: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

نخبة العصر الحديث... متعلمة متكتمة وغير باذخة

يتحدث كتاب صدر أخيرًا عن نخبة العصر الحديث التي تميزها ثقافها وتحصيلها العلمي الجيد إلا أنها لا تعلن عن حجم ثرواتها وممتلكاتها ولا تقتني الغالي فقط بل ما يلائمها. هذه الشريحة لا تمثل سوى 0.01 بالمائة من السكان.

إيلاف: تراهم في مقاهي خاصة جدًا يحتسون قهوة يزيد سعرها على الاعتيادي بثلاث مرات أو أربع، وعادة ما تكون أجسامهم مشدودة ولا تزيد أعمارهم على الخمسين. يرتدون ملابس لا مبالغة فيها، ولا توحي بالبذخ، ويشمل ذلك النساء اللواتي يظهرن عادة ببنطال أنيق من الجينز وقميص بسيط بلون واحد أو لونين فقط وينتعلن أحذية مسطحة، ويحملن حقائب "إن بي آر" المصنوعة من قطن خالص طبيعي.

ترى هؤلاء أيضًا، وهم يقرأون صحفًا يحصلون عليها عن طريق اشتراكات سنوية، مثل "نيويوركر" أو "نيويورك تايمز" في الولايات المتحدة، ويتناقشون في قضايا عالمية، مثل التكنولوجيا الحديثة وانعدام المساواة في العالم والاحتباس الحراري ومناصرة المرأة.

هذه هي الطبقة العليا الحديثة، التي تسميها أستاذة السياسة العامة في جامعة جنوب كاليفورنيا إليزابيث كاريد-هوكيت "النخبة الثقافية" و"الطبقة الطموحة" في كتابها الذي يحمل عنوان "مجموع أشياء صغيرة".

تضم هذه الطبقة أساتذة جامعيين وعاملين في منظمات غير حكومية وكتاب سينما، حتى لو كانوا عاطلين عن العمل، وخبراء التكنولوجيا الحديثة، ومنهم زوكربرغ، إضافة إلى أطباء ومحامين مرموقين وفنانين ومخرجين ومترفين آخرين عديدين. وعادة ما يكون معظم أفراد هذه النخبة قد درس في أفضل الجامعات، ليملك بذلك ما يكفي من المعارف والقدرات، كي يعتبر نفسه في مستوى أعلى من كل الآخرين.  

استهلاك غير منظور
أفراد هذه النخبة امتداد للطبقة العليا السابقة، لكنهم يتصرفون بطريقة مختلفة جدًا، إذ ما عادوا يعلنون عن أنفسهم وعن ثروتهم عن طريق اقتناء بضائع غالية، مثل سيارة فارهة أو حقيبة يد أنتجتها دار أزياء عالمية معروفة. السبب هو أن ظاهرة التملك والشراء أصبحت عامة، حيث يستطيع أي شخص اقتناء أحدث سيارة "بي إم دبليو" ولو بالتقسيط. 

حتى لو أرادوا شراء سيارة فسيهتمون بسيارات خاصة صديقة للبيئة، مثل تيسلا الجديدة، لأنها تعمل بالكهرباء أو مرسيدس "إس يو في"، لأنها تعمل بالديزل، ثم أكثرها شهرة سيارة فولفو ستيشن فاغون، التي يتفق كثيرون على أنها تعبّر عن رغبة النخبة في عدم الإعلان عن الثروة التي تملكها، ولذا أطلقوا عليها اسم "الثروة المخفية".

إذًا النخبة الجديدة لا تعتمد على الإنفاق المفضوح، بل على استهلاك غير منظور، يركز على التعليم والتأمين الصحي وتربية الأولاد بشكل رئيس. وتعرض الكاتبة بيانات تظهر أن أكثر أغنى 10% من أفراد هذه الطبقة يكرّسون 20% من الإنفاق على استثمارات غير مرئية أو غير مظهرية، فيما تخصص الطبقة الوسطى 9% فقط من دخلها لهذا الجانب.

من الصفات الأخرى أن أفراد هذه النخبة العليا الجديدة أصبحوا لا يقودون سياراتهم بسرع جنونية، كما في السابق، ولا يتباهون بممتلكاتهم المادية بشكل علني، ولكنهم لا يرتدون ملابس مصنوعة في الصين، بل ينتقون ما يعجبهم من نتاج مصممين محترفين، وعادة ما تكون مصنوعة من القطن العضوي غير المعالج كيميائيًا، ومن الأفضل أن تكون مصنوعة محليًا في لوس أنجلس أو بروكلين مثلًا.

هؤلاء يعرفون أيضًا الفرق بين أنواع البن المختلفة، وقد يقفون في طابور لمدة عشرين دقيقة للحصول على فنجان قهوة مطحونة في معمل محلي ومحمصة بأجهزة تعود إلى فترة الأربعينات والخمسينات، ومصدرها مزرعة يعرف المشرف على المقهى أصحابها، وهو واثق من أنهم لا يستخدمون مواد غير عضوية في إنتاجها، كما يعرفهم مع أسرهم فردًا فردًا وبالأسماء. وتعتمد هذه النخبة في غذائها على خضر وفواكه وثمار نادرة ونافعة، ويمارس أفرادها الرياضة بانتظام. 

ينتج كل هذا من إيمان هذه النخبة بشفافية عمليات الإنتاج التي يشاركون فيها بأموالهم، وهو ما يبرر المبالغ التي يدفعونها مقابل الحصول على منتجات طبيعية وغير معالجة كيميائيًا. 

لكن هذه النخبة لا تقتني الغالي فقط، فطلاء الأظافر المعروف باسم "إيسي باليه سلبرس"، الذي طالما ميّز نساء هذه النخبة منذ عقود يكلف ثمانية دولارات فقط، وعادة ما يكون بألوان هادئة توحي بالرقي.  

بيئة مختلفة
لا تمثل هذه الطبقة أكثر من 0.01 بالمائة من السكان، ولكنها تعيش في بيئة ثقافية مختلفة، ومعظم أفرادها من أصحاب الامتيازات غير أنهم لا يعلنون عن كل شيء، بل يتخذون قراراتهم الاقتصادية والاستثمارية بالكتمان، بهدف إعادة إنتاج الثروة وتأمين استمراريتها بطريقة تضع الطبقة المتوسطة خارج الحلبة وبشكل مهين، حسب قول الكاتبة.
  
يفكر أفراد هذه الطبقة بمشاكل العالم وهمومه، ولكنهم يرون أنهم لا يد لهم فيها، ثم يحاولون طرح مقترحات عن كيفية الحفاظ على البيئة وحل القضايا الأخرى قبل أن يعودوا إلى منازلهم التي لا يقل سعر كل واحد منها عن مليون ونصف مليون دولار. ومن مواصفاتهم الأخرى أنهم عادة ما يستخدمون فايسبوك لعرض أشرطة فيديو عن رحلات قاموا بها برفقة أسرهم إلى جبال بعيدة أو قرى أو جزر لا يصلها إلا القليلون. 

التعليم
أهم ما يميز هذه الطبقة هو التعليم الذي تلقاه أفرادها، إذ تخرج معظمهم من جامعات كبرى، وهم يعتبرون أن ما يملكون من علم ومعرفة يمثل ضمانة مهمة في حياتهم حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لا يملكون دخلًا عاليًا منهم.

ولأنهم يؤمنون بالتطور والعلم والمستجدات الحديثة تراهم ينفقون مبالغ طائلة على تعليم أولادهم، ويستثمرون بهم. وتلاحظ الكاتبة أن إنفاق الأغنياء على التعليم ارتفع بنسبة 300 بالمائة منذ عام 1996، فيما لم تسجل مثل هذه الزيادة لدى طبقات المجتمع الأخرى. ويدرك أفراد هذه الطبقة أن أولادهم سيكونون ضمان استمرار حالة التميز التي يتمتعون بها في المستقبل، فنراهم ينفقون أموالًا طائلة على تنمية ذكائهم وعلى تعليمهم العزف على آلات موسيقية منذ سن الثالثة وتعويدهم على الرياضة منذ نعومة أظفارهم وتشغيل مربيات خاصات يتقن لغات أجنبية، وتسليم أمور المنزل إلى مدبرة مهنية، فيما تشارك الأمهات في دورات خاصة للإطلاع على أفضل طرق الإعتناء بالطفل وتربيته.

وتحرص الأمهات أيضًا على إرضاع أطفالهن لمدة عام واحد على الأقل، وتخجل الأسر من التحدث عن استخدام حليب الأطفال المصنع. وإذا كانت الأم عاملة، كأن تكون محامية أو طبيبة، فعادة ما تستغل فترة الاستراحة عند الظهيرة لسحب الحليب من صدرها وإرساله إلى طفلها الرضيع.

نحن الأفضل
يعتبر أفراد هذه الطبقة أنفسهم نخبة حقيقية، لأنهم يرون أنهم بشر خيرون يملكون وعيًا بيئيًا وعلومًا ومعارف وقدرات حديثة تسمح لهم بالتميّز عن كل الآخرين، ويعتبرون الاستهلاك بشكله السابق والباذخ مجرد إسفاف وسوء تصرف يليق بالقرويين. وهم يعتبرون آباءهم قرويين بالفعل، حسب الكاتبة التي تطرح نموذج العلاقة بين إيفانكا ترمب، التي تربت في مانهاتن، فيما نشأ والدها في منطقة كوين.

في الواقع، وحسب الكاتبة، كان ترمب قبل دخوله البيت الأبيض يجسد كل ما تكرهه هذه النخبة بدءًا بشعره ولونه البرتقالي وتلهفه على شراء البضائع والإفصاح عن سعة ثروته، ولأنه أيضًا بدين وجاهل، حسب رأيهم، لا يؤمن بممارسة الرياضة، ويحصل على معلوماته من التلفزيون بالدرجة الأساس. 

هذه النخبة لديها أيضًا أفكار كثيرة وعميقة، وهي تتابع المدونات وعروض الكتب في الصحف والمجلات الخاصة بها، كما تتابع حركة الأسواق التجارية، ولديها مفاهيم سياسية تقوم على المساواة ومناصرة المرأة والبيئة، وهي تسعى إلى صنع إنسان أفضل لا يكون غنيًا فقط.

تلاحظ الكاتبة أن كل الآخرين في المجتمع يكرهون هذه الطبقة، حتى تشكلت حركة سياسية عالمية ضدها. فهم يتحدثون عن المساواة، ويناقشون مفاهيمها، ولكنهم يعيشون حياة يتمتعون فيها بامتيازات غير طبيعية. حتى العاملين في منظمة السلام الأخضر تراهم دائمًا على متن طائرات يعلنون عن طيبتهم وعن تفكيرهم الجيد، لكنهم لا يفعلون أي شيء لتحسين الأوضاع في العالم بالفعل.

وأخيرًا ترى الكاتبة أن أفراد هذه النخبة يعلنون عادة عن أنفسهم وعن انتمائهم الطبقي من خلال التوجه إلى أسواق المزارعين في الساعة الحادية عشرة صباحًا لشراء حبات طماطم لم تستخدم في إنتاجها هرمونات وأسمدة كيميائية، ثم تشير إلى أن هذه الممارسة لو عمت ولو راح كل الناس يشترون موادهم الغذائية من هذا النوع من الأسواق في أحد الأيام، فلا بد أن تبحث هذه النخبة عن مكان آخر أو إجراء آخر يظهر تميزها عن الآخرين، أولئك الذين تزدريهم النخبة أو تشفق عليهم. 

لغة الكتاب غنية تتضمن نتائج دراسات وبحوث عديدة، وقد اعتمدت فيه الكاتبة التي تقول إنها تنتمي هي نفسها إلى هذه الطبقة، على ملاحظات ميدانية يومية وعلى بيانات وإحصاءات رسمية تتعلق بالإنفاق الاستهلاكي والاستثماري حسب الدخل والانتماء الطبقي والمستوى التعليمي.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "بوكس آند أيدياس". الأصل منشور على الرابط
https://booksandideas.net/Discreetly-Ostentatious.html
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات