: آخر تحديث

دنى غالي ، الطبيعة و انا


دنى غالي كاتبة و شاعرة رائعة . منذ ان نشرت موضوعي "العبثية و الابداع" ربما في العام 2005 تواصلنا و تبادلنا الآراء. قرأت لها العديد من القصص و الروايات و القصائد و كتبت عن بعضها . قبل ايام و انا ابحث عن مواد في ارشيفي وجدت هذه الرسائل المتبادلة بيني و دنى غالي .
هنا نناقش موضوع  رسم الطبيعة. حين اعدت قراءته وجدت انه يستحق النشر
كتبت دنى غالي

صباح الخير 
 تمعنت في اللوحات وتنقلت بينها وفي العادة لا تستوقفني كثيرا المناظر الطبيعية، أظنني قلت لك ذلك . وذلك يعود لاعتياد النظر عليها فهي قياسا بالتجريد انعكاس لما هو مخزون في العين والعقل "تقريبا" لا نبذل جهدا أكثر من أن نستذوقه أو لا. لي أستاذ دنماركي هنا يعنفني على هذا الرأي الذي قلته ذات مرة مستغربة هيامه بلوحات الزهور الهولندية في القرن السابع عشر وتتبعه لها ولكنها موضوع آخر. وبالفعل بدأت أتفحص و أتمعن في تلك اللوحات كلما صادفتني . ولكن الخصوصية هنا إني فجأة أكون أمام لوحة كاملة أنشأت بعلمي على مدى الأيام الأخيرة حتى اكتملت.
 انت تضيف وتعكس وتظلل وتقيس وتخفف وكل هذا كي يجهز هذا المنظر " الجاهز" في الذاكرة وفي العين، كل حشيشة نمت اعتباطيا، وغصن رفيع مائل وظل والكثير الذي يجب ان تملأ المشهد فيه فهو رغم انه طبيعي لكنه محسوب. وهو أيضا المكان المخزون في ذاكرتك وبالتالي يحمل خصوصية، انك نشأت هناك وعمت في النهر وجلست على الجرف؟     فكرت ما اسم هذا النهر، جعلته يبدو من الجنة عزيزي، وتلك البيوت أعلى الجرف هل هي حقيقة أم حلم.
افرد للوحة الثانية اعجابا  التي بدا الربيع فيها مهيمنا بانتعاشة تلك الشجرة وترفعها وخفتها ( هل هي مشمش، خوخ؟)  وكدت اذوب فرحا بتلك التي تخيلتها قنطرة او جسر صغير تحت ظل الشجرة البارد ، يا إلهي استيقظ حنين لأن تطأ أقدامي حافية ذاك التراب واروح اختفي هناك في ادغال النخيل وحشائشها.
شيء ثانوي ان اقول لك ان الأزرق السماوي او درجاته طاغ في سماء لوحة القارب ربما بسبب الوقت الذي اخترته، تمنيت لو يفتحه ضوء الشمس وليلقي على الضفة ضوءا يكسر الغموض ويحفظ السحر ويمكنني ذات الوقت من تأمل تلك المستعمرة الطينية اسفل اكمة النخيل

رسالتي الجوابية
نعم الأمر على النحو الذي ذكرت تماما .. فالموقف من اللوحة و من الإنجاز الإبداعي عموما لا يتجاوز في الغالب الإعجاب أو عدم الإعجاب ، أما الوقوف إزاءه موقفا واعيا فهو أمر نادر إن لم يكن معدوما بالمرة .. هناك عموما موقف كسول في التعامل مع اللوحات الفنية : جميلة رائعة أو بدلا من ذلك صمت يخفي عدم الرضا ، أما الرحلة المعذبة و المقلقة و التغييرات و التعديلات و تبديل لون بآخر ، بل و أحيانا القفز من الفراش لأن فكرة خطرت في الرأس بعد ان تكون اللوحة قد مرت بأزمة و ترفض أن تتقدم الى الأمام .... الخ الخ كل هذه الأمور لا تعني أغلب المتلقين الذين يتعاملون مع الناتج النهائي بدون اية معاناة أو كما نقول في لغتنا العامية " له الصافي " .
التعميمات أيضا تدخل في هذا الباب ، فلا يمكننا أن نقول إننا لا نتوقع شيئا من رسم الطبيعة أو الطبيعة الصامتة أو البورتريه فكل هذه الثيمات لا زال بإمكانها أن تقدم الكثير و الكثير شرط أن يكون الاسلوب مختلفا و جديدا و أن يكون ، بقدر تعلق الأمر برسم الطبيعة ، يتضمن فهما لجوهرها و عمقها الروحي .
لا تقوم الطبيعة بعمل شيء عبثا ، و بالرغم من الفوضى و العفوية الظاهرة في ترتيب عناصرها إلا  أن المتفحص سيجد أن للطبيعة هدفا يتشكل من مجموعة الاهداف " الذاتية " لعناصرها : فالشجرة لا تميل الى اليسار أو اليمين عبثا بل انها تتجنب مثلا جارا اقوى و اكبر احتكر ضوء الشمس فتميل الى الجهة المعاكسة من أجل ضوء أكثر . 
يترتب علينا نحن الرسامين أن نعرف كيف نتجنب المونوتون ( montone) و اذا ما تكررت بعض عناصر الطبيعة  بشكل ايقاعي ممل علينا أن نغير و نعدل هذا التكرار من أجل هدف جمالي ، و لكنني اكتشفت إن الطبيعة نفسها تتجنب الايقاع الممل و تغيّر و تبدل من طرق التعبير عن نفسها ، و ما ألوان الصيف وا لشتاء و الخريف الا شكل من أشكال اختلاف الايقاع و تجنب المونوتون الممل رغم أن للطبيعة غايتها الاخرى في التعاقب .
فأغصان الاشجار تتفرع بطريقة غير منتظمة و في كل الاتجاهات مؤكدة البعد الثالث الذي يجهد الرسامون في  اقتناصه ، أن هدفها من ذلك هو المزيد من الانتشار و بالتالي المزيد من ضوء الشمس و لكن ما هو براغماتي تحول الى ما هو جمالي بحت . 
شكل النخلة مثير للإعجاب رسمته كثيرا و كتبت عنه الكثير : " أي بلد هذا الذي ليس فيه نخيل "  ، انتشار السعف في كل الاتجاهات بأنه يشبه انفجار الالعاب النارية من المركز تتشظى في كل الاتجاهات . 
تأملت النخل ، هذا الشكل المنتقى بعناية  ضمن ملايين السنين من التطور و الانتخاب لم يكن جماليا ، كان قصة وجود و بقاء خلاف الملايين من النباتات المنقرضة و التي لم تستطع الصمود.. حين كنت أحمم فسيلا صغيرا لدينا برشاش الماء في حديقة المنزل كان رذاذ الماء يتساقط من فوق كالمطر و كان الخوص الذي يشبه وعاء مستطيلا يجمع الماء لكي يسلمه الى العرجون و هو الساق المتوسط الذي ينمو منه الخوص ثم يسير الماء على شكل قطرات متتابعة  في أسفل العرجون مسلما الماء الى قمة النخلة و منه يسيل الى قاعدتها ، لهذا قاومت النخلة ربما الجفاف .
 في الاماسي حين تتكثف الرطوبة في الهواء و تتجمع قطرات الندى على خوص النخيل الذي برّدَه نسيم المساء تسيل القطرات باستمرار مؤدية الى الليف الذي يحيط بالقمة النامية حاملة اليها الرطوبة باستمرار . 
من الخطأ اعتبار رسم الطبيعة عملا كسولا و أن كل شئ جاهز هناك في الخارج ما على المرء الا أن يرسم ما هو موجود كما تقوم الكاميرا..يتطلب رسم الطبيعة جهدا كبيرا و عينا خاصة . من اللازم أن تتضمن لوحة الطبيعة توليفا و تناغما موسيقيا . يجب أن يضفي الرسام عليها موسيقى بل إن عليه ، اذا توخينا الدقة ، اكتشاف موسيقاها الخاصة ، إن للطبيعة روحا نابضا خفيا  و إن لها جوهرا مخفيا. ليس الطبيعة مجرد شجر و مياه و سماء و طرقات و بساتين ، انها سمفونية معقدة في التكوين و اللون . و بهذا تكون الطبيعة الموضوع الاسهل لمن اراد استسهاله و ابتذاله  و الموضوع الاصعب لمن اراد أن ينظر الى ما خلف الظواهر العابرة .. نعم انها الاصعب و الأسهل في آن معا فمن السهل رسم عناصرها فهي في متناول الجميع و لكن من الصعب الوصول الى لوحة محكمة التكوين متناغمة الأجزاء ضمن مظهر الفوضى المخادع ، نعم هناك علاقة موسيقية بين عناصر الطبيعة و ألوانها و لكن علينا أن نحسن الاستماع .
هذا الـ ( twilight) وقت الغسق ليس واقعيا تماما ان فيه شيئا روحيا سماويا كما ارغب ان اقول 
كان مشهد البرتقال ما بعد المطر كما كان يقول زوارنا من بغداد اشبه بمصابيح برتقالية تؤجج الخضرة الداكنة بالضوء ... وهذا مطابق لنظريات اللون فالاخضر الزيتوني يتكامل مع البرتقالي 
جني البرتقال لدى قدماء المزارعين في قريتنا و نظافة البستان و تنظيمها و الاعتناء بها يحقق لهم استقرارا روحيا . في اللوحة ذات القارب التي تحدثت عنها هناك الجو نفسه .. انا شخصيا مفتون بهذا النوع من النور و خصوصا في الايام الممطرة . في التسعينات رسمت لوحة ذات افق مفتوح عرضتها في قاعة اصدقاء كان هناك فنان لا يرسم الطبيعة و يشارك معنا في العرض و قف يتأملها أكثر من مرة قال : احس بان هواء طريا يهب منها نحوي .
كنت اتأمل بستان جدتي صامتا ساعات .. أو اكون مع اخي الأكبر قد اتكأنا احيانا ظهرا على ظهر و نحن جالسون على الارض في البستان نقرأ كتابا ...
بقع الشمس التي اخترقت الفتحات القليلة التي ابقتها كثافة الاوراق الربيعية لأشجار الرمان و العنب الوارف كانت ذات حدود وردية زاهية 
أقول لأصحابي : أتلاحظون الحدود الوردية لبقع الشمس؟  بعضهم لا يراها. 
ليس رسم الطبيعة سهلا انه الأصعب .. وليس فهم لوحة الطبيعة  سهلا أيضا انه يتطلب مشاركة وجدانية و روحية لرحلة الرسام الصوفية في توزانات (الله)
كل عشبة صغيرة يحركها النسيم ربما مليمترات يسارا و يمينا ، كل عشبة منسية و ربما مسحوقة لها روح و شعور و شخصية أنا أشعرها تفرح و تتألم و تجوع و تعطش إنها نغمة في سمفونية الطبيعة .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات