي العاقل سوى جزء ضئيل لا قيمة له لا يتعدى حجمه حجم جسيم أولي لا متناهي في الصغر من الجسيمات المادية المكونة للكون المرئي، أي إن هذا الأخير ليس سوى جسيم لامتناهي في الصغر في نسيج وجسد ومحتوى الكون المطلق؟ يمكننا أن نستمر في طرح مثل هذه الأسئلة إلى ما لا نهاية وكلها محصورة بين مفاهيم الكيفية والسببية، والمكانية والزمانية كيف ولماذا وأين ومتى، التي طرحها البشر، فلاسفة وعلماء ورجال دين ومثقفين ومفكرين وغيرهم، على أنفسهم ولم يعثروا على أجوبة شافية وكافية ومنطقية وعقلانية مقنعة وناجعة ومثبتة علمياً ومختبرياً أو تجريبياً. كل الذي نعرفه اليوم محدود بنطاق الكون المرئي الذي نعرفه لأننا جزء منه فهو الذي أوجدنا، فنحن أبناء النجوم كما قال أحد العلماء وهو أندريه براهيك في كتابه " أبناء النجوم" وبالتالي صرنا نعرف بعضاً من قصته ونشأته ونتابع تطوره بما لدينا من أجهزة ومعدات وأدوات وتكنولوجيا، تعتبر بدائية، بالمقارنة بما يحتاجه علم دراسة الكون من تطور تكنولوجي هائل قد يكون متوفراً لدى حضارات فضائية عليا ذكية ومتقدمة علمياً وتتجاوزنا بملايين السنين، ولكن ليس عند البشر الذين يقطنون على سطح الكرة الأرضية رغم ما حققوه من تقدم لغاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وإن كان تقدماً مثيراً للدهشة. فكوننا متحرك وحي ويتطور وينمو ويتوسع باستمرار كما أظهرت لنا ذلك التلسكوبات الأرضية والفضائية كهابل وبلانك وغيرها الكثير. ولقد اتفق أغلب العلماء على أن كوننا المرئي والمنظور بدأ قبل 13.85 مليار سنة كما قلنا في الحلقة السابقة، وفق ما نقلته لنا نظرية الإنفجار العظيم البغ بانغ، وسيستمر لمليارات عديدة أخرى من السنين قبل أن يدخل في مرحلة التحول. إن حدث الإنفجار العظيم يشكل فرادة كونية لكنها ليست فريدة من نوعها بل قابلة للتكرار إلى ما لا نهاية، ولكن ليس داخل الكون المرئي بل خارجه في إطار الكون المطلق الذي يضم أكواناً لامتناهية العدد على غرار كوننا، تولد وتفنى في كل لحظة في حركة دءوبة ومستمرة ودائمة من خلال التفاعلات والتداخلات والتفاوتات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية فيما بينها كما يحدث عند تحرك وتصادم فقاعات رغوة الصابون في الحمام أو فقاعات الماء المغلي. نجح العلماء في تقليد صيرورة الإنفجار العظيم في المختبر بواسطة الحاسوب الكومبيوتر العملاق ومن خلال عملية محاكاة متقنة لكن بعد اكتشاف العلماء للقوانين الجوهرية الأربعة المسيرة والمحركة للكون المرئي وهي الثقالة أو الجاذبية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة أو القوية والقوة الكهرومغناطيسية. أثناء دراسة العلماء للكون المرئي وجدوا أنفسهم محكومين بدراسة حاضر الكون وتخمين ماضيه والتنبؤ بمستقبله. فالمادة المرئية المعروفة في الكون المرئي أو المنظور، التي ندرسها لا تشكل أكثر من 5% في حين أن 95% من مكوناته مازالت مجهولة من قبل البشر. ونكاد لا نعرف شيئاً عن المادة المضادة وأين ذهبت بعد فنائها إثر تصادمها مع معادلها ونقيضها المادة الملموسة، ونجهل كل شيء تقريباً عن المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة مع ثبات وجودهما عملياً ومختبرياً. بعد طغيان النزعة المادية والرؤية العلمية على المجتمعات الغربية المتطورة، ساد إتجاه بأن بوسعنا أن نشرح ونفسر كل شيء بالعلم وبملكة العقل البشري ووفق ما يعرف بالمبدأ الإنسي أو الأنثروبي principe anthropique، والذي يقول بأن الكون المرئي، بما فيه وما حوله، يمتلك المواصفات والمزايا والخصائص اللازمة والدقيقة والمنظمة لكي يوجد الحياة الذكية والعاقلة والوعي، أي إنه يعرف بأن الكائن الحي سينبثق من داخله فهو جزء من تكوينه الجوهري لأنه هو نفسه أي الكون المرئي جزء من كينونة حية وذكية وعاقلة ومطلقة هي الكون المطلق. ينطلق العلماء اليوم من نظرية الاحتمالات لبناء نماذج كونية بواسطة الحواسيب العملاقة على غرار الخلق الإلهي، بمختلف التركيبات والثوابت الكونية والظروف البدئية اللازمة والجميع يطرح تساؤله الدائم ألا وهو هل بمقدور نموذجي الكوني أن يحتوي الحياة في داخله؟ والنتيجة أن الغالبية من النماذج الحاسوبية للأكوان الإفتراضية الناجمة عن عمليات المحاكاة، لا تحتوي على الحياة العاقلة والذكية في داخلها. فنسبة العثور على الحياة تشبه إطلاق سهم من الكرة الأرضية على هدف حجمه سنتمر مربع واحد يقع على تخوم الكون المرئي على بعد 14 مليار سنة ضوئية وإصابة الهدف في مركز ذلك السنتمتر المربع. لا يوجد بين العلماء من يعترض على الثوابت الكونية الفيزيائية وقيمها الدقيقة والثابتة التي تتحكم بسيرورة الكون وحركته حيث هناك الضرورة التي تتغلب على الصدفة في رسم الهيكيلية الكونية للكون المرئي. ولكن العالم الفرنسي جاك مونود Jacques Monod، صاحب كتاب " الصدفة والضرورة " يعترض على مثل هذا الاستنتاج ويقول أن ظهور الوعي العاقل في الكون المرئي جاء نتيجة تصادف التقاء العديد من العوامل التي قادت إلى ذلك و لا يهتم الكون المرئي بوجودنا من عدمه فهو لا يبالي بما يتعلق بنا فالإنسان كائن ضائع في ضخامة اللامبالاة الكونية l’immensité L’indifférence de l’Univers، كما يقول العالم الفيزيائي ستيفن ويبنبرغ Steven Weinberg، فكلما فهمنا الكون أكثر، كلما بدا لنا واسعاً وفارغاً ومتوحشاً وخطراً ولا مبالياً وخالياً من المعنى، وهي رؤية متشائمة ويائسة تؤمن بعبثية الوجود، يتشاطرها الكاتب والمفكر جون ستون صاحب كتاب " هل لوجودنا معنى؟" في معرض مناقشته لأفكار البيولوجي جاك مونود" Jean Staune, Notre existence a-t-elle un sens ?, 2007, Ed. Presses de la renaissance،". ويعقب قائلاً لا معنى من ترديد متلازمة من خلق من؟ أي إذا كان الله هو الذي خلق الكون فمن خلق الله؟ وإذا كان الله الخالق ليس مخلوقاً ولا يحتاج لخالق يخلقه فلماذا لا يكون الكون غير مخلوق وليس بحاجة لخالق؟ ولو طرح التساؤل على الشكل التالي: إذا كان الكون يتطلب وجود سبب ومسبب لوجوده فلماذا لا يكون هناك سبب ومسبب لوجود الله؟ يرد أقطاب الكنيسة الكاثوليكية: إن لكل ما له بداية له سبب، وبالتالي هناك بداية للكون كما يقول العلم لذلك يجب أن يكون هناك سبب ما لوجوده في حين لا يعرف أحد بداية معلومة لــ لله لذا فهو ليس بحاجة لسبب لوجوده ". ولقد أثبتت نظرية آينشتين النسبية الخاصة والعامة المثبتة علمياً أن الزمن مرتبط بالمادة وبالمكان في وحدة متلازمة ومتداخلة ونسيج واحد هو الزمكان المادي أي أن الزمن بدأ مع المادة والمكان في حين أن الله يقع خارج الزمان والمكان الماديين وفق الرؤية الكنسية والدينية السماوية إذن فهو سابق للزمن المادي المعروف والمألوف لدينا و لا يبدأ معه أي ليس له بداية زمنية مادية مرتبطة به حسب الإدراك البشري المألوف. في حين ثبت أن للكون المرئي بداية حسب قوانين الثرموديناميكا الحرارية وهي أحد أسس الفيزياء المعاصرة وفي مبدأها الأول أن الكمية الكلية للمادة الطاقة في الكون ثابتة بينما يخبرنا المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية أن كمية الطاقة المتوفرة لعمل الكون تستهلك على مر الزمن حيث تزداد الأنثروبيا أي درجة الفوضى. وبما أن الكمية الكلية للكتلة الطاقة محدودة، وإن كمية الطاقة المستخدمة تتناقص مع مرور الزمن، فهذا يعني بالضرورة أن الكون لا يمكن أن يكون موجوداً دائماً بلا حدود زمنية وإلا لأستهلك مجمل طاقته على مدى مليارات السنين التي انصرمت والتعرض إلى ما يعرف بالموت الحراري. يواجه علم الكونيات أو الكوسمولوجيا المعاصر هذه المفارقات والتحديات ومع ذلك فهو من العلوم الدقيقة التجريبية والمختبرية المضبوطة. ومنذ نتائج القمر الصناعي الفضائي كوب - COBE Cosmic Background Explorer في سنوات التسعينات من القرن الماضي بلغ علم الكوسمولوجيا أوج قمته وأهميته بين العلوم الفيزيائية الأخرى، وسجل لنا أول الإشعاعات الكونية وصورها فوتوغرافياً وحمل لنا معلومات وحسابات مهمة ودقيقة لتدعيم وإثبات صحة وصلاحية نظرية الإنفجار العظيم الأنيقة التي تدعمت وترسخت أكثر مع نتائج التلسكوب الفضائي المتطور جداً بلانك Planck سنة 2013.
يتبع