: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

الاستعارات اللغوية: هكذا يضللنا الإعلام!

بيروت:  إنّ الاستعارات تعبير عقلي حيوي بسيط ومختصر. فالتأمل في الأمور التجريدية يصبح أسهل مع استخدام صور ذهنية ملموسة ومألوفة. الوقت خط أفقي. والحياة رحلة. ويمكن الملاحظة أن الفكرتين تتوافقان مع بعضهما البعض. بينما لو كان الوقت يُصوّر روتينيًا على شكل سلالم، فإنّ فكرة أن الحياة هي رحلة على الطريق ستتضارب مع صورة السلالم. من هنا، يستعين كل من العالِمَين اللغويين جورج لاكوف ومارك جونسون، في كتاب «Metaphors We Live By»، أو «الاستعارات اللغوية التي نتّبعها» (276 صفحة، منشورات جامعة شيكاغو)، بحقيقة أن الاستعارات اللغوية تنسجم بعضها مع بعض، كدليل على أنها متجذرة بعمق وتؤثر بقوة على تفكير الناس… وقد تكون مضللة أحياناً لدى الجمهور المتلقي.

يستحضر الكتاب عدة أمثلة من اللغة المستخدمة اليوم، إن في الإعلام، أو على ألسنة السياسيين، ليشرح كيف يمكن أن تكون الاستعارة اللغوية مضللة للمتلقي. إلا أن الكتاب يستدرك بالإشارة إلى أن خطر التضليل يبقى محدوداً.

ففي الاستعارة اللغوية، يمكن لعبارة «يمكنك أن تحصل على كعكتك وتأكلها»، التي يكثر استخدامها في الدلالة على  «بريكسيت»، أن توحي بشيء من الغرابة.

يحلل الكتاب إن العبارة في شكلها الحالي، لا تحمل معنى المفارقة، لأنّ الحصول على الكعكة ثم تناولها هو التسلسل الطبيعي المعتاد. أما في شكلها الأصلي «أن تأكل كعكتك وتحتفظ بها في آن واحد»، ففيها قوة، وبهذا يكون صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح بقرينة فيه تأثير أكبر. 

وبالرغم من أن هذه الاستعارة اللغوية المستخدمة في موضوع «بريكست» لطالما أتت في سياق الدعابة،  إلا أن بعض الاستعارات اللغوية قد تكون أكثر إقناعاً، وبالتالي أكثر خطورة. 

يستدل الكتاب بمثال آخر، وهو استخدام عبارة «الصفقات» في الاستعارة اللغوية. وفقًا لأناند مينون من كينغز كوليدج لندن، عادةً، إذا تم رفض الصفقة، فالوضع الذي يسيطر هو ذاك الذي كان سائدًا. ويعتقد المؤيدون لـ«بركسيت» أنه من أجل الحصول على «صفقة» أفضل، يجب على بريطانيا أن تبقى هادئة، وأن تكون راغبة في الابتعاد. وكما يرى البعض، فإن «عدم إبرام صفقة أفضل من إبرام صفقة سيئة».

تعبير عقلي حيوي

سيكون ذلك صحيحًا لو كان «بريكست» شبيهًا بشراء سيارة مستعملة. تتفحّص السيارة، وتقرر ألّا تنفق كل ما في جيبك لشرائها. لكنّ التاجر يريد كلّ ما تحمله. فتمشي بعيدًا من دون إتمام الصفقة. بهذا، يحتفظ التاجر بسيارته وتحتفظ أنت بالمبلغ الذي بحوزتك. لكن هذا لا ينطبق على موضوع «بريكست» الذي يخلو من «الصفقة»، إذ تنعكس تبعاته سلبياً على خطوط الإمداد، الروابط التجارية، وأكثر من ذلك بكثير. ففي هذه «الصفقة»، لن تحتفظ بالمبلغ الذي كنت تحمله في جيبك، وسينتهي بك المطاف بما هو أقل، كما أنك ستبقى من دون سيارة.

في الكتاب الكلاسيكي «Metaphors We Live By» يستعين كل من العالِمَين اللغويين لاكوف وجونسون، بحقيقة أن استعارات مثل هذه تنسجم بعضها مع بعض، كدليل على أنها متجذرة بعمق وتؤثر بقوة على تفكير الناس.

فقرة استراحة

تحتاج الاستعارات إلى عناصر متعدّدة لتعمل، منها البساطة. فإذا قارنت «بريكست» مع أي عقد تجاري متشعب،  يتضمّن "فقرة استراحة" تتوافق مع سوء التفاهم الحالي، ستكون لديك استعارة لغوية أكثر دقة - لكنّ هذا من شأنه أن يربك الكثير من الأشخاص غير المطّلعين على وثائق مماثلة.

أما باستخدام الاستعارات اللغوية البسيطة، فبعض التفاصيل لن تكون ملائمة؛ قد تكون الحياة رحلة، لكنّك لست بحاجة إلى جواز سفر. لكنّ العناصر المركزية للاستعارة يجب أن تمثّل العناصر المركزية للظاهرة التي تصفها، وإلّا فستصبح الاستعارة مضلّلة (وهو ما يسعى السياسيون أحيانًا إلى تحقيقه). «الحرب» في مثال أخر، عبارة مجازية مشهورة. فكلّ الحروب التي دارت بسبب الفقر والمخدرات والإرهاب قد فشلت. لماذا؟ في الواقع، يسعى السياسيون إلى استدعاء عنصر واحد من استعارة «الحرب» عندما يستخدمونها: الصراع الوطني الحادّ. ولكن هناك جزء آخر حاسم في الحرب، ألا وهو العدو.

ففي الحرب الحقيقية، يقاوم المشاركون وربما يفوزون. وعندما تربح جهة ما، قد يقتنع العدو بالاستسلام رسميًا. أما المخدرات أو الفقر أو الإرهاب فلا تفعل ذلك، ما يترك الجمهور الذي حرّضه الحديث عن «الحرب»، في حالة من الإحباط. فتعطي الاستعارة نتائج عكسية. لست بحاجة إلى أن تكون الجنرال الصيني سون تزو لتعلم أنه لا ينبغي إعلان حرب لا يمكن كسبها.

يستدل الكتاب باستعارة لغوية مغرية مشابهة، نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لا يستطيع ترمب التوقف عن الحديث عن «الفوز». يمكن لشخص ما الفوز في مسابقة رياضية (أو حرب)؛ في هذا النوع من اللقاءات، تجد أيضًا خاسرين واضحين.

في بعض الأحيان، هناك حالات «مربحة للجانبين»، لكنّ هذه التسمية هي نوع من التناقض المتعمّد، مثل الكعك الذي يتم تناوله لكنه يبقى موجودًا؛ فالمعنى الأساسي «للفوز» هو الانتصار على الخصم. ومما لا ريب فيه، إن ترمب يعتقد على ما يبدو أن أي صفقة يخرج منها الطرف الآخر راضيًا... لا تعتبر «فوزًا».

تأثير محدود

في الواقع، إن تأثير الاستعارات اللغوية بأسلوب مغرض يبقى محدوداً، وكذلك فائدة استبدالها. فقد خلصت دراسة أعدتها جامعة ستانفورد إلى أن التحول من وصف الجريمة على أنها «وحش» إلى وصفها على أنها «فيروس» أدّى بالمشاركين إلى اقتراح حلول مختلفة. ظنوا أنّه ينبغي محاربة «الوحش» بالقانون والنظام. بينما إذا اعتبروها «فيروسًا»، فكانوا أكثر ميلًا إلى اقتراح سياسات مرتبطة بنمط الصحة العامة. غير أن نهج القانون والنظام بقي يحظى بالأغلبية، لكن بعدد أصوات أقل من قبل. لذا، فإنّ استبدال الاستعارات اللغوية لن يحقق نتائج سحرية. 

لكن، من المهم مكافحة الأمثلة المضللة من خلال استخدام أمثلة أفضل. هذا أمر صعب لأنّ الناس متعلّقون بالأطر المرجعية القديمة، لكنّه ليس مستحيلًا. يجب أن تكون الاستعارة اللغوية الجديدة كاملة ومقنعة. على سبيل المثال، فإنّ «بريكست» شبيه بـ«الطلاق» أكثر منه بـ«الصفقة» التجارية. سيكون الانفصال مؤلمًا، وسيترتّب عن القيام بذلك بشكل حاد ثمنٌ أكبر، حيث تضيع الأصول في الشجار ويغتاظ الأطفال المتشاجرون. قد تكون هذه الاستعارة أكثر دقة، لكنّها أقل بهجة أيضًا. لذا فهي تصطدم بميزة أخرى عميقة الجذور تتعلّق بالإدراك البشري: وهي الرغبة في الميل الهروب من التفكير في الأمور المزعجة والمعقدة.

أعدّت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/books-and-arts/2018/11/03/the-dangers-of-misleading-metaphors?frsc=dg%7Ce


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات