: آخر تحديث

مسوّغات للقراءة المنتخبة

 
 وأنا أتصفح صحيفة " الديلي ميل " البريطانية كعادتي التي لازمتني منذ أمد بعيد في متابعة الأخبار السياسية والثقافية معاً  ؛ لفتت نظري مع التقرير الصحفي الذي كنت أقرأه صورة عرَبة غير مألوفة الملامح تبدو عسكرية مدرّعة منذ اول وهلة من خلال بروز فوهة مدفع في سقفها لكنها محاطة برفوفِ كتبٍ حولها وفي غرفة قيادتها ... بعد مواصلة قراءتي أيقنت انها عمل فني مبتكر يهدف الى الدعوة الى ارتقاء العقل والنزوع الى السلام محاكاةً للأساليب الحربية العدوانية ، لكن الغاية تختلف كثيرا باعتبارها هدفا معاكسا مضادا للحروب وويلاتها لِما تسبب من دمارٍ شاملٍ  على عكس الفن الملتزم الذي ينشد إعماراً وسلاما ممتدّا شاملا .
فما الذي يفعله الفنان والمبدع المبتكر حينما يرى طغيان الموت والدمار واتساع السلاح والحروب الكثيرة العائمة في هذه المعمورة ويصمّ أذانه دويّ مصانع إنتاج الأسلحة بدءا من الرصاصة حتى القنابل والمقذوفات المرعبة  والبراميل المتفجرة وشيوع أسلحة التدمير الشامل بما فيها المحرّمة دوليا سوى ان يطوّع إبداعاته وبأشكال عديدة ليقف مجابهاً ومحتجّا واضعا البديل الأرقى لإحلال السلام بين الشعوب من خلال محاربة الجهل وصولا الى التعليم السليم الذي يرسّخ السلام والأمن والحياة المطمئنة .
هذا مافعله الفنان الارجنتيني الشاب " راؤول ليميسوف  " حينما صنع في ورشته الفنية بالعاصمة الأرجنتينية آليةً تشبه الدبابة تتحرك في شوارع " بوينس آيرس " وقام بتركيب فوهة مدفع في أعلاها لتقذف على الناس كتبا وكراسات صغيرة تدعو الى السلام والمحبة ونبذ الحرب وويلاتها ومناشدة العالم لان يكون بالضد مما يحاك من الرأسمال الطائش الذي لا يعبأ بمصائر الإنسان بقدر ما يريد ان يحقق أرباحا على حساب أوجاع المكدودين وضحايا الحرب .
ابتكر هذا الفنان تصميمه الذي سماه " سلاح التعليم الشامل " حينما رأى صدفةً في مقابر السيارات الخردة سيارة قديمة نوع " فورد " وقام بسحبها الى ورشته وعمل على إدامتها وتأهيلها وتشغيل محرّكها وإحاطتها بالرفوف المليئة بالكتب المنتقاة بمواضيعها المناهضة للحروب والمكافحة للجهل بعناية فائقة لكي يوزعها مجانا على الملأ على ان يَعدهُ القرّاء بقراءتها واضعا نصب أعينه بان التعليم والتوعية هما اقوى سلاح يمكن استعمالهما لتغيير العالم مؤكداً مقولة شاعر سان فرانسيسكو الخالد  روبرت فروست " ان حبر المطابع يعد اخطر متفجرات العقل " .
تقف تلك السيارة بشكلها المماثل لعربة عسكرية في المراكز والساحات المكتظة بالسكان في العاصمة الارجنتينية وتوزع منشوراتها من الكتب ؛ بعدها تتحرك الى أماكن أخرى مزدحمة لتوزيع المزيد ، وأحيانا تقذف بمحتويات فوهة المدفع في الازقة الضيقة التي يصعب سير السيارات فيها وتنشرها على الناس ليتلقفها القرّاء ببهجة وسعادة على غرار المدافع العسكرية الحقيقية التي تؤدي الى الموت بينما مدفع الفنان " راؤول ليميسوف " يؤدي الى إعادة الحياة وبثّ المعرفة والتعليم وترتيبه سلميا لأن مهاجمة الناس بوابل من المعرفة التي تحويها الكتب تعدّ طريقة ممتعة بدلا من الطريقة المفزعة التي ينتجها الرصاص .
سبق وان قام عدة فنانين عالميين قبل الشاب " ليميسوف " على نشر المعرفة عن طريق الكتاب بصورة ملفتة للترغيب بالمطالعة حيث بادر احد الفنانين من دولة " ﭽيكيا " باستخدام عربة ترام قديمة عمل على إحيائها وصيانتها وأثثها بالرفوف المليئة بالكتب النافعة المختارة وأخذت تجول في مدينة " برنو " السياحية الجميلة عاصمة اقليم مورافيا . كما عمل المثقفون في بروكسل في تجربة اخرى بالتعاون مع فناني هولندا على تأهيل شاحنة كبيرة أسموها " بيبوس " كمكتبة متنقلة للاطفال تحتوي قاعة ومناضد وكراسي ورفوفا من الكتب المختارة في عربتها ليجلس المرتادون وقراءة ما يستسيغونه ثم تجوب مناطق اخرى حتى تصل الأرياف لنشر الوعي وحبّ القراءة الى ابعد نقطة في البلاد المنخفضة أرضا والمرتفعة عقلا ووعيا .
هناك العديد من التقليعات الجميلة المحببة وتجميل المكان للترغيب في المطالعة والاطلاع ومحاربة الجهل وكثيرا ما رأينا سفنا عتيقة مهملة في مراسي الموانئ تم تأهيلها وترتيبها وصيانتها لتكون مكتبات بوسط الماء تستهوي القرّاء لارتيادها وأخذ قسط من المعرفة ، وكل هذا الاهتمام واستقطاب الاخرين للمعرفة ومحاربة الجهل هو الخطوة الاولى الراكزة الواثقة من اجل إحلال الأمن وبناء العقل سلميا ومجابهة الحروب التي تفتك بالبشرية وجعل معمورتنا عامرة بالخير والبناء مثل اسمها .
ومثلما نرى وحوشا شرسة عدوانية بهيئات بشرية تعمل على اختلاق الحروب وإثارة النزاعات وخلق بؤر للتوتر ؛ هناك ايضا مبشّرون ومثقفون  شرفاء يهمهم إيقاظ العقل وتنوير الانسان أينما كان وحيثما وُجد وترغيب الملأ للقراءة وزيادة الوعي وتوسيع الافق في اذهان الناس من اجل السلام والمحبة والثقافة ويُحزنهم ان تنحسر القراءة أمام مغريات الحياة الجمّة وخاصة الفضاءات الالكترونية والميديا الرقمية الضارة والمشتتة للفكر ويسعدهم تطوير المهارة الذهنية بين البشرية عن طريق الكتاب ويبتكرون ما يدور في خلدهم من وسائل لتشجيع اقتناء  الكتاب وقراءته وإشاعته ولو أهدَي للعابر والقاصد مجانا طالما ان الاغلبية لم تعد تقرأ ولا تحبذ الكتاب الورقي خاصةً منذ ان ظهرت وانتشرت الميديا الرقمية واتساع الانترنيت كما قال إمبرتو إيكو ؛ فهؤلاء هم العيّنة الأرقى والأكثر نبلا وسموّاً إنسانيا وخلُقاً رفيعاً ، وشتان بين من يسعى لنشر أسلحة التعمير ومن يسلك مسلكا قذرا لنشر أسلحة التدمير .
 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات