GMT 5:57 2018 السبت 9 يونيو GMT 15:45 2018 السبت 9 يونيو :آخر تحديث

أين الحب؟

نزار جاف

نعم البدء هو الحب

لکن العاقبة الضياع

بيت شعري قصير ولکن معبر أيما تعبير لفروغ فرخزاد، تلك الشاعرة الايرانية التي سبقت عصرها و أمطرت النصف الثاني من القرن العشرين بزخات مطر سقت مروجا من الزهور العبقة التي سيبقى شذاها الى أزمان لايمکن حصرها، هکذا بيت، هو أشبه بإمبراطور و يتيم في نفس الوقت بهذا العصر، إمبراطور لمن يعي المعنى العميق الذي قصدته فرخزاد، ويتيم لمن يمر عليه مرور الکرام وکأنه يمر على الکلمات الملصقة ببعضها قسرا في هذا الزمن و يسمونه شعرا!

البدء هو الحب، في البدء کانت الکلمة، والکلمة کانت الحب. لکن الحب بشفافيته و صدقه و تلقائيته و نقائه لم يتسنى له أن يقاوم سوداوية و ضبابية هذا العالم و جنوحه نحو الظلام لکنه في نفس الوقت لم يستسلم أو بتعبير أکثر وضوحا لم ينکسر و يهزم، صحيح إنه لم ينتصر، لکن لم يهزم، وهذه حقيقة فرضت نفسها، إذ ليس هناك من يجرٶ على القول"لقد مات الحب"، في حين أن الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشە قد أطلق مقولته الشهيرة"لقد مات الله"!

الحب الاول لدى أي إنسان، يبقى کمرفأ لايمکن أن تغادره سفن الذکرى، وقد يکون هناك من يکابر أو يناور أو حتى يتقمص دورا إرضاءا لمن ألصقه الدهر به وجعله في منزلة الحب الاول، لکن حتى هذا الممثل وعندما يختلي بذاته و روحه يجد أن سفن ذکراه مازالت راسية في ذاك المرفأ الذي ليس لاينتهي وانما يبدأ بنهايته.

في ذاکرتي الکثير من المفارقات الغريبة، لکن أکثرها رسوخا في ذهني مايتعلق بمرافئ الحب، وقد کان لي صديقين موبوءين بالشعر، الاول کان فقيرا معدما قدم من مدينة نائية الى مدينة السليمانية و الثاني من عائلة متمکنة عريقة ذات أصول إيرانية، الاول أحب فتاة شقراء کانت آية في الجمال وکتب لها أروع ماأجادت به قريحته کشاعر، لکن الفتاة صدته بعنف ورغم ذلك ظل وفيا للحب الذي إعتمر في فٶاده تجاهها، أما الثاني، فقد عشقته فتاة تکبره سنا وهامت به لکنه کان ينظر لها نظرة مختلفة تماما، حيث کان يبحث عن الحب المنشود والذي لايزال يبحث عنه لحد الان، ولاريب من إن الاول و المتيمة بالثاني سوف تبقى سفن ذکراهما عالقة في المرفأ الاول و لن تبرحه، فلا حب کالحب الاول الذي يحفر في الاغوار دونما رحمة.

حکاية الحب الاول و رفضه أو إعتباره مجرد نزوة أو محطة من محطات النسيان، بل إن حکاية الحب نفسه، باتت أشبه بإشکالية في هذا العصر بعد أن طغت المسائل و القضايا المادية على الروحية و الوجدانية منها، فصار هناك من يهزأ و يتندر بالحب رغم إنه في أعماقه يطمح الى من يغدق عليه حبا نقيا أو أن يغرق و يغوص في حب عميق.

أين الحب؟ سٶال يتبادر للذهن، هل للحب وجود فعلا؟ هذا السٶال مشروع جدا خصوصا وإن مکسيم غورکي کان قد سمح لنفسه بسٶال خطير"أين الله" في روايته الشهيرة"إعتراف أين الله"، وعلى الرغم من إن غورکي قد قام بتجيير بحثه عن الله بسياق فکري بعد أن قاد بطله للطبقة العاملة ليجد ملاذه فيها، لکن البحث عن الحب لايمکن أن يتم تجييره و حصره و تحديده في قوالب فکرية و فلسفية محددة، رغم إن غورکي قد تجاهل أو قد نأى بنفسه عن تلك العلاقة القوية التي تجمع بين الله و بين الحب، بل إن الحلاج عندما يقول:

اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي

ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي

فإنه يشير الى هذه العلاقة التي سبقه في الاشارة إليها جبران خليل ولکن بإسلوب أقرب للفهم الانساني عندما قال:"لاتقل إن الله في قلب العاشقين بل قل إن العاشقين في قلب الله"، وقطعا لن أسعى للزعم بأن إستمرار النسل دليل على إن للحب وجود أو إن هذا هو الحب، لکنني أقول لو نجح الانسان في سره للإقرار بعدمية الحب، فإنه سيتوصل للحقيقة رغم إنني لاأعتقد إن هناك سويا يقر بعدمية الحب!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

في أخبار