: آخر تحديث

لشويلي: "البابُ الخلفي للجنّة" رواية تفتضُ بكارة السرد

بقلم  كاظم الشويلي
 
صدر عن منشورات فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن، رواية "الباب الخلفي للجنة" للروائي العراقي- هيثم الشويلي، وتحكي الرواية عن مصير شعب أرهقته الحروب ومزقته الصراعات الداخلية والفتنة الطائفية ما بين عامي 2006 وحتى نهاية 2007، إذ تتصاعد وتيرة الحدث منذ اللحظة الأولى للدخول إلى عالم السرد فنجده تارة مشغولاً بمن يحبها وتارة أخرى منغمساً في سوق الشورجة الكبير الذي يضج بالحكايا والشخصيات المتقلبة والملفتة للنظر في آن واحد، العم عباس شاه شخصية صوفية تبيع سلال الخوص والأطباق المصنوعة من سعف النخيل شخصية تثير فضول القارئ كثيراً وهو يكشف في كل يوم سراً من أسرار بطل الرواية وكأنه كان يستكشف ما يضمره قلب البطل في كل ليلة وهو يتحدث إلى ماريا عبر وسيلة التواصل الالكتروني الذي قرب البعيد لنا، التمازج الكبير بين الأمكنة في الرواية يكشف لنا ان الكاتب كان ذكياً جداً في رسم معالم هذه الأمكنة والتنقل بحرية كبرى بها وكأنه كان فرداً منها وهو يتحدث عن مدينة ليون الفرنسية بكل حذافيرها واصفاً الأزقة والطرقات، نهر السين، تمثال الملك لويس الرابع عشر، السيدة التي تجر الخيول الأربعة، مهرجان الأضواء الذي يقام كل سنة والذي تمتاز به المدينة دون غيرها، ثم ينتقل بعد ذلك للسويد ليصف لنا عرساً بين (جوزيف- بيسان) شككت في بادئ الأمر ان الكاتب كاثوليكياً فهو يعبر عن المعتقدات الكاثوليكية لبطلة الرواية (ماريا) بحرفية عالية، ثم يأخذنا عبر أبطاله وشخوصه معتمداً على استرجاع الأحداث إلى (الأردن) عبر نوال سيدة الملهى التي تسرد قصتها الغريبة أيام حكم النظام السابق والحرب العراقية الايرانية وهروبها خارج العراق متوجهةً صوب الأردن..
قال الشويلي في حديثي معه إن هذه الرواية تختلف عن السابقة الحاصلة على جائزة الشارقة للإبداع الروائي العربي، هي الأكثر تحرّراً على مستوى الشكل الفنيّ والخيال الواسع والكتابة بطريقة الطلسم العددي الذي لا يفقههُ الكاتب العادي، فقد كتبها بطريقة عددية هندسية غرائبية تعتمد على الرقم (8) موضحاً ذلك من خلال فلسفة جديدة قائلاً: بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش في اليوم السابع وفي اليوم الثامن أنشيء الباب الخلفي للجنة وهذا ما نراه جلياً وواضحاً من خلال استخدام مخطوطات(8) وكل مخطوطة تحتوي على (8) أشياء سواء من خلال الرسم السحري لها أو من خلال التوافق العددي فيها، كما نلاحظ توظيف الأسطورة بشكل رائع من خلال استخدامها كجزء مهم في طقوس المخطوطة الثامنة والتي لاتتم إلا في مدينة أوما السومرية في تل (جوخا) وهو يوهمنا بأن الخيال جزء لايتجزء من الحقيقة، لقد اخترق الشويلي التابو المحرم في روايته موظفاً كل هذه المحرمات بأسلوب مشوق وجميل، فحين يتطرق إلى الدين يتطرق بطريقة النقد الموجه إلى جماعة داعش الذين شوهوا التعاليم السمحة للدين الإسلامي من خلال الذبح والقتل والدمار واستهدافهم لطوائف أخرى بالذبح والتفجير، وحين يذهب باتجاه الجنس نجده انه وظفه بطريقة غير مبتذلة داخل المتن الروائي محركاً فينا اثارة من نوع آخر وهو يداعب ذائقة القارئ اللذيذة وحين يوجه بوصلته صوب السياسة نجده خط منحناً آخر من خلال اتهامه لجهات سياسية داخل الحكومة والتي تحاول ان تعتاش على القتل وبقاء الخراب في البلد ليكون مسوغاً لها لسرقتها لقوت الشعب والبقاء متسيدين على دفة الحكم العراقي.
ورأى هيثم الشويلي أن رواية بحجم الباب الخلفي للجنة تؤرشف لمعاناة المسيح بعد دخول داعش ما هي إلا منعطفاً تاريخيّاً لما نمرّ به اليوم إثر الاجتياح الهمجي لهذه العصابات التي بات تخرب المدن وتحرق الحضارات وتنتقص من الدين بحجة إقامة الدين.
التنقل بطريقة عجيبة مع الاحتفاظ بمسار السرد ومحوره  فتارة نذهب لفرنسا وأخرى نعود للعراق، نعيش مع شخصية بكل انفعالاتها وعواطفها، نعيش مع وجعها وألمها مع حبها وعشقها، عملية الحنين إلى الوطن المتمثلة بـ(ماريا) التي حصلت على اللجوء السياسي بعد نجاتها من تفجير ارهابي وخروجها من العراق الأمر الذي جعل متنفسها الوحيد هو العالم الأزرق الذي تلتقي به مع بطل الرواية (أسعد الكاظمي) الذي أثّر على حياتها بعد أن تعلقت به وكأنها تشم ريح العراق به تستذكر من خلاله كل أجواء بلدها وهو ينقل إليها الأخبار اليومية التي تحصل معه في سوق الشورجة
الأجمل من كل هذا أن لكل مخطوطة من المخطوطات الثمانية طقوس سحرية مميزة وبكل طقس من هذه الطقوس حكاية جديدة ومغامرة رائعة، حين كنتُ اقرأ ذلك تخيل لي ان السندباد هو من يقص عليّ كل الحكايا وليس الكاتب نفسه.
وأكد الشويلي المختص بعلم الرياضيات "أن النصّ هو مزاوجة بين الاعداد وفن الكتابة وهذا ما يجعل المتفنن في عالم الارقام هو الوحيد الذي يدرك أن النص لم يكتب بطريقة سهلة أو بسيطة بل بمجهود كبير وبطريقة هندسية رائعة لاتقبل العشوائية أبداً .
في الرواية ما لم أره من ذي قبل في كل الروايات، رأيت جدولاً بأرقام وحروف وعبارة تحليلية ومدينة مستخرجة من هذا الجدول حين انتابتني الغرابة وأنا أرى هذه الأشياء  سألته عن هذا السر ليؤكد أنه أرادها أن تكون مميزة دون الروايات الأخرى لا أبالغ إن قلت أنها فعلا غرائبية من ناحية الفكرة والمضمون والخيال ومدينة في مكان من هذا العالم الغريب تدعى (ايسكولاس)، التوظيف اللغوي كان واضحاً منذ الصفحات الأولى من الرواية وهو يقول "مدينتي ايسكولاس ادخلوها بسلامٍ آمنين" لينطلق بنا بعد ذلك عبر لغة مكثفة مليئة بالحب والرومانسية يشوبها أحيانا الوجع والحرفنة في التعامل مع المزج ما بين الوجع والفرح. 
حين تقرأ الرواية لن تستطيع التخلص من لعنتها وهي تمسك بك منذ السطر الأول وكأنه كان يمارس بحقك سحراً من نوع غريب، نعم كنتُ أدرك أنه يمارس سحر الحرف بحق قرائه الذين يذوبون مع السطور وهم يتتبعون العاشق الغريب الفريد من نوعه، أسعد الذي فعل المستحيل من أجل الوصول لحبيبة وعشيقة كان يعتبرها وطناً كاملاً يلوذ بها وبأحضانها التي كان يتنفس من خلالها رائحة دجلة والفرات على الرغم من اختلافهما في الديانة (مسلم- مسيحية) وهذا التشبث الكبير بها واحتمال المخاطر من أجل أن يلتقي بها في عالم خيالي ومدينة من صنع الكاتب الذي كان خالقاً لهذه العوالم الغريبة وهو يوهمنا بأن ما يكتبه لم يكن سوى الحقيقة بعينها لا من نسج خياله، وقد بدا هذا واضحاً في المقطع..
" وتقدم أقصرهم وأضخمهم نحوي قائلاّ: 
- أنا مازر وهذا قسورة الذي يقف إلى جانبي وطيكل ومحرز هما من يقفان خلفك وبرقان وشمهورش عن يمينك واللذان يقفان عن يسارك هما ميمون وابانوخ.. 
تلفظ بهذا الحديث بلا ابتسامة أو ضحكة بلا ملامح لأنني تهتُ بتفاصيل وجهه المبعثرة. 
- هذا العظم الذي تريدونه..
دافعاً عظم الهدهد القديم ذا اللون الأصفر إلى مازر وقدماي ترتجفان.
مد يدهُ نحوي وانشغلتُ بتفاصيل أصابعه القصيرة كيف سيمسك العظم بهم، لكنه فاجَأَني بحركة غريبة جعلت العظم يستقر بين أصابعه.
- شكراً لك لأنك حررتنا من سجننا في مدينة بابل في بئر هاروت وماروت وأنجيتنا من لعنة معبد ننماخ..
أجابني شاكراً لي بلا ملامح باديةً على وجهه، ودفع قصاصة صغيرة تحمل عطراً ما شممتهُ بحياتي.. 
- خذها واحتفظ بها، فبها أسم المدينة الأعظم..
بيَّن مازر ذلك وهو يمد يدهُ نحوي واضعاً القصاصة بين أنامله القصيرة.
وما أن أصبحتْ القصاصة في يدي حتى تنفستُ الصعداء، (.........) اسم المدينة الأعظم، اسمٌ غريب، هذا ما جنيته بصبري وبفضل العم عباس شاه، كنت غارقاً بالاسم أنظر له، أشعر بالزهو والفرح، بفرحة غامرة تجمعني مع من أحب وأهوى، اسمٌ مكونٌ من ثمانية حروف، رفعتُ رأسي مخاطباً مازر، لكني ما رأيتُ أي شخص من هؤلاء، حتى المدينة المذهبة والمرمر الأخضر والرخام الأبيض وكأني دخلتُ مدينة جوخا للتو، نظرتُ مرة أخرى للقصاصة شممتُ العطر، هو العطر نفسه الذي كان به قبل قليل، والاسم نفسه المكتوب به أيضاً قبل قليل."ص287-288.
وهو يضع (.......) وكأنه يريد أن يخفيه عنا لئلا نسرق نحن قراءه ومحبيه هذا الأسم لنصعد إلى مدينته التي أبتكرها له وحده.
أتمنى من الجميع أن يقرؤوا هذه الرواية وأن يتعرفوا على تفاصيلها فهي مختلفة تماماً عن كل الروايات التي قرأتها..
يذكر إلى أن الشويلي حائز على جائزة الشارقة للإبداع الروائي العربي عام 2014 عن روايته (بوصلة القيامة)، وحائز على المركز الأول في مسابقة محمد شمسي للقصة القصيرة التي اقامتها وزارة الثقافة العراقية لعام 2008.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات