: آخر تحديث

مشاهدات في الشارع الكندي: مشروع دماغ الإنسان وأمراض الذاكره


في 31 اب(اوغست) 2018 تم اختتام عرض مشروع مجسمات فنية تعطس صورة الدماغ وتتناول ما يخص الدماغ وأمراضه، كخلل الذاكرة، النيسان، الزهايمر، وكل ما يقع على هذا الخط البياني الذي يعاني منه بشكل خاص المتقدمون في العمر. هذا المشروع يشير الى ان التقدم في العمر وفي احوال صحية غير سليمة نفسيا وجسديا قد تؤدي الى اختلال او تراجع في وظائف الدماغ وفعاليته اليومية العادية. والبحث ما يزال جار في هذا الحقل لان اعتلال الذاكرة والدماغ ما يزال حقلا يتطلب المزيد من البحث العلمي الجاد والمكلف ماديا.
وحسب الاحصائيات المتقادمة نوعا ما، يوجد حوالي 5 مليون شخص في العالم يعاني من أمراض ضعف الذاكرة والدماغ بما فيه الخرف أو العته. وبالتأكيد هناك الملايين التي لم تشخص حالها ولكنها تعرف انها تعاني بدرجة او اخرى من النسيان. الشرق الأوسط يتكتم على مشاكل نفسية كثيرة وهناك نوع من (العيب والعار) فيما يخص حال الاسر التي بين أفرادها مشاكل عقلية ونفسية. 
....
هذا المشروع الذي بدأ عرضة على التوالي منذ ثلاث سنوات في مدينة تورنتو الكندية، يعرض هذا المجسمات في مواقع عامة وسط المدينة للفت انتباه الناس الى هذا المرض. المجسمات لا بد انها  تلفت انتباه المارة وخاصة ان الجيل الحالي مقل جدا في القراءة ومتابعة المستجدات في الكتب والمجلات المختصة. وهناك روابط لجمع تبرعات لمتابعة الكشف عن خفايا هذه الامراض التي كالسرطان ليس له علاج ناجع وكذلك الزهايمر وأمراض الاختلال العقلي وفقدان الذاكرة القصيرة المدى او الطويلة المدى. 
...
أسباب عدة تدخل في إطار اعتلال الذاكرة والدماغ ومنها: الصدمات والخوف. الصدمات الاجتماعية، الحروب، فقدان عزيز، فقدان كل شيئ، فقدان كل ركائز الاستقرار، الكرامة والاحتياجات الانسانية الاولية التي يوجهها الفرد سواء بسبب الحروب أو اللجوء الانساني او السياسي، او بسبب اللاعدالة الاجتماعية والقانونية، والعنف المنزلية، وما اليه..
...
الاحباط و الاكتئاب: أسباب هامة في اعتلال الذاكرة. اضافة الى ذلك، أمراض القلب كارتفاع معدل الكوليسترول والضغط العالي للدم وصدمات القلب والدماغ التي تسبب شح الاكسجين في الدماغ. فكلما تضيقت الشرايين، قل الاكسجين، وحين يقل الاكسجين يفقد الدماغ بعض الخلايا التي تموت او تتخرب. وبناء عليه تقل مقدرة العقل على المحاكمة العقلية السليمة.

الترجمة في حالات المرض النفسي والاختلال العقلي:
الأمثلة عديدة ومؤلمة أغلب الأحيان. مرة كنت أعمل مع أسرة مهاجرة وكان لديهم أطفال معاقون عقليا، وحصل ان قام الولد بضربي بحبل بلاستيكي على وجهي فيما انا واقفة أترجم لوالدته ولموطفة رغاية الأطفال. تركت الصدمة والضربة أثارا حمراء على وجهي كله لمدة يوم ثم تعافيت. 
وكنت أعمل مرة في الترجمة مع رجل عجوز في احدى مشافي تورنتو. كانت العائلة من أصول عربية. الابنة وزوجها كانوا مع الوالد العجوز الذي فقد الكثير من معرفته وحكمته ووقاره، وهو ينسى أخذ الادوية او يرفض الدواء والأكل ويطلب الخروج من المشفى والعودة الى بيته الأول-في الشرق.
رغم ان الابنة تجيد الانكليزية الا ان المشفى طلب مترجمة محلفة وحيادية) كي تنقل رغبات الأب العاجز على ما هي عليه حفاظا على رغبته الشخصية وارادته وحسب المفردات التي يستخدمها.  وهذا من عمل المترجم المحترف تحت القسم والذي يعمل بامانة يحاسب عليها اخلاقيا وقانونيا ودينيا ايضا.
حين ارادت الباحثة الاجتماعية ان تسأله بعض الاسئلة لتختبر ذاكرته ومقدرته العقلية، بدأ بمغازلتها ولمس يدها، والتصريح ب: كم هي جميلة وكم هي بيضاء ناصعة!. وكذلك أثنى على عملي كمترجمة وقال" والله يا ست جاكلين، الكل في المشفى يشكرون من خدماتك، ... " الابنة تعاملت مع الموضوع بابتسام وخفة والممرضة كانت مرحة وتعاملت مع الموضوع  بلباقة ولطف. وكانت تلك أول مرة التقي بهذا السيد وأسرته، وربما آخر مرة.
قالت الابنة: كان أبي محامي في البلاد، ولغته الانكليزية ممتازة، لكنه الان لا يتذكر الكثير. 
حين سألته الممرضة: ماذا ستفعل لو حصل حريق في بيتك وأنت وحدك؟ 
قال: سأطلب الاطفاء. وحين سألته عن رقم الاطفاء،  
كان يتذكر فقط رقم الاطفاء في بلده الاول الذي هجره منذ اكثر من 40 عاماً.
....
كلنا قد نفقد مع التقدم في العمر بعض جمالنا وقوتنا العضلية والعقلية، سنفقد المرونة الجسدية والحكمة، سنفقد مع الوقت كل شيء، أو الكثير ان لم نجد من يرعانا ويحنّ علينا ويقوم بواجبه الديني والانساني اتجاه. سنموت ولن نأخذ معنا أي شيء. وما بين رحلة الحياة في مرحلة العجز ورحلة الوقوف على باب الموت، نحتاج الى الكرامة، الكرم، العطف، التعاطف، المحبة، الحب، الاحترام، والتقدير، سواء أكان الفرد غنيا أو فقيرا، رجلا أو امرأة. 
في البلاد المتقدمة، يوجد دور خاصة للعجزة، وعناية متفاوتة. بعض العائلات تعجز عن خدمة كبار السن، فيرسلوهم الى دور العناية بكبار السن. ولا معلومات لدي عن توفر مثل هذه الخدمات في بلاد الشرق. 
...
في هذا الصيف كنت في ساحة المدينة اتأمل هذه الادمغة المصنوعة بالالوان والاحجام والمعاني التي تحفز الناس على التفكير في مسألة امراض التقدم في السن وتحثهم على الاهتمام بكبار السن ومشاكلهم الذهنية، وتحفز على ابداع طريقة حياة كريمة وصحية للعاجزين والعاجزات في كل مراحل الحياة. 

تورنتو 

جاكلين سلام- شاعرة ومترجمة سورية-كندية
[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات