: آخر تحديث
تبدأ من حلب وتنتهي فيها

رواية سيرة الفراشة .. صورة من اوجاع الحرب المذلة!

 صدر للقاص والروائي العراقي محمد حياوي روايته الجديدة التي تحمل عنوان (سيرة الفراشة) ،عند دار شهريار بمدينة البصرة العراقية وباتفاق خاص مع دار الآداب البيروتية، حيث تبدأ الرواية من مدينة (حلب) المنكوبة،وتنتشر في العديد من الامكنة والاحداث التي ترسم تداعيات الحرب ، والرواية هذه هي الخامسة له بعد (ثغور الماء) و(طواف متّصل) و(خان الشّابندر) و(بيت السودان) . 

   تقع الرواية في 172 صفحة من القطع المتوسط ،بغلاق مميز صممه الفنان صدام الجميلي،  افتتحها الكاتب بكلمة مأثورة هي احدى الوصايا لـ (جلال الدين الرومي) تقول (في الصمت بلاغة .. كفّ عن النسج وراقب كيف يتشكّل النمط)،الرواية ليست موزعة على فصول ولا لها عناوين فرعية بل تتشكل من مقاطع تتناغم مع بعضها باللغة السلسة بايقاعات هادئة تجعل القاريء يتأمل الشخوص والاحداث والتفاصيل الدقيقة،فيها اشياء كثيرة : حب وحب جنوني وموت وموت جنوني وقسوة وقسوة جنونية وسخرية وسخرية جنونية  وفيها ذل وذل جنوني، وفيها موسيقى ورسم وسلام وطيبة ومحبة وفيها ماض وحاضر ولكن من دون مستقبل حيث المجهول تحتضنه الحرب .
وحسب الناشرين تحاول الرواية : أن تروي مأساة جيل كامل ينسحق تحت آلة الحرب المُدمرة وتُنتَهك تطلّعاته وتتبدّد أحلامه ويفقد هويّته وذاكرته وتاريخه، لا سيما هؤلاء الذين لديهم مَلَكة الإبداع والخلق، فثّمة الموسيقي عازف البيانو (بسّام) وصانعة الرسوم المتحركة زوجته (ندى) والفنانة التشكيلية المغرقة في التصوف (نارسس) سليلة الأسرة الإيرانية الارستقراطية،واستاذة الموسيقى (سارة) المرأة اليهودية اليساريّة التي تنتشل (بسّام) من ضياعه وتخبّطه في مخيم اللاجئين وتقدّمه إلى عالم الموسيقى المبهر،لكنّها في الوقت نفسه قِصَّة البسطاء من العرب، هؤلاء الذين أضاعوا بوصلتهم ووقعوا في لحظات نادرة من التاريخ في براثن الخديعة والعنف والرّذيلة من دون أن يفقدوا أرواحهم تماماً، مثل (نعيمة) و(نسيمة) و(عبد الله) و(أم حسونة) وغيرهم،وفي المحصلة تحاول هذه الرواية، التي استندت إلى تكنيك غير معقّد ولغة خاصّة، أن تقدّم تلك التفاعلات الدرامية الموجعة وترصد التأثيرات الإنسانية الساحقة، من دون أن تتدخل في الأحداث أو تنحاز إلى جهة أو معتقد ما أو اخضاع تلك الأفكار والانثيالات لمحاكمة غير منصفة، لا ترصد في الواقع سوى الانسحاق الإنساني، في محاولة لاطلاق صرخة مكتومة، لا تكاد تغادر الحَلْق، ليس بوجه الحرب ومأسيها وحسب، إنما بسبب الألم الموجع.

حوارية القدر 
تفتتح الرواية بحوار بين اثنين ،القدر وبطل الرواية ،حوارية جميلة لكنها غير متكافئة، بين ناصح ويائس، ناصح يسرد الكثير من الكلمات لتأكيد قدررته على تفوقه بالنصح والسيطرة،ويائس يتلقى الكلمات بأسئلة موجزة مكثفة،يتلقاها برعب يصاعد في نفسه ،حتى الكلمات المعبرة الاخيرة (رأسك في حلب التي تفترشها الثعالب والخفاقيش وتأكل الكلاب السود عذاراها،وجسدك بارد تدثره غيوم امستردام الرمادية الثقيلة وتتنازعه الغريبات، حتى ندى شجرتك الحلبية، لن تعرفها بعد اليوم،لست اتوعدك صدقني، انما هو قدرك المفترش بالخيبة والخوف،بالضبط كما هو قدر المدينة كلها )، وهذا الكلام / المفتتح يمكن العودة اليه وقراءته مرة ثانية والتوقف عنده في اعادة التصورات في ها الرجل الذي فقد الذاكرة بعد ان تم اعتقاله من قبل المقاتلين (المجاهدين) المشتركين في ما يحدث على الارض السورية ، بعد ان ترك زوجته في حي صلاح الدين المسيحي المهجور من مدينة حلب التي تطحنها الحرب، غادر بيته بحثا عن سيارة ما ليفرّا بواسطتها خارج المدينة، وقد طلب من زوجته عدم مغادرة الشقّة مهما حصل)، لكن الجماعة المسلحة التي اعتقلته قررت اعدامه لانه كان يحمل في حقيبته (هوية صادرة من جمعية الموسيقيين وبعض صور تجمعه مع عدد من الفنانات والفنانين) حيث (الموسيقي عدو الله!!) .

مساران مختلفان
    تسير الرواية في مسارين ينطلقان من نقطة واحدة ، يتباعدان ويتشتتان  ثم يلتقيان ، مسار (بسام) الذي تدفعه الاقدار ليصل الى هولندا فاقد الذاكرة ويمنح اسم (ليف) اليهودي، ومسار زوجته (ندى) الحامل في اسابيعها الاولى تبقى وحدها في الشقّة تراقب نمو الجنين في أحشائها ببطء، وسط عزلة مهولة، تعيش على تخيلاتها العديدة الى ان يظهر (عبد الله) الشاب الطويل الملتحي من أصل مغربي المتورّط مع أحدى المنظمات الإرهابية لينقذ وعدا قطعه لزوجها عندما التقاه في سجون الدولة الإسلامية في نقلها خارج المدينة ويفي بوعده ،فتصل الى تركيا ومن ثم اليونان الى ان تحط الرجال في مخيم للاجئين في هولندا، ومن ثم يلتقي المساران داخل شقة (بسام / ليفي اليهودي) مع حبيبته الايرانية وصديقته اليهودية ، لكن المفاجأة / المفارقة تحدث ،حيث هي تعرفه زوجته ويغمى عليها وهو لا يعرفها، على الرغم من تلميحاتها العديدة له، فتغادر حيث يتوقف مسار زوجها وتستمر في مسارها رجوعا الى حلب،وقد مرت بالعديد من المواقف وقد تغيرت تماما (كانت قد تغيرت تماما،كما لو ان امرأة غريبة اخرى حلت بجسدها، امرأة قاسية،لم يعد موت العصافير الصغيرة يحزنها ولا تلويحة الفتاة المتكئة التي طالما تمنت لقاءها،وادمنت شرب القهوة والتدخين طوال النهار، وهي تتذكر ما جرى لها من احداث بتفصيلاتها الدقيقة..) .
انها الحرب .. 
الرواية في الحقيقة هي سيرة من سير الحرب التي تدفع الانسان الى اقدار لا يتوقعها ونتائج لم تخطر على باله حيث يعم السواد وتتفاقم القسوة ويتمزق النسيج ويموت الاجنة ويتغرب الاحبة ويضحك الجهل ملء شدقيه !!.
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات