: آخر تحديث

تأملات كازانوفا

لم يكنْ جياكومو جيرولامو كازانوفا(1724-1798) زير  نساء  فقط، وإنما كان أيضا كاتبا مرموقا. تشهد على ذلك مذكراته التي روى فيها مغامراته العجيبة مع النساء،  وأيضا التأملات التي وضع فيها أفكاره حول الحب، وحول الحياة بمختلف جوانبها.
وكان مولد كازانوفا في مدينة فينيسيا الساحرة في الثاني من أبريل-نيسان 1724. وفي مذكراته أشار إلى أنه عاش طفولة سعيدة تكاد تكون خالية من المنغصات. وبمساعدة جدته من الأم التي كانت ترعاه، تعرف مبكرا على أسرار عالم النساء، وبدأ يظهر اهتماما كبيرا  بالسحر والتنجيم.
وفي جامعة" بادو"، وجد نفسه مُجبرا على دراسة  الحقوق إرضاء لعائلته التي كانت تريد أن يكون محاميا مشهورا وثريا. أما هو فقد كان يفضّل  دراسة الطب . وفي مذكراته كتب فيما بعد يقول: "كنت أرغب في دراسة الطب لأنني كنت أشعر أنها المهنة التي تليق بي.، إلاّ أن عائلتي رفضت سماعي إذ أنها كانت تريد أن أدرس الحقوق التي كنت أشعر تجاهها بنفور شديد. وكانت عائلتي تزعم أنه لن يكون بإمكاني الحصول على الثروة إلاّ إذا ما أصبحت محاميا، والأسوأ محاميا كهنوتيا نظرا لامتلاكي موهبة الخطابة. ولو أن عائلتي فكرت بشكل سليم لتركتني أمارس مهنة الطب حيث الدّجل والشعوذة   شائعان  أكثر مما هما في عالم المحاماة".  
بعد احرازه  على شهادة الدكتورا عام 1742، شرع كازانوفا في القيام بجولات في جميع البلدان  الأوروبية . وكانت كل المدن تفتنه وتجذبه. وفي كل واحدة منها كان يرغب في أن يعيش  مُغامرات الحب والعشق والعبث مع أجمل النساء، وأكثرهن شهرة  في الأوساط الاجتماعية. كما كان يهتم بدراسة  العادات والتقاليد، والتعرف على كبار الشخصيات  السياسية  والفكرية، وحضور الحفلات الفخمة في قصور الأمراء والنبلاء . وفي القسطنطينية تعرف على ثقافات بلدان الشرق في قصور الخلفاء العثمانيين. وبعد إقامة في لندن، فرّ هاربا بسبب كثرة الديون، ونزاع أصيب  خلاله بجروح. وفي مذكراته  كتب يقول :"الفكر الديمقراطي مترسخ  لدى الشعب البريطاني أكثر مما هو مترسخ لدى الشعب الفرنسي. إلاّ أن قوّة  الدّستور تجبره على الخضوع والطاعة.  أما فكر التمرد فهو موجود في كل المدن الكبيرة، والعمل الحكيم للحكومة هو ابقاؤه في حالة خمود وسبات فإن استيقظ فإنه يتحوّل  الى سيل جارف لن يتمكن أحد من إيقافه والتحكم فيه".
وفي باريس أقام كازانوفا أكثر من مرة. وفي عام 1755 تمّ القبض واقتيد إلى سجن "الرصاص" السيء السمعة.
ومُتحدثا عن تجربة السجن المريرة، كتب يقول :"الخمسة عشرة شهرا التي أمضيتها في  سجن" الرصاص" وفّرت لي الوقت لكي أتعرف على كلّ أمراض فكري. لكن كان من الضروري أن أمكث هناك فترة أطول لكي أبتكر الوسائل والطرق الناجعة لعلاجها". وعن الفرنسيين، كتب يقول :"الفرنسيون يتباهون بأنهم يحبون ملكهم إلاّ أنهم لا يكفون عن اظهار تقززهم واستيائهم منه.  واليوم أصبحت معرفتنا للفرنسيين أفضل من ذي قبل. والحقيقة أن الفرنسيين هم دائما أنفسهم بحيث لا يتغيرون أبدا. هذه الأمة جعلت لكي تكون أمة عنيفة. وليس هناك شيء حقيقي عندها، وكل شيء خادع ومزيف. وهي شبيهة بباخرة يستهويها الإبحار من ريح الى ريح، والريح التي تهب بحسب هواها هي دائما جيدة". أما باريس فقد وصفها ب "مدينة الخداع الذي يحقق الجاه والثروة". 
وفي روما عشق كازانوفا مارينشيا، وهي فتاة فائقة الجمال  التقى بها بالصدفة في "شارع ضيق يخيم عليه الظلام والفقر". وقد وصف جمالها قائلا :"كان لمارينشيا بياض يبرز للناظر إليه  لون وردي لا يمكن لأيّ رسام مهما كانت موهبته العثور عليه". وقد أقام كازانزفا في براغ، وفي فيينا، وفي اسبانيا. كما زار برلين حيث استقبل من قبل فريديريك الكبير. وفي موسكو  استقبلته الملكة كاترين. 
ولم يشرع كازانوفا في كتابة مذكراته إلاّ عند بلوغه سن الثامنة  والستين. وقد وجد في الكتابة ما ساعده على مواجهة  أوجاع  الشيخوخة، وشبح الموت الوشيك. بل أنها أبعدت عنه هواجس  كان من المحتمل ان ترمي  به في  هاوية الجنون.
وفي بداية مذكراته أشار كازانوفا الى أنه لك يكتبها للشباب لأن الشباب يحب أن يعيش زمنه لاهيا عابثا، وإنما  لمن امتحنتهم التجارب، وعركتهم الحياة ،وتذوقوا  مرها وحلاوتها. وهو يعتقد أن الحياة جميلة رغم آلامها واوجاعها ومحنها. والمتعة الحقيقية هي تلك التي تكون مُقترنة  بالألم . وعن النساء كتب يقول:" لقد أحببت  النساء بجنون. إلاّ أنني خيّرت دائما حريتي عليهن. وعندنا اشعر أن حريتي باتت في خطر بسببهن، أفر هاربا منهن".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات