GMT 19:45 2009 الإثنين 6 أبريل GMT 12:37 2010 الإثنين 17 مايو :آخر تحديث

الانقسام الطائفي عربيا من خلال تعليقات قراء إيلاف (1/2)

خلف علي الخلف

حديث القرضاوي عن التشيع يكشف المستور
الانقسام الطائفي عربيا من خلال تعليقات قراء إيلاف (1/2)

 
 خلف علي الخلف: إن تقدم النشر الالكتروني وازدياد رسوخه خلال فترة وجيزة في العالم العربي؛ لم يعط أداة لممارسة حرية التعبير فقط؛ بل اظهر حجما كبيرا من المكبوت لدى المتصفحين!. وإذا كانت أمم أخرى لديها هامش واسع من حرية التعبير والقدرة على الخوض في كل القضايا دون تردد فإن العالم العربي والإسلامي قدمت له شبكة الانترنت خدمة كان من الممكن أن يظل قرونا ينتظر تحققها لو بقي الأمر يتعلق بانجاز المنطقة وحدها فحسب.
لم تتح شبكة الانترنت حرية الوصول الى المعلومات فقط؛ بل أتاحت حرية نشر هذه المعلومات والعقائد والأفكار؛ كما أن الأمنية التي تراود البشر في لبس أقنعة التخفي أصبحت حقيقة ماثلة غير مجازية؛ عبر إتاحة الشبكة للمتصفحين أن يمارسوا كل ما يشاءون، بأي قناع يختارون دون أن تعرف هويتهم وقد كان ذلك أحد أحلام البشرية الملازمة لها.
الذي طفا على السطح هو التعبير عن المكبوت السياسي عربيا؛ لكن هناك في زوايا أخرى من الشبكة حجم أكبر من النشر والممارسة يتعلق بالمكبوت الجنسي والديني والاجتماعي. ومما أتاحته الشبكة القدرة على الإحصاء وفق نسب ارتياب مقبولة إحصائيا تجعل المقارنة ممكنة. فعند البحث عن كلمة "سياسة" في غوغل تكون النتائج "8,400,000"، بينما البحث عن مفردة "سكس" يعطينا "5,120,000" أما مفردة "جنس" ستكون نتائجها "99,700,000" نتيجة!! أي أكثر من مئة مليون نتيجة للمفردتين! وهذا اختبار عشوائي للتدليل على حجم المكبوت العربي وزواياه وطريقة تناوله. وبالتأكيد يمكن التفصيل في هذا الأمر؛ إلا أن هذا المبحث سيتناول حالة مختلفة من هذا المكبوت؛ وهو الانقسامات متعددة المستويات لدى أفراد وشعوب هذه المنطقة؛ التي أظهرتها الشبكة من خلال إتاحتها لهم إشهار وممارسة هذا الانقسام عبر ارتداء "الأقنعة".
 
مستويات الانقسام؛ من الجغرافي إلى المذهبي:
أبرزت شبكة الانترنت حالة الانقسام الأفقي والعمودي في المجتمعات العربية (و الإسلامية) على عدة مستويات بوضوح فاجر كانت وسائل الإعلام التقليدية تخفيه لأنه يناقض "إجماع الأمة" و تحت يافطة "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" أو "الحفاظ على المجتمع من الرذيلة"... وكم كبيير من الشعارات الجوفاء التي بددتها شبكة الانترنت بضغطة زر. وإذا كانت المواقع العربية مازالت تمارس رقابتها القادمة من عصر إعلام "إجماع الأمة" فإن الشبكة جعلت هذه الرقابة مسخاً لا تقدم ولا تؤخر شيئاً؛ فبعد ثورة الويب 2.0 وخلق المواقع التفاعلية؛ استخدم المتصفحون العرب المواقع العالمية التي لا يشكل لها "إجماع أمتنا" ولا الحفاظ على عفافنا هاجساً أو أمراً مهما لها لتنتبه إليه؛ وفيما بعد عندما أصبحت هذه المواقع تدعم اللغة العربية أصبح الأمر أكثر يسراً وأصبح محتوى المكبوت العربي أكثر مما يتخيل المرء، ولا يقف عند المحتوى النصي بل تعدى ذلك الى المحتوى الصوتي ومحتوى الفيديو والصور.
وقد بلغ الانقسام بين أفراد ومجتمعات العالم العربي من خلال المحتوى المعروض على شبكة الانترنت من أفراده حداً لم يترك شاردة أو واردة لم يأت عليها، ودائما من خلال الأقنعة. وتعددت مستويات هذا الانقسام: جغرافي؛ اثني؛ ديني؛ فكري، طبقي. وداخل كل مستوى من هذه الانقسامات هناك انقسامات أخرى تتبعها؛ فالديني يتفرع الى طائفي، ثم مذهبي، ومستويات أخرى اصغر، والانقسام الجغرافي يصل الى ماهو مناطقيَ! فالانقسام الجغرافي(1) الذي يتفرع الى الأمة و "الدولة" والتي تشكل انتماء (وطني) يحضر لا كمنجز تحت مفهوم المواطنة والوطن والانتماء له بل يتحدد وفق معيار جغرافي وعائدية الجنسية، وإذا كان داخليا لا يشكل هوية متبلورة فهو يحضر كهوية فقط عندما يكون بمواجهة هوية أخرى تتخذ نفس البعد؛ وهذا الانتماء الذي يجمع "شمل" أفراد (دولة) ما ضد أفراد (دولة) أخرى سرعان ما يتبدد عندما يدخل إليه الانقسام الديني أو المذهبي.. أو الانقسام الفكري (متدينون، غير متدينون)
 وقد أتاح هذا المحتوى فرصة فريدة للدراسات الاجتماعية والنفسية والسلوكية والسياسية والدينية المقارنة؛ بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ؛ ولم تعد قلة المعلومات هي العائق بل إن كثرتها وتراكمها وطريقة تبويبها هي العائق الذي سيواجه الباحثين في دراساتهم التي لم تبدأ بعد (عربيا).
 
الكتائب الإلكترونية المسلحة:
لم يقف أمر الانقسام عند المستوى التعبيري واستخدام الكلمة؛ بل وصل إلى حرب مستعرة خصوصا على مستوى الانقسام الديني أو الطائفي أو الفكري؛ وتستخدم هذه الحرب الأسلحة الثقيلة التي وفرتها الانترنت نفسها؛ وتشكلت كتائب للجهاد الالكتروني المقدس وأصبح لها فتاوى ومرجعيات!(2) وأبرز هذه الأسلحة الثقيلة؛ هي اختراق المواقع وتدميرها والسيطرة عليها... فقد تم اختراق مواقع علمانية وليبرالية بشكل دائم من قبل أنصار التيارات الدينية المتشددة؛ وهنا يتم تنحية الانقسام الطائفي لصالح الفكري؛ بينما الحرب الأكثر ضراوة تتم وفق الانقسام الطائفي (سني- شيعي)(3) الذي طفا على السطح في السنوات الأخيرة؛ ويظهر حتى في المحتوى الجنسي!
 
"شيعي – سني" هوية يعاد إنتاجها:
هذا المبحث سيتناول الانقسام على مستوى فرعي؛ مما بعد الانقسام الأساسي الديني؛ أي الطائفي بحالته الأبرز "شيعة- سنة" والمتداخل مع مستويات متعددة من الانقسامات (قومي/ أثني؛ فكري) من خلال حالة محددة؛ هي تلك التي أثارها حديث (الشيخ) يوسف القرضاوي الداعية القطري الجنسية، المصري الأصل لجريدة "المصري اليوم"، ونشر بتاريخ 8- 9 أيلول (سبتمبر) 2008 حول التشيع؛ والذي قال أن إيران تقوم به في المنطقة العربية. متخذين –كحالة استناد- موضوعاً نشر في إيلاف حول الأمر بتاريخ 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2008  بعنوان" القرضاوي يحذر من حريق إيراني مدمر" أي بعد شهر كامل من الحديث الأساسي للقرضاوي، أي أن المسألة تم توضيحها مرارا وتكرارا في كل وسائل الإعلام ولم يعد هناك لبس أو سوء نقل أو دعوى تحريف للأقوال؛ وهذا يعني أننا نتناول حالة مستقرة غير ناتجة عن سوء تأويل أو فهم، أو نقص في المعلومات.. ويشكل القرضاوي حالة نموذجية للبحث فهو داعية شهير له برنامج أسبوعي على قناة إخبارية عربية شهيرة؛ وله مواقف سابقة لما سمي التقريب بين المذاهب؛ وهو كذلك رئيس ما يسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يجمع (علماء) من مذاهب مختلفة!
 
ماذا قال القرضاوي:
~...أما الشيعة فهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السني وهم مهيئون لذلك بما لديهم من ثروات بالمليارات وكوادر مدربة علي التبشير بالمنهج الشيعي في البلاد السنية(...) وهو ما يجب أن نحذر منه، وما يجب أن نقف ضده في هذه الفترة (لـ) نحمي المجتمعات السنية من الغزو الشيعي، وأدعو علماء السنة للتكاتف ومواجهة هذا الغزو (...) فكثير منهم يقول إن القرآن الموجود هو كلام الله ولكن ينقصه بعض الأشياء مثل سورة الولاية، نحن نقول إن السنة سنة محمد أما هم فلديهم سنة المعصومين محمد والأئمة الأحد عشر، ويعتبرون سنتهم مثل سنة محمد.. نحن نقول أبو بكر رضي الله عنه وعمرو رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها وهم يقولون لعنهم الله...}
وفي نفس الحديث الذي كان سؤاله مزدوجاً ويتناول الوهابية والشيعة قال القرضاوي عن (الفكر) الوهابي ~... في السنوات الأخيرة اشتعل الفكر الوهابي بقوة وكان له دعاة ومدعمون والعيب فيه هو التعصب له ضد الأفكار الأخرى وهو قائم علي المذهب الحنبلي، ولكنهم لا يرون ولا يؤمنون إلا برأيهم فهم يعتبرون أن رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب..}
وبينما وبعد بضع جمل كفر القرضاوي القرآنيون (مسلمون يقولون بالقرآن فقط): ~من قال إنه لا يؤمن بالسنة كافر، لأن معنى هذا أنه لا يؤمن أن الصلوات خمس وصلاة الظهر أربع ركعات، والصبح ركعتان وإلا كيف عرف فهي تفاصيل لم تذكر في القرآن بل في السنة.. من ينكر السنة فهو كافر.}
ولم يتناول أحد في وسائل الإعلام ما ذكره القرضاوي عن الوهابية رغم أنه يقارب من حيث المحتوى ما قاله عن الشيعة؛ لأن الانقسام هنا يتم على المستوى الثالث (ديني < طائفي < داخل الطائفة) فهمش وتم تجاهله لصالح الثاني (ديني< طائفي) لأنه الأوسع والأكثر شمولاً والأكثر استقطاباً. بينما لم يلتفت للقرآنيين(4) أحد سوى بعضهم الذي كتب عن تجاهل تكفيرهم.
 
عن اختيار إيلاف لدراسة الحالة المحددة:
 نشرت جريدة إيلاف تقارير متعاقبة حول تصريحات القرضاوي مثلها مثل وسائل الإعلام المختلفة؛ وتابعت الأمر بتغطية جيدة؛ لكن اختيارها لم يكن وفقا لهذا الاعتبار فقط بل أيضا لأن جريدة إيلاف مكان مثالي لقراءة الانقسام وفق الحالة الطائفية؛ لحيادها اتجاه هذا الانقسام؛ فهي تصنف من خلال محتواها كجريدة ليبرالية علمانية ولا يشكل لها الانقسام الديني وفق المستوى الأول أو الثاني محاذير رقابية عالية السقف وبالتالي؛ ورغم انها تراقب التعليقات فهي لا تعبأ بـ "إجماع الأمة" حول الانقسام الديني أو الإثني أو الطائفي.
يتبع
تاريخ النشر 2008 الخميس 6 نوفمبر - ايلاف

في