GMT 20:21 2017 الجمعة 29 ديسمبر GMT 21:21 2017 السبت 30 ديسمبر :آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية: حكمة السلام

د خليل حسن
قرأت في الصحافة العالمية خبيرين في الأسبوع الماضي، الأول يتحدث عما صرفته الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط والذي يزيد عن سبعة تريليون دولار. وطبعا هذا الرقم لا يشمل ما خسرته شعوب المنطقة من الموارد البشرية والاقتصادية والمالية، وما رافقه من تخلف وفقر وعنف وجهل ومرض. أما الخبر الآخر يتعلق بدولة خليجية صغيرة جاره دفعت مليارات الدولارات لشراء عدة طائرات حربية. وهنا نحتاج لسؤال مهم: هل ربحت الولايات المتحدة بعظمتها وقوتها العسكرية أي من الحروب التي خاضتها في القرن الماضي؟ وما هي وجهة النظر اليابانية في التعامل مع الحروب؟
ناقشنا عزيزي القارئ في المقال السابق مقولة للمستعرب الياباني، نوبواكي نوتوهارا، في كتابه، العرب من وجهة النظر اليابانية، يقول فيها: "كثيرا ما واجهت هذا السؤال في الدول العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ العرب ينتظرون من اليابانيين عداء عميق للولايات المتحدة الأمريكية لأنها دمرت المدن كافة. ولكن طرح المسألة بهذه الطريقة لا يؤدي إلى شيء، فعلينا نحن اليابانيين ان نعي أخطأنا في الحرب العالمية أولا، ثم نصحح هذا الأخطاء، لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة ثانيا، وأخيرا علينا أن نتخلص من الأسباب التي أدت للقمع في اليابان. إذا المشكلة ليست في أن نكره أمريكا، المشكلة أن نعرف دورنا بصورة صحيحة، ثم أن نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا، بعد ذلك نختار الطريق الذي يصحح الانحراف، ويمنع تكراره في المستقبل. أما المشاعر نفسها فهي مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلا. من هذا الموقع نفهم مأساة هوريشيما ونجزاكي.  فنحن اليابانيين نفهم القاء القنبلتين النوويتين مرتبطة بأخطائنا التي ارتكبناها في الحرب العالمية الثانية وقبلها." 
فقد اختارت اليابان الطريق السلمي للتعامل مع التحديات الدولية خلال الستة عقود الماضية، لتفرض احترامها على شعوب العالم أجمع، ولتحقق حداثتها وتطورها التكنولوجي والاقتصادي، ولتصبح ثاني اقتصاد عالمي خلال عقدين من الزمن، بعد دمار الحرب العالمية الثانية. وقد يختلف البعض مع وجهة النظر هذه، بان الحروب لابد منها، والتي يمكن ان تحقق مآربها.  فلنراجع عزيزي القارئ دراسة لوليم بفاف، المحرر بجريدة الهيرالد تربيون الأمريكية، وتحت عنوان، لماذا تفشل خيرة المقاصد؟ يقول فيه: "بحث جيسون ليل أستاذ جامعة برنستون الأمريكية، والكولونيل أيسى ولسون أستاذ بكلية وست بوينت العسكرية الأمريكية،  في مائتين وخمسين حرب غير متجانسة سابقة، واستنتجوا بأن التفوق التكنولوجي والقوة العسكرية لا تكسب الحرب، بل بالعكس الدول التي تملك قوة عسكرية كبيرة، تكون لديها صعوبة لكسب المعركة، أمام مجموعات صغيرة، تدافع عن ثقافتها ودينها ومجتمعها، بالإضافة لحبها للوطن وكرهها للغزو الأجنبي."  ووضحت هذه الدراسة بأن "نسبة انتصار الجيوش الكبيرة في الحروب الغير متجانسة منذ عام 1800 وحتى عام 1850 كانت 85%، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 21% منذ عام 1950 وحتى الآن..." وقد صرح، وفي نفس المقال، الجنرال رونالد كيز الرئيس المسئول عن المعارك العسكرية الجوية الأميركية فقال: "بأن طيارة أف 22 المتطورة معدة للحرب الكلاسيكية ولكن ليس لحرب العصابات التي نواجهها اليوم. وأكد بأنه لم يشتري هذه الطائرة لحرب العراق، بل اشتراها لمجابهة السوفيت والسيطرة على العالم، أو لهزيمة هجوم خارجي من كوكب مارس على أمريكا."
ويستمر الكاتب في تحليله فيقول، "لقد صرفت الولايات المتحدة البلايين للاكتشاف القنابل الأرضية وأبطال مفعولها، فقد استعملت طائرة أف 22 في العراق. وحسب ما كتبت المجلة الأسبوعية للطيران وتكنولوجية الفضاء فقد أصبحت الطائرة المتطورة أف 22 عمياء، لم تستطع اكتشاف أي من هذه القنابل، بسبب التشويش الالكتروني للمراقبات الالكترونية المختلفة من القوات الحربية البرية وعناصر المخابرات." ووضح بفاف السبب لهزيمة الجيوش الكبيرة للمعركة بقوله: "أن الشعوب المحتلة تقاتل أيمانا بحرية أوطانها وضد الغزو الأجنبي. وقد تساعد بعض الجيوش الكبيرة شعبا للتحرر من الغزو الأجنبي، كما فعلت الولايات المتحدة في مساعدة الأفغان في محاربة السوفيت، ولكن لا تستطيع أن تحرر شعبا من أهله، كما حاولت الولايات المتحدة تخليص شعب العراق من الرئيس السابق صدام، وستبقى القوى الأجنبية غازية مهما كانت نيتها فاضلة. ولتكن رابحا في حرب غير متجانسة، يجب أن تحارب مع الفريق المدافع عن وطنه وقوميته بذلك البلد، وطبعا لا يمكن أية قوة غازية أن تكون مع قومية ووطنية ذلك البلد الذي تغزوه." ويذكرني ذلك بمقولة الرئيس الأمريكي جون كندي في عام 1957: "القوى العظمى اليوم ليست الشيوعية أو الرأسمالية ولا الصواريخ الموجهة، بل رغبة الشعوب في الحرية. والعدو الأكبر لحريتها هو الامبريالية. والتحدي الذي ستواجهه السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية هو كيف ستتعامل مع هذا الاختبار."
قد يتخيل البعض بأن الجيش الأجنبي هو المنهزم، ونحن من كسب النصر. فمع الأسف الشديد، الحقيقة التي نضطر لقبولها، بأننا جميعا خاسرين. خسرنا بمعاناة شعوبنا من القتل والدمار، خسرنا التريليونات من الدولارات خلال هذه الحروب المتكررة، خسرنا الوقت للنمو والتطوير، خسرنا أطفالنا بثقافة العنف وتفكير الانتقام، خسرنا مستقبل أبنائنا في التعليم والتطور الاقتصادي، خسرنا الشعوب المتحابة والموحدة الكلمة والبعيدة عن الطائفية والعنصرية. لقد خسرنا الكثير والكثير وسنحتاج لعقود طويلة لنلحق بالأمم المتقدمة. وأرجو أن نكون قد تعلمنا من دروس التاريخ والحكمة اليابانية في السلام، بأن العنف لا يحل مشكلة، والقرارات العاطفية الغير مدروسة لا تجلب إلا الدمار والتخلف، وضياع سنوات طويلة، وكما يقال: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك." نعم نتفق جميعا بأن الشعوب تحتاج للحرية والعدالة، وتحقيق مبادئ حقوق الإنسان، ولنتفق أيضا بأن العنف لن يكون حلا بعد اليوم في عالمنا الجديد، وستكون دور الجيوش في المستقبل للوقاية من الحروب وليس لخوضها. فكما تقول الحكمة الصينية: "القوة العسكرية تكون مثيرة للإعجاب حينما تحقق أهدافها، بدون أن تستعمل." ولنا لقاء. 
طوكيو 30 ديسمبر 2017
الدكتور خليل حسن، كاتب بحريني
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

في أخبار