وعيٌ على ذكرياتي

&
&خرجنا نحن الثلاثة في الصباح أنا وتاج االدين وشرف، القادم من الجنوب لانهاء اعمال له في الخرطوم.. تاج االدين توجه الى مقر عمله في دائرة البريد.. افترقنا انا وشرف وسط المدينة بعد أن قام بارشادي الى الطريق المؤدي الى مكان رئاسة الوزراء.&
.. كانت اشجار الكالبتوس الضخمة تظلل رصيف كورنيش النيل الازرق وانا اسير بخطى وئيدة حالمة سارحا بافكاري مرة بمرايا النهر العظيم المتلامعة، واخرى بالمقابلة التي سيّرني اليها الجواهري.. "هل انا انت ياجواهري ؟!، من تحسبني كي تضعني من حين لآخر امام جهابذة الفكر والسياسة.. تحرجني يا والدي كثيرا،فلست ضليعا مثلك بالدنيا والناس.. قد يتلبسني الهلع.. قد يتلجلج ويتلعثم لساني او يصيبه العيّ اصلا.. رسائل من (لجنة الدفاع عن الشعب العراقي) التي تراسها.. رسائل.. كلمات، كلمات، كيف لها أن يثمر مضمونها وهي مجرد تراكيب حروف، وقد ابتعد الحدث وبرد.. لم تعط اللجنة حتى في اوج تأسيسها، و الحدث الدامي في العراق لا يزال ساخنا يهز ضمائر الشرفاء وانت تراس وفودها الى الدول، لم تعط اثرا يذكر، فكيف بكلمات عارية منها وقد هزلت، قلت انت عنها قبل أمد قصير " أنها تلفظ انفاسها الاخيرة ".. من تحسبني لأدخل عرين احد قادة ثورة مصر خالد محي الدين مرة، واخرى عالم التجاني الماحي العظيم، المليء بخبايا الامم والنفوس.. وها انا على مشارف ابواب زعيم دولة وقائد مسيرتها.. موسوعة في العلم والادب، اول مهندس سوداني في تأريخها الحديث، احد كبار محاميها وقضاتها، من اوائل الساسة المرموقين الساعين الى الرقي بالسودان الى مكانتها التي تستحقها بين الامم.. وزير مرة وثانية وثالثة، رئيس وزراء سودان ثورة اكتوبر.. بأية لغة سأتحدث معه!!.. وهو فوق كل ذاك شاعر رقيق مرهف الحس جميل الصور ".. قرأت ديوانيه في براغ (قصة قلب) و(قلب وتجارب) الذين اهداهما اليك.. (الى شاعر العرب الاكبر.. اقبلوا مني ديواني المتواضع هذا تعبيراعن محبتي وتقديري البالغين وتواصلا بلغة الشعر التي انت عمودها).. هذا ماكتبه بخط انيق على احديهما..&


&بناية شرقية قديمة من طابقين تشبه البيوت البغدادية القديمة تشرف على النيل..&
.. لم ألحظ اي حرس او عساكر وانا اجتاز البوابة المشرعة الى الساحة الوسطية للدار المنفتحة على السماء والمشجرة حواشيها.&
.. كانت هنالك في الساحة سيارة سوداء فارهة.&
.. ارتقيت السلم وتجاوزت في الممر المشرف على الساحة بضعة مكاتب لموظفي الشؤون الادارية..&
.. غرفة مشرعة النوافذ من الطرف المطل على النيل و المشرفة على الساحة من الجانب الآخر بلوحة نحاسية خط عليها (مكتب رئيس الوزراء)&
.. حييت سيدة تجلس وراء منضدة خشبية متواضعة كانت منشغلة بالحديث مع رجل كهل يحمل ملفات بيده – يبدو انها سكرتيرة المكتب –.. انتظرت حتى اكملتْ الحديث ووضع الرجل اوراقا وملفات امامها على المنضدة وغادر الغرفة.. تقدمت صوبها وحييتها من جديد :
-أنا من العراق وقد حملني صديق قديم لسيادة رئيس الوزراء، الشاعر محمد مهدي الجواهري رسالة شخصية لسيادته..&
- سأوصل الرسالة اليه.&
-هل بأمكاني ان اوصلها اليه شخصيا وفقما كلفت به ؟!
- اعتقد ان ذلك سيكون ممكنا يا استاذ، لكن الرئيس في جولة ميدانية في بعض محافظات السودان وسيعود يوم الخميس القادم.. هل يناسبك الاثنين القادم الساعة العاشرة صباحا.&
- سأكون شاكرا جدا.. هذا لطف كبير منك.&
- الاسم الكريم ؟
- الدكتور فلاح الجواهري.&
دوّنت الاسم في سجل المواعيد
- هل تقرب لصاحب الرسالة&
- ابنه سيدتي&
- اهلا وسهلا.. نراكم الاثين القادم انشاء الله
- انشاء الله واكرر شكري سيدتي الكريمة.&
&
&* * *
في ساعة متقدمة من الليل خرجنا انا وتاج الدين.. احد اصحابه المقربين يتزوج الليلة.&
في جانب من حي البلدية الذي نقيم فيه، وحيث البيوت اكثر حداثة وسعة تناهت الينا اصوات موسيقى وغناء ونحن نقترب من بيت العريس مصطفى.&
الباب مشرع بظلفتيه.. في ساحة البيت المكشوف رصفت كراس من الخيزران على ثلاثة صفوف بشكل دائري سمح لمساحة فارغة واسعة في الوسط.&
كان ثلاثة من الموسيقين بعود وطبلة وناي يأخذون اماكنهم في جانب منها، ومغن يردد موالاته امامهم.&
لم يكن الحضور من النساء والرجال كبيرا، وتواجدت اماكن شاغرة كثيرة بين الصفوف.&
النساء يجلسن في نصف دائرة تقابلها نصف دائرة الرجال..&
هرع مصطفى واخوه هاشم للقيانا..&
- اهلا بالدكتور.. دحنا زارنا النبي.. يا اهلا ومية مرحب (ايقنت ان تاج الدين قد ابلغه مسبقا باصطحابي).. اهلا بيك يا صديقي العزيز تاج الدين..&
شدّ واخوه على يدي بحرارة كبيرة، في حين احتضن تاج الدين العريس بحرارة وقبله فوق وجنتيه.&
توجه بنا الاخوان الى كرسيين شاغرين في الصف الاول على الساحة..&
.. وزعت لفائف مناديل الحرير المطرز بسكاكرها، اعقبتها اقداح شراب البرتقال والليمون.. تزايد عدد الحاضرين حتى لم تتبق كراس شاغرة.&
نهضت إمرأة في الخمسينات باللباس السوداني الجميل الالوان الملتف على جسدها بأناقة وبشال مزخرف ينسدل فوق رأسها " همس باذني تاج : هذه والدة العريس ".. مدت يدها لتأخذ بيد إمرأة في اواسط العمر لها نفس المظهر الجميل الانيق المحتشم الى وسط الفسحة الدائرية.. " وهذه والدة العروس ".. همس تاج من جديد.&
.. ألقت والدة العروس التي تقف في الساحة بوشاح رأسها الى الخلف على كتفيها.. في ذات الوقت نهض رجل كهل بجلابية سودانية.. " وهذا والد العروس.. همس تاج " وتوجه الى رجل كهل يجلس في الصف الامامي.. وقف امامه مبتسما وانحنى فوق رأسه وطرق باصبعيه، السبابة والوسطى، بلحن بسيط.. " وهذا الجالس المدعو الى الرقص هو والد العريس.. همس تاج ".&
.. والد العريس ووالدة العروس الآن يقفان وحدهما في الساحة.. يتقدم الرجل، فيرفع شعرها الذي وخطه الشيب بوقار ليضعه فوق الوشاح الملقى على الكتفين ولينسرح الشعر على ظهرها&
.. ترتفع الزغاريد.. ويزداد ايقاع الالحان ويعلو بحماس صوت المطرب.. يبدأ الاثنان يتمايلان مع الايقاع وجها لوجه في رقص محتشم جميل.. لا يلمس احدهما الآخر، ولا يرفع اي منهما خلال الرقص بصره الى وجه رفيقه.&
.. تزداد اشراقة الابتسامة على وجهيهما وهما ينسجمان أكثر وأكثر ويزداد تمايلهما مع ايقاعات الالحان.. يستمر الرقص الثناءي وسط الساحة لخمس دقائق او أكثر وسط الزغاريد المتزايدة وتصفيق ايادي الجالسين بشكل يتماشى والحان الفرقة العازفة وترنيمات المغني..&
.. يتوقفان عن الرقص، وينحني والد العريس باحترام وبابتسامة واسعة امام رفيقته&
.. تتجه والدة العروس الى إحدى الشابات الجالسات وتسحبها برقة الى وسط الساحة بدلا منها، في الوقت الذي يطرق والد العريس المنسحب اصبعيه امام أحد الشباب داعيا اياه لأخذ دوره في الرقص.&
.. يعيد الشاب نفس الحركات السابقة ليرفع برقة شعر رفيقته من وراء الوشاح ويرخيه منسدلا فوق ظهرها&
.. ياخذ الشابان نفس طقوس الراقصين السابقين.. الشاب يزهو بابتسامته.. الشابه يعتريها بعض الخجل في البدء، سرعان ما يزول مع ارتفاع الزغاريد والالحان..&
.. يستمر الراقصون ثناءي يعقب ثناءي آخر في الساحة..&
.. وقف العريس أمامي طارقاً باصبعيه داعيا الى الرقص.. لم يفد إلحاحه (وللاسف) في سحبي الى الساحة..&
ودّعنا مصطفى قرب منتصف الليل، بعد أن أقسم يمينا لحضورنا إفطار المقربين جدا صباحية العرس.&
في الطريق حدثني تاج الدين عن أن كثيرا من الزيجات تترتب بدعوة الشاب والفتاة التي تعجبه الى ساحة الرقص، بعد ان يطلب الشاب المغرم من اهل العريسين ترتيب هذا الامر.&

في وقت متقدم من الصباح كنا قد دخلنا الدار وقادنا اخو العريس الى غرفة واسعة في (البراني) حيث وضعت مائدة مستديرة،لا ترتفع إلا قليلا عن سجاد الغرفة.. نثرت حول المائدة وسائد للجلوس..&
حضر العريس، نهضنا للقاءه.. قبله تاج الدين على وجنتيه محتضنا اياه ومباركا بحرارة، وقمت بدوري واحتضنته وقبلته وباركت، وانا منتش بالعطر الشرقي الذي يعبق منه.&
حضر والد العريس مع اخيه فأخذهما تاج وأنا من بعده بالاحضان مهنئين.&
.. امتلأ سطح المنضدة بشتى المأكولات&
.. ما أن دعينا الى الجلوس حولها، حتى نهض العريس فجأة وانحنى فوقي محدثا..&
-دحنه زارنا النبي.. ميت هلا ومرحب.. سأرقّـّص لك العروس.. مافي صباحية احله من كده بوجودك.. شرف أن ترقص العروس في صباحيتها امامك.&
تلعثمت وانا اترجاه أن لا يقدم على ذلك، متخيلا اياها وهي متعبة من سهرة البارحة وليلتها، وان تقوم من فراشها وتضع ملبسها وزينتها على مضض..&
.. كررت رجاءي بشبه توسل حتى نزل مصطفى على ارادتي.&
واصلنا افطارنا باحاديث مرحة غلبت عليها ممازحات تاج الدين لصديق عمره مصطفى، عن وقوعه اخيرا في القفص بعد اقناع طويل، فيرد عليه الآخر بأنه سيحكم وضع خطط المؤامرة الكبرى بنفسه ليزج تاج الدين قريبا مخفورا في قفص مماثل محكم القضبان، إنتقاما منه على مؤامرة إقناعه.&

حين خرجنا كانت الدار قد امتلئت بالوافدين الواقفين وراء موائد الافطار المنصوبة حول باحة (البراني).. يخرج البعض ليدخل البعض الاخر.&
- ماقصة ترقيص العروس يا تاج ؟
- غالبا في الاعراس، وتكريما لاقرب المقربين من العريسين حول مائدة الصباحية ترقّـص العروس.. لماذا رفضت بهذا الاصرار يارجل.. كنا انبسطنا تمامْ.. دانته والله نكد يا صاحبي.. أما انك عراكَـي راسك ناشف بصحيح "
شد على كتفي ونحن نسير وضحك بصوت عال.&
.. تستمر الافراح اسبوعا ودار العريس مفتوحة بموائدها وحفلاتها ليل نها ر.&
* * *
&في العاشرة من صبيحة يوم الاثنين كنت جالسا في مكتب السكرتارية منتظرا خروج السفير الامريكي من غرفة رئيس الوزراء.&
اشارت اليّ السكرتيرة بعد خروجه بقليل بالدخول..&
حين فتحت الباب خلتُ ولوهلة خاطفة، ان النهر العظيم والنخيل المتناءي وزرقة السماء قد غمرت الغرفة الواسعة امامي..&
.. شبابيك طولية هي جبهة الغرفة المطلة على النيل، تمتد من السقف الى ارضية الغرفة.. طابوق فرشي عريض وحصيرة مدورة كبيرة متشابكة النقوش زاهية الالوان فوقه.&
.. في صدر الغرفة مكتب ماهجوني غير ضخم فوقه ثلاثة هواتف وبضع اوراق، ووجه ممتليء اسمر وراءه ينظر اليّ باسم الثغر والعينين بترحاب محافظ..&
.. زال عني الهلع الذي تملكني قبل فتح باب الغرفة بلحظات..&
.. غمرني سلام هاديء.&
اشار الى مقعد قريب للجلوس.&
-اهلا بأبن شاعرنا الكبير.. كيف حال الوالد انشاء الله بخير
- الحمد لله.. لقد حمّلني مع تحياته الحارة رسالة اليكم.&
اخرجت الرسالة من محفظة صغيرة وأقتربت من المكتب وسلمتها اليه.&
قرأ الرسالة.. صمت قليلا بعدها.. طوى الرسالة ووضعها فوق المكتب.&
-هل تنظم الشعر ؟ سالني مبتسما.&
-من يجد نفسه عند اقدام جبل شامخ صعب الارتقاء، يمشي آمنا على السفح.&
-وماحدود سفحك ؟
-رسام متواضع.&
- هل لك من مقصد آخر في السودان غير الرسالة ؟
- أطمح، سيادتكم، أن اضع خدمتي، كطبيب حديث التخرج، في بلدي هنا.&
- أنت محظوظ فوزير الصحة على موعد معي بعد نصف ساعة.. يمكنك الانتظار عند فاطمة مديرة المكتب لو شئت..&

دخل السكرتارية كهل قصير القامة باسم الوجه وخط الشيب فوديه..&
-اشلونك حبيبتي فاطمة.. (انتبه الى وجودي) التفت صوبي ووا صل.. دي فاطمة ست وحبيبة الكل.&
بسرعة وبشكل يكاد لا يلحظ ضغطت فاطمة احد ازرار الهاتف فلمظ فوقه ضوء اخضر.. نهضتْ وتقدمتْ الزائر.. نقرتْ على باب الرئيس برقة.. فتحتْ الباب وانحنتْ محيية، لتسمح للرجل الكهل القصير بالمرور&
.. جلستْ وراء مكتبها، والتفتتْ صوبي مبتسمة.. ".. وزير الصحة "
مرت نصف ساعة قبل ان يخرج وزير الصحة..&
توجه صوبي مبتسما..&
-دكتور ابن الجواهري مرحبا بك..&
نهضت عن مقعدي وانحنيت محييا.. مد يده وامسك بكتفي :
-خلاص إحنا حنعينك بعد يومين ونبعثك لمدينة (واو).&
(كانت مدينة (واو) هدف متمردي جنوب السودان المستمر وغالبا ما قطعت تماما عن بقية السودان)
-اين ما تضعوني فانا في خدمة بلدي.&
- دحنه بنمزح وياك يا راجل، قالها ضاحكا،.. مكانك هنا في مستشفى الخرطوم التعليمي.. الطبيب الدوري فيها هو اول الطريق لكل طبيب... هل لديك مكان تقيم فيه حتى يصدر أمر التعيين ؟
- نعم سيادة الوزير واشكركم " يا للحماقة مكابرة لعينة لا كبرياء.. هفوة لسان غبية لا سبيل لسحبها "..&
- اكتبْ طلباً للتعيين وقدمه الى فاطمة والست الحليوه عليها الباقي..&
غادر مكتب السكرتارية.&

تعالت اصوات نسوية صاخبة من ساحة الدار، اعقبتها هتافات تردد:
" يا محجوب يا محجوب ".. " رمز العدالة محجوب "،
.. "منهو زعيمنا "تهتف مجموعة.. ياتي الجواب " محجوب !"،
... " وحياة نبينا المحبوب " تهتف مجموعة.. الاخرى تقفّي" احنا بحماية محجوب "..&
لم استطع حبس فضولي اكثر من ذلك.. انحنيت وسألت بهمس&
-لو سمحت – ومع الاعتذار – من هاته النسوة ؟
-القصة باختصار يا دكتور انهن بنات هوى يريد محافظ الخرطوم، بناء على طلب البعض، نقلهم من اماكنهم قرب فندق النيل الازرق الى اماكن بعيدة خارج اطراف الخرطوم.&
نسوة ثلاث بملالآ ت سودانية محتشمة دخلن المكتب&
.. تقدمت احداهن الى السكرتيرة بعدة اوراق.. خمنتُ انه طلب الى الرئيس مذيلا بتواقيع النسوة المعنيات بالنقل.&
دخلتْ مديرة المكتب الى غرفة محجوب.. خرجت بعد دقائق وطلبت أن تدخل واحدة من الثلاث.&
.. لم تطل المقابلة كثيرا، خرجت بعدها مندوبة التظاهرة بوجه فرح.. تقدمت الى فاطمة وقبلتها على وجنتها.. اشارت الى الاثنين الاخريين ليتبعنها الى خارج المكتب..&
.. انحنت (المندوبة) بجسدها فوق افريز سياج الممشى المطل على الساحة.. وصاحت بصوت عال مخاطبة التظاهرة النسوية تحتها :
-زغرودة للنبي!.. زغرودة لمحجوب !&
ارتفعت هتافات النسوة بفرح عارم من الساحة وسط الزغاريد المتكررة :
" بطل الامة المحبوب ".. " عاش زعيمنا محجوب"، / " راعي فقيرنا والمظلومْ ".. " محجوب سيد كلْ الكَـومْ " /.. وتستمر الهتافات.. حشد يسأل وآخر يرد.&
غادر رئيس الوزراء على عجل كما لو انه قد نسي موعدا هاما..&
الهتافات والزغاريد لا تزال مستمرة.. ازداد الصخب وتعالى في الساحة وتشابك مع ضجيج الهتافات المتداخلة.&
.. خرجتُ الى الممشى واستندت بمرفقيّ مسندا وجهي بكفيّ منتشيا بالمشهد تحتي..&
محجوب يقف قرب سيارته السوداء الفارهة وقد غرقت قامته الضخمة في سيل من الوان ملابس النسوة ونقوشها الزاهية وهن يهجمن عليه ويطوقنه متدافعات، محتضنات، مقبلات وجهه وكفيه، دون ان يحاول التملص ولا دفعْ الحشد المحيط به.. مستسلما مبتسما..&
خرج السائق من الجهة الاخرى ليتقدم لانقاذه.. اشار الرئيس اليه برأسه فتراجع الى مكانه خلف المقود.&
.. انتظر دقائق حتى خفت موجة الفرح الطاغية وهدأ الصخب والهتاف وترنيمات الزغاريد قليلا..&
.. مد يده بأناة ليمسك مقبض الباب.. فتحه على مهل شيئا فشيئا دون أن يدفع النسوة حوله.. إنسلّ ببطء الى المقعد الخلفي..&
حين تململت السيارة متحركة انزل محجوب زجاج نافذته وحيى النسوة، الصاخبات بالزغاريد والهتافات، بتلويحات من كفه، في حين علت وجه ابتسامة مشرقة عريضة.&
&